الاصول التى ينبنى عليها المذهب المالكى



الاصول التى ينبنى عليها المذهب المالكى - باختصار من ( ايصال السالك فى أصول الامام مالك)) للولاتي



مولاى بن عبد الدايم

الاصول الاجمالية التى يستخرج منها الامام مالك رحمه الله الاحكام الشرعية ويعتمد عليها فى العمل والافتاء والقضاء عددها ستة عشر سنذكرها بايجاز وهى :
أولا : النص

والنص هو المعنى الدال على معنى لا يحتمل غيره أصلا. مثاله فى الكتاب قوله تعالى فى صيام المتمتع الذى لم يجد هديا : (( فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة اذا رجعتم تلك عشرة كاملة )) ومثاله من السنة قوله صلى الله عليه وسلم : (( ان الله حرم عليكم وأد البنات ))
ثانيا : الظاهر

وهو اللفظ الدال فى محل النطق على معنى لكنه يحتمل غيره احتمالا مرجوحا فدلالته على المعنى الراجح فيه تسمى ظاهرا ودلالته على المعنى المرجوح فيه تسمى تأويلا مثاله من الكتاب قوله تعالى : (( فاطعام ستين مسكينا ))
ومثاله من السنة قوله صلى الله عليه وسلم : (( من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له
ثالثا :دليل الخطاب



أي دليل الخطاب من الكتاب والسنة وهو مفهوم المخالفة منهما ويجرى فى الشرط والغاية والحصر والعدد والعلة والوصف والظرف مثال مفهوم الشرط من الكتاب : (( وان كن أولات حمل فأفقوا عليهن)) فمفهومه أن غير أولا ت الحمل من المطلقات البائن لا تجب على الزوج لها نفقة ومثاله من السنة قوله صلى الله عليه وسلم : ((من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه )) فمفهومه أن من وهب له طعام يجوز بيعه قبل استيفائه ومثاله فى الغاية من الكتاب قوله تعالى فى المطلقات ثلاثا : (( فان طلقها)) أى الثلاثة (( فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره )) فمفهومه أن المبتوتة اذا نكحت زوجا غيرزوجها الاول أى وطئها فى نكاح صحيح لازم أنها تحل لزوجها الاول اذا طلقها الثانى ومثاله فى السنة قوله صلى الله عليه وسلم : (( رفع القلم عن ثلاثة الصبى حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ فمفهوم الغاية أن الصبى
اذا بلغ والمجنون اذا أفاق والنائم اذا استيقظ لا يرفع عنهم القلم ومثاله فى العدد من الكتاب قوله تعالى : (( الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة )) فمفهوم قوله تعالى مائة جلدة أن الزيادة والنقص
عن ذلك العدد لا تجوز ومثاله من السنة قوله صلى الله عليه وسلم ( اذا ولغ الكلب فى اناء أحدكم فليغسله سبع مرات )) فمفهوم العدد أن الزيادة على السبع والنقص عنها غير جائز ومثاله فى الحصر من الكتاب قوله تعالى : (( لا يكلف الله نفسا الا وسعها)) أى طاقتها فمفهوم الحصر أن الذى فى الوسع من المأمورات هو الذى يكلف به ومثاله من السنة قوله صلى الله عليه وسلم : (( لا يقبل الله صلاة بغير طهور )) أى وضوء أو غسل او بدلهما وهو التيمم لمن عجز عنهما ، فمفهوم الحصر أن الصلاة الواقعة بطهور مقبولة اى صحيحة
ومثاله فى الصفة من الكتاب قوله تعالى : (( وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن ))
فمفهوم قوله : (( اللاتى دخلتم بهن )) ان الزوجة التى لم يدخل بها الزوج وانما عقد عليها فقط لا تحرم عليه بنتها
ومثاله فيها من السنة قوله صلى الله عليه وسلم : (( فى الغنم السائمة زكاة )) فمفهوم الصفة أن المعلوفة لا تجب فيها الزكاة وهو كذلك عند غير مالك ومثاله فى الظرف من كتاب الله قوله تعالى : (( الحج أشهر معلومات )) وقوله : ((وأنتم عاكفون فى المساجد )) فمفهوم الظرف أن الحج فى غير تلك
الاشهر والاعتكاف فى غير المساجد غير مشروع ولا يحل ومثاله فيه من السنة قوله صلى الله عليه وسلم : (( اذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء وأغلقت أبواب جهنم )) فمفهوم الظرف أن غير رمضان من الشهور
لا تفتح فيه أبواب السماء ولا تغلق فيه أبواب جهنم ))
رابعا : تنبيه الخطاب

ومن أدلة مذهب الامام مالك تنبيه الخطاب من الكتاب والسنة ويسمى أيضا بفحوى الخطاب وهو مفهوم الموافقة وانما سمي بمفهوم الموافقة لكون المعنى المسكوت عنه موافقا للمعنى المنطوق به فى الحكم وانما سمي تنبيه الخطاب لان السامع يتنبه عند الخطاب بالمعنى المنطوق به وحده الى دلالة اللفظ على معنى غير مذكور موافق للمعنى المذكور فى الحكم بالمساوات له فيه والاولوية به عنده فمثال مفهوم
المساوى فى القرآن قوله تعالى : (( ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما)) فتدل بالمفهوم الموافق على مساواة احراقه لأكله ظلما فى التحريم لأن العلة فى تحريم أكله ظلما الاتلاف وتلك العلة موجودة بتمامها فى احراقه
ومثال مفهوم الاولى فى القرآن قوله تعالى : (( ولا تقل لهما أف )) فالاية تدل بالمنطوق على تحريم التأفيف على الوالدين وتدل بالمفهوم الموافق على أن ضربه لهما أولى بالتحريم من التأفيف لان العلة فى تحريم التأفيف عليهما هي الايذاء وتلك العلة أتم فى الضرب منها فى التأفيف ومثال تنبيه الخطاب المساوى للمنطوق فى الحكم من السنة قوله صلى الله عليه وسلم : (( من ابتاع عبدا فماله للذى باعه الا أن يشترطه المبتاع )) فانه يدل بالمنطوق على أن مال العبد المبيع للبائع الا أن يشترطه المشترى ويدل بالمفهوم الموافق على أن مال الامة المبيعة مساو لمال العبد المبيع فيما ذكر
ومثال تنبيه الخطاب الاولى بالحكم من المنطوق من السنة قوله صلى الله عليه وسلم : (( لو دعيت الى كراع لأجبت ولو أهدي الي كراع لقبلته )) فانه يدل بالمنطو ق على أن اجابة الداعى الى كراع وقبول الكراع هدية سنة ، ويدل بالمفهوم الموافق على أن ما هو أكثرمن الكراع أولى بسنية القبول واجابة الداعى اليه
خامسا : دلالة الاقتضاء

والاقتضاء على قسمين : تصريحي وتلويحي فالتصريحي هو أن يدل اللفظ دلالة التزام على معنى لا يستقل المعنى الاصلي بدونه لتوقف صدقه أو صحته عليه عادة أو عقلا أو شرعا مع أن اللفظ لا يقتضيه
مثال المفهوم المتوقف صحة الكلام عليه عادة من الكتاب قوله تعالى : ((وأوحينا الى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق )) فمنطوق الاية أ ن الله عز وجل أمر موسى أن يضرب البحر بعصاه وأن البحر انفلق ومفهومه تقديره ((فضربه )) قبل قوله (( فانفلق )) لأن هذا المنطوق لا يتأتى عادة بدون هذا المفهوم الذى تقديره (( فضربه )) قبل قوله (( فانفلق )) لأن الانفلاق سبب عادي عن الضرب ووجود السبب بدون مسبب محال عادة
ومثال المفهوم المتوقف صحة الكلام عليه عقلا قوله تعالى : (( واسأل القرية )) أى الابنية المجتمعة وصحة ذلك عفلا متوقفة على المفهوم الذى هو تقدير الاهل قبل قوله : القرية لأن سؤال القرية نفسها محال عقلا
ومثال المفهوم المتوقف صحة الكلام عليه شرعا قوله تعالى : ((وأقيموا الصلاة )) فمنطوق الاية الامر باقامة الصلاة وهذا المنطوق متوقفة صحته شرعا على تقدير الامر بالطهارة قبلها
ومثال المفهوم المتوقف صدق الكلام عليه عقلا من السنة قوله صلى الله عليه وسلم : (( رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )) فان منطوق الحديث أن الخطا والنسيان والاكراه مرفوعة عن هذه الامة وصدق هذا الكلام متوقف عقلا على المؤاخذة بالخطا الخ لأن نفس الخطا والنسيان والاكراه غير مرفوع عن هذه الامة لمشاهدة وقوع هذه الثلاثة منهم حسا وأما الاقتضاء التلويحي فهو أن يدل اللفظ دلالة التزام على معنى يلزم من المعنى الاصلي لكن لا يتوقف عليه صدقه ولا صحته لا عقلا ولا شرعا ولا عادة ولا يتوجه اليه القصد عادة مثاله من الكتاب قوله تعالى : ((أحل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم )) فمنطوق الآية جواز الجماع فى كل جزء من الليل حتى الجزء الاخير الملاقى للصباح وذلك يزم منه الاصباح بالجنابة فى
رمضان ومثاله من السنة قوله صلى الله عليه وسلم : (( النساء ناقصات عقل ودين ))
قيل : ( وما نقصان دينهن) ؟
قال صلى الله عليه وسلم : ((تمكث احداهن شطر دهرها لا تصلى )) . فمنطوق الحديث تبيين نقصان دين النساء لكونهن يمكثن شطر الدهر لا يصلين وذلك يلزم منه أن أكثر أمد الحيض خمسة عشر يوما لأن المقام مقام مبالغة فى ذم النساء بنقصان العقل فلو كن يمكثن فى الحيض أكثر من ذلك لذكره وخمسة عشر
يوما هي شطر الدهر
سادسا : دلالة التنبيه

وهى من قبيل دلالة اللزوم وتسمى بدلالة الايماء وهي أن يقرن الوصف بحكم لو لم يكن اقتران الوصف بذلك الحكم لبيان كونه علة له لعابه الفطن بمقاصد الكلام لأنه لا يليق بالفصاحة مثاله من الكتاب قوله تعالى : ((والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما فان اقتران الامر بقطع يد السارق مع وصفه بالسرقة يدل باللزوم على أن السرقة هي علة القطع شرعا اذ لو لم تكن علة لكان الكلام غير بليغ ومثاله من السنة قوله صلى الله عليه وسلم للاعرابي الذى قال له واقعت أهلى فى نهار رمضان : (( اعتق رقبةالخ )) فان اقتران الامر بالتكفير مع وصف الاعرابي لنفسه بالوقاع فى نهار رمضان يدل باللزوم على أن الوقاع علة
للامر بالتكفير بالعتق أو الاطعام أوالصوم فى الشرع ا لو لم يكن علة له لكان الكلام غير بليغ بل يكون غير مفيد
سابعا : الاجماع : وهو لغة العزم واصطلاحا اتفاق العلماء المجتهدين فى هذه الامة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فى أي عصر سواء كان المتفق عليه حكما شرعيا كحلية النكاح أو لغويا ككون الفاء للتعقيب أو عقليا كحدوث العالم أو دنيويا كتدبير الجيوش ولا يعتبر فيه وفاق العوام مع المجتهدين والمراد بالعوام من لم يبلغ درجة الاجتهاد فيدخل مجتهد الفتوى ومجتهد المذهب أى فيعتبر وفاقهم للمجتهدبن المطلقين ولا ينعقد الاجماع مع مخالفة امام معتبر كابن عباس من الصحابة أو الزهري من التابعين وكالاوزاعي من تابعى التابعين ولا بد فيه من مستند من كتاب أو سنة أو قياس ولا يشترط فيه انقراض عصر المجمعين ولا كونهم على عدد التواتر وهو حجة شرعية عند جميع أهل السنة لقوله تعالى : ((ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا )) وقوله صلى الله عليه وسلم : ((لا تجتمع أمتى على ضلالة )) وهو على قسمين : نطقي وسكوتي فالنطقي هو أن يكون اجتماع المجتهدين على الحكم بالنطق به من كل واحد منهم ، والسكوتي هو أن ينطق به بعضهم ويسكت
الباقون وهو حجة ظنية والنطقي على قسمين : قطعي وظني فالقطعي منه المشاهد أو المنقول بالتواتر
والظني هو المنقول بخبر الاحاد الصحيح وهو حجة ظنية والقطعي حجة قطعية وهو الذى يمنع خرقه لاحداث قول زائد والمجمع عليه على ثلاثة أقسام : ضروري ومشهور ونظري فالضروري هو الذى يكفر جاحده بلا خلاف كتحريم الزنا والمشهور يكفر صاحبه على المشهور ان كان منصوصا من الكتاب والسنة لأن جحده تكذيب للشارع مثاله ربا الجاهلية وربا النساء
واما النظري فلا يكفر جاحده اتفاقا ولو كان منصوصا فى الكتاب والسنة كفساد الحج بالوطء قبل الوقوف بعرفة وكاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب فان هذين مجمع عليهما ولكنهما نظريان
ثامنا : القياس

ومن أدلة الامام مالك الشرعية القياس وهو لغة التقدير والتسوية قال الفهري : والنظر فيه من أهم أصول الفقه اذ هو أصل الرأى وينبوع الفقه ومنه تتشعب الفروع وهو جل العلم وحده اصطلاحا : حمل مفهوم على معلوم لمساواته فى علة الحكم عند الحامل فخرج الحكم الثابت بالكتاب والسنة فلا يسمى قياسا ودخل بقوله عند الحامل القياس الفاسد فى نفس الامر لانه قبل ظهور فساده معمول به كالصحيح
وأركانهاأربعة : الاول : المقيس عليه : وهو محل الحكم المشبه به كالبر
والثانى : حكم الاصل : كتحريم الربا فى البر
والثالث : الفرع : وهو محل الحكم المشبه كالدخن مثلا على القياس فى البر وهو مقدم على خبر الواحد عند مالك اذا تعارض معه لأن الخبر متضمن للحكم فقط والقياس متضمن للحكم والحكمة أى العلة ويجرى فى الكفارة والتقدير والحدود على المشهور مثاله فى الكفارة قياس رقبة الطهار على رقبة القتل فى اشتراط الايمان فيهما بجامع أن كلا منهما كفارة ومثاله فى التقدير قياس أقل الصداق على أقل نصاب السرقة فى جعله ربع دينار كون كل منهما لاستباحة عضو ومثاله فى الحدود قياس اللائط على الزانى فى لزوم الحد
بجامع ايلاج فرج فى فرج مشتهى طبعا محرم شرعا ولا يجرى فى الرخص ولا الاسباب ولا الشروط ولا الموانع اما الرخص فلأنها لا يعقل معناها ولأنها مخالفة للدليل والقياس عليها يؤدى الى كثرة المخالفة وأما الاسباب والشروط والموانع فلأن القياس عليها يستلزم نفى السببية والشرطية والمانعية من خصوص المقيس والمقيس عليه وما سوى ما ذكر من الاحكام الشرعية يجرى فيه القياس اتفاقا
تاسعا : عمل أهل المدينة

ومن الاصول الشرعية التى يعتمد عليها الامام مالك عمل اهل المدينة والمراد بهم الصحابة والتابعون ولكن بشرط ان يكون فيما لامجال للراى فيه من الاحكام الشرعية وقيل ان عملهم حجة مطلقا ولو فى الحكم الاجتهادي وحجة القولين قوله صلى الله عليه وسلم : ((المدينة كالكير تنفى خبثها))
والخطأ خبث فوجب نفيه عنهم ولأنهم أعرف بالوحي ولسكناهم بمحله وهو مقدم عند مالك على خبر الاحاد
عاشرا : قول الصحابي

فالقول المروي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة شرعية عندمالك سواء كان الصحابي اماما أو مفتيا أو حاكما وسواء كان قولا أو فعلا والمراد بقول الصحابي رأيه الصادر عن اجتهاده ويشترط فيه عند مالك أن يكون منتشرا ولم يظهر له مخالف نقله الباجي ومعنى كونه حجة أن المجتهد التابعي وغيره يجب عليه اتباعه ولا تجوز مخالفته وأما المجتهد الصحابي فليس حجة عليه قول غيره من الصحابة
الحادى عشر : الاستحسان

أى أن الاستحسان من أدلة مالك التى يحتج بها فى الشرعيات واختلف فى تفسيره فقيل ( هو اقتفاء ما له رجحان ) أي هو اتباع الدليل الراجح على معارضه من الادلة الشرعية وقيل بل هو دليل يقذفه الله فى ذهن العالم المتصف بالاجتهاد المطلق حتى ينقدح فيه وينشرح له ولكن المجتهد اقصر عن التعبير أي لا يعلم كيف يخبر عن الدليل المقذوف فى ذهنه فهو فى هذه الحالة مردود على الصحيح كما قال فى الغيث قال ابن الحاجب : لأنه ان لم يتحقق كونه دليلا فمردود اتفاقا وان تحقق ذلك فمعتبر اتفاقا وقد رده البيضاوي بأنه لا بد من ظهوره ليتميز صحيحه من فاسده لأن ما ينقدح فى نفس المجتهد قد يكون وهما لا عبرة به وقال ابن الحاجب : تصوره عندى كالممتنع لأن من أوصاف المجتهد البلاغة والبليغ هو الذى يبلغ بعبارته كنه مراده فكيف ينقدح فى ذهنه دليل ويعجز عن التعبير عنه ؟
قال أشهب : ان الاستحسان هو تخصيص الدليل العام بالعادة لمصلحة الناس فى ذلك كاستحسان دخول الحمام من غير تعيين بزمن المكث وقدر الماء مع أن الدليل الشرعي العام يمنع ذلك لأنه داخل فى القدر المنهي عنه فى الحديث للجهل بالثمن وهو الماء ومقدار المكث وكذا شراء الشرب من القربة من غير تعيين قدره لأنه قدر يسير معفو عنه استحسانا وانما استحسن جواز هذين الامرين لأن المكايسة فيهما بتعيين قدر الماء المغتسل به وقدر المكث فى الحمام فى الاولى وقدر الماء المشروب فى الثانية قبيحة عادة
الثانى عشر : سد الذرائع

ومعناه أن سد أبواب الوسائل الى الفساد من أدلة مالك التى يحتج بها فى الشرعيات ويعتمد عليها فمتى كان الفعل السالم من المفسدة وسيلة الى مفسدة كان ممنوعا عند مالك وهذا الاصل خاص بمذهبه وقد أجمعت الامة على أن وسائل الفساد تنقسم الى ثلاثة أقسام هي : قسم متفق على منعه وقسم متفق على جوازه وقسم مختلف فيه فالمتفق على منعه كسب الصنم عند عابديه الذين يسبون الله عند سبه وكحفر الابار فى طرق المسلمين والقاء السم فى أطعمتهم
أما القسم المتفق على جوازه فمن قبيل غرس شجر العنب مع أنه وسيلة الى عصر الخمر
أما القسم المختلف فيه فكبيوع الاجال لأنها وسيلة الى الربا ولم يمنعها الامالك
ويجدر التنبيه الى أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها ويندب ويكره ويباح
قال فى التنقيح : واعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها ويندب ويكره ويباح فان الذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة المحرم محرمة فكذلك وسيلة الواجب واجبة كالسعي الى الجمعة والحج
الثالث عشر : الاستصحاب

وينقسم الى قسمين : الاول : استصحاب العدم الاصلى. والثانى : استصحاب ثبوت ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه حتى يثبت نفيه
فالاول : هو المسمى بالبراءة الاصلية وهو انتفاء الاحكام الشرعية فى حقنا حتى يدل دليل على ثبوتها ولا يكون حجة شرعية الا بعد البحث عن دليل من الكتاب والسنة يدل على خلاف العدم الاصلي والاصل فيه قوله تعالى : ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا )) وخالف فى الدليل الابهري وأبوالفرج من المالكية وطائفة من الفقهاء فقال الابهري : الاصل فى الاشياء قبل ورود الشرع المنع واحتج بقوله تعالى : (( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ))
وقال أبو الفرج : الاصل فى الاشياء قبل ورود الشرع الاباحة الشرعية لا العقلية وحجته قوله تعالى : (( هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا )) وقوله : (( وأعطى كل شيء خلقه )) فمعنى الايتين أن الاشياء خلقت مباحة لبنى آدم والتحريم فى بعضها طار على الاباحة وفصل بعض الفقهاء فى الشيء الذى تعارضت فيه الادلة أو عدمت فقال ان كان ذلك الشيء مضرا فهو منهي عنه كراهة أو تحريما على قدر مرتبته من المضرة كأكل التراب وشرب التبغ وشمه لقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا ضرر ولا ضرار ))أي فى ديننا وان كان
نافعا كأكل فاكهة بمجرد التشهى والتفكه فهو مأذون فيه اباحةأو ندبا أو وجوبا على مرتبته من النفع لقوله تعالى : (( هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا )) ولا يمكن الا بجائز فيه نفع
والنوع الثاني من الاستصحاب هو معنى قول الفقهاء : الاصل بقاء ما كان على ما كان ومعناه أن الشيء الذى دل الشرع على ثبوته لوجود سبب يجب الحكم باستصحابه حتى يدل دليل على نفيه كثبوت شغل الذمة بوجود سببه الذى هو الالتزام والاتلاف حتى تثبت براءتها بالبينة أو الاقرا ر
الرابع عشر : خبر الاحاد

أي أن الحديث أو الفعل أو التقرير الذى رواه واحد عدل فطن مأمون ثقة أو من فى حكمه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة شرعية عند مالك بنى عليه بعض فروع الفقه فى مذهبه ومفاده الظن والفرق بين المتواتر والمستفيض والاحاد أن المتواتر هو الجمع الذى يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة وهو يفيد العلم الضروري والمستفيض مار واه جمع لا يمتنع تواطؤهم على الكذب وهو يفيدالعلم النظري أما الآحادي فهو خبر الواحد العدل وهو يفيد الظن
وفد اتفق الاجماع منذ محمد صلى الله عليه وسلم الى الآن على وجوب العمل بخبر الواحد فى الشهادة والفتوى وحكم الحاكم والامور الدنيوية كاتخاذ الادوية والاغذية والتجارة والسفروقد اتفقت المذاهب والفقهاء والاصوليون على وجوب العمل به فى سائر الامور الدنيوية ولكن اختلفوا هل وجوب العمل
به ثابت بالشرع أو بالعفل أو بهما معا
الخامس عشر : المصالح المرسلة

فقد نقل عن مالك الاحتجاج بالمصالح المرسلة أي المطلقة من الاعتباروالالغاء أي التى لم يرد عن الشارع أمر بجلبها ولا نهى عنهابل سكت عنها وتنقسم المصال الى ثلاثة أقسام:
الاولى : المصلحة المعتبرة شرعا أي التى أمر الشارع العباد بجلبها لأنفسهم كمصلحة حفظ العقل فان الشارع أمر بجلبها اجماعا ولذلك يحرم استعمال كل مأكول أو مشروب أو مشموم يزيل العقل بالقياس على الخمر
الثانية : الملغاة شرعا : أي التى نهى الشارع العباد عن جلبها لأنفسهم كمصلحة ارتداع الملك عن الجماع فى نهار رمضان فانها تلزمه بالتكفير بصوم شهرين ممتابعين فلا تخيير بينه وبين الاطعام والعتق لسهولة بذل المال عليه فى شهوة الفرج
وقد ألغى الشارع هذه المصلحة بتخيير المجامع فى نهار رمضان فى التكفير بين الصوم والاطعام والعتق ولم يفرق بين الملك وغيره
الثالث عشر : المصلحة المرسلة : أي المطلقة من الاعتبار والالغاء وهي حجة عند الامام مالك ومعنى احتجاجه أنه يأمر بجلبها ويقيس عليها كمصلحة الاقرار من المتهم بالسرقة فان مالكا يبيح جلبها بضربه وحجته فى العمل بها أن الصحابة رضي الله عنهم عملوا بها وقد كانوا يقبلون بالمصالح فى وجوه الرأي ما لم يدل دليل شرعي على منعها ككتابة المصحف ونقطهم وشكلهم له وكحرق عثمان رضي الله عنه للمصاحف وجمع الناس على مصحف واحد خوف الاختلاف فى الدين وقد عارض الاحتجاج بها كبار أصحاب مالك وجمهور العلماء
وقالوا فى مسألة ضرب السارق : لا يجوز ضرب المتهم بالسرقة ليقر لأنه قد يكون بريئا
السادس عشر : مراعاة الخلاف

وآخر هذه الاصول رعي الخلاف وهو من أدلة مالك التى كان يستدل بها لكنه كان يعمل بها تارة ويعدل عنها تارة أخرى ورعي الخلاف هو اعمال المجتهد لدليل خصمه أي المجتهد المخالف له فى لازم مدلوله الذى أعمل فى عكسه دليلا آخر مثاله : اعمال مالك دليل خصمه القائل بعدم فسخ نكاح الشغار فى لازم مدلوله الذى هو ثبوت الارث بين الزوجين المتزوجين بالشغار اذا مات أحدهما وهذا المدلول هو عدم الفسخ وأعمل مالك فى نقيضه وهو الفسخ دليلا آخر فمذهبه وجوب فسخ نكاح الشغار
وثبوت الارث بين المتزوجين به اذا مات أحدهما
هذه هي الاصول الستة عشر التى بنى عليها الامام مالك مذهبه أوجزت فى بعضها وبسطت بعض البسط فى بعضها الآخر حسب ما يتطلبه الموضوع ويدعيه المقام وقد اعتمدت فيها على شرح نظم (( ايصال السالك فى أصول الامام مالك)) للعلامة محمد يحي الولاتي رحمه الله.

هذا وبالله التوفيق وهو الهادي الى سواء السبيل



المصدر : موقع الولاتي /http://www.elwalati.net