توطـــــــــــئة


ربما تكون العناية بالحفظ والتفنن في أساليبه من أبرز خصائص المحظرة الشنقيطية، نظرا لما عرف عن مشايخها من الاهتمام بالحفظ،وقبل الحديث عن طرقهم في الحفظ وأساليبهم في التحصيل لابد من الإشارة الى الجذور الفكرية التي قامت عليها المحظرة، لما في ذلك من التأصيل للمعارف العلمية والتربوية التي أنتجتها هذه المؤسسة العلمية الرائدة.

الجذور الفكرية للمحظرة

يمكن القول بأن المحظرة الشنقيطية مالكية التوجه، مرابطية المنهج ([1]) ، أما كونها مالكية التوجه فلأنها امتداد لجهود تلاميذ أبي عمران الفاسي القيرواني ([2]) شيخ علماء المالكية في عصره، وقد تعزز هذا التوجه لاحقا على يد الإمام الحضرمي([3]) قاضي المرابطين في الصحراء، والشريف عبد المؤمن الإدريسي([4]) تلميذ القاضي عياض([5]) وأحد مؤسسي مدينة ودان، وأما كونها مرابطية المنهج فلأن القائمين عليها قد استلهموا منهج ابن ياسين ([6]) في التربية والتعليم ، فمن ذلك أن ابن ياسين كان يُعزِّرُ طلابه على التهاون بالشعائر وكان من شيوخ المحظرة من يعاقب طلابه على التهاون بالآداب العامة بالحرمان من الدراسة، وكان الشيخ ابن متالي التندغي إذا بلغه عن بعض طلابه شيء قال له:


وفعل مالا ينبغي لا ينبغي # # لتندغ، ولا لغير تندغي


والحقيقة التي لامراء فيها أن المحظرة احتفظت بكثير من خصائص منهج شيخ المرابطين، وآية ذلك تسمية القائم عليها بالمرابط وحرص شيوخها على تطبيق هذا المنهج في الحرب والسلم، كما فعل الإمام ناصر الدين، والشيخ ماء العينين وغيرهما، فالمحظرة والرباط وجهان لحقيقة واحدة:

وإلا يكنها أو تكنه فإنه ## أخوها غذته أمه بلبانها.



أساليب الحفظ في المناهج المحظرية ..قراءة تاريخية تأصيلية


1ـ تحديد الهدف: وهو ما يعبر عنه في قاموس المحظرة بـ "لَكْرَايَ اللَّاخْرَ" أي: القراءة لأجل الدار الآخرة، وملاحظة هذه الناحية واستحضارها سر من أسرار تفتق ملكة الحفظ عند كثير ممن جعلوا هذا الهدف نصب أعينهم، وقد كان بعض شيوخ المحظرة يأمر الطالب بتجديد النية، وكان الشيخ أحمدُّ بن محمذ فال الحسني ([7])، كثيرا ما ينشد في إخلاص النية في طلب العلم قول الشاعر:


لئن كان هذا الدمع يجرى صبابةً ## عــلى غير ليلى، فهو دمع مُضيَّعُ


وقد سمعته مرة يملي على بعض الطلاب هذه الأبيات:

ولتقصدوا أربعة قبل ابتدا تعلم لكي تفــــــوزوا بالهدى

أولهاالخروج من ضــلال والثاني نفع خلق ذي الجلال

والثالث الإحيــــــاء للعــلوم والرابع العمل بالمعـــلوم

وكان بعض الثقات يقول إن من خصائص العلم الذي أخذ بهذه النية المركبة نجابة التلاميذ وسعة الحفظ ....

2ـ الابتعاد عن خوارم المروءة: ومما يؤثر عنهم في ذلك قولهم: "خوارم المروءة تطفئ نور الحفظ" وقد أكد على هذا المعنى جماعة من شيوخ المحاظر منهم الشيخ سيديا في قوله([8]):


ومن كان ذا لوح وهَـمٍ وطـــاعة

فلا يدنُ للمُستصبيات اللـَّـــــواعب

فما أفسد الألواح والهم والتقوى

كبيضِ التراقي مشرفات الحقائب

مراضُ العيون النُّجْل، حُوٍّ شفاهها

رقاق الثنــايا حالكات الذوائب.


وكان طلاب المحظرة يستشعرون هذا المعنى في كل وقت حتى قال ابن السالم الحسني في أبياته المشهورة:


ما حضرة الشيخ ملهى عاشق كَلِفٍ

ولا الكلى والعجى يجمعن في شدق.


والأصل في هذا قوله تعلى ( واتقوا الله ويعلمكم الله)، ومما شاع وذاع في هذا المقام قول الشافعي رحمه الله:


شكوت الى وكيع سوء حفظي

فأرشدني الى ترك المــعاصي

وأخبــر ني بأن العـــلـم نور

ونــور الله لايعــطى لعاصي


3ـ اختيار الأوقات المناسبة للحفظ: وأهم أوقات الحفظ عندهموقت السحر لأنه وقت مبارك، تُستجاب فيه الدعوات وتتنزل فيه الرحمات، وقد روي أن الأعمش رحمه الله طلب شخصا وقت السحر فوجده نائما فقال: "ماكنت أظن أن أحدا ينام في هذا الوقت"، ومما يؤثر عنهم في الحفظ في هذا الوقت: "من حفظ في السحر حاز الظفر"، وقد جرت العادة قديما أن تكون القراءة في هذا الوقت على ضوء النار بطريقة جماعية، وتستمر إلى وقت الضحى ثم تستأنف بعد الظهر وتستمر إلى صلاة العصر ثم تستأنف بعد المغرب وتستمر إلى صلاة العشاء .

4- الحفظ عن طريق الكتابة في اللوح: وقد ارتبطت هذه الوسيلة عندهم بالحفظ، حتى قال بعضهم: "إن العلم الذي أخذ عن طريق الكتابة في اللوح يورث صاحبه الورع والخشية"، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ( وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء).

ومما يروى في هذا الصدد أن بعض الطلاب درس باب التركة من مختصر خليل، فاستعصى عليه فهم مسائل العول والانكسار فأمره شيخه أن يكتب الباب كله في اللوح ويقرأه قراءة تدبر لا قراءة حفظ، فامتثل الطالب أمر شيخه فانكشف الغطاء بينه وبين مسائل العول والانكسار، وقد مثل اللوح في التراث المحظري قيمة علمية كبيرة، فقد تغنى به الشعراء ورفع من شأنه الفقهاء، فمن ذلك قول ابن حنبل الحسني:

عم صبحا أفلحت كـــــــــــل فلاح

فيك يالوح لم أطع ألف لاح([9])

أنت يالوح صــــــاحبي وأنيسي

وشفـائي من غــلتي ولُوَّاحي([10])

بك لا بالثرا كـــــــــــلفت قديما

ومحياك،لاوجـــــــــــوه المِلاَح ([11]).

ولم يقتصر الأمر على هذا الحد، بل إن بعض الفقهاء أجرى حكم مس اللوح الذي فيه قرءان على حكم مس المصحف، ومن نوادر تعلق شيوخ المحظرة باللوح أن بعضهم كان يكتب ورده من القرآن في اللوح وكان قد تجاوز الثمانين فقيل له لم تفعل ذلك وأنت تحفظ القرآن ؟ فقال أحب أن يأتيني الموت والقرآن في لوحي، ونظيرها ما ذكر في ترجمة ابن الجوزي أنه أوصى أن يسخن ماء غسله عند الموت على براية الأقلام التي كان يكتب بها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

5ـ ترجيع الصوت أثناء التكرار بطريقة تشبه الترنم: وغالبا ما يستعمل ذلك في حفظ الشعر والأراجيز العلمية، وهذا الأسلوب له طرق متعددة تختلف باختلاف البحور الشعرية، ومن فوائد هذه الطريقة أنها تنمي الذوق الأدبي وترفع من مستوى الإحساس بالفروق بين الأجزاء التي يقوم عليها بناء البيت الشعري، وهي أكثر ملائمة لمن أعطي صوتا حسنا لأن الصوت الحسن يفتح مغلقات النفس ويعين على تثبيت الحفظ، وهي أمكن في حفظ قواعد التجويد وتطبيقها بشكل صحيح،لأن علم التجويد علم تلقيني، وقد ورد في صحيح البخاري عن معاوية بن قرة أنه قال سمعت عبد الله بن مغفل المزني يقول: "لو شئت أن أحكي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعلت، سمعته يوم الفتح يقرأ سورة الفتح، وهو على ناقته، يقرأ ويرجع".

ويفهم من الحديث أنه حفظ السورة وفق ذلك الأداء القائم على الترجيع، و في بعض طرق الحديث ( ولولا أن يجتمع الناس علي لحكيت لكم قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم).([12])

6- كثرة التكرار: وليس لذلك حد معلوم ينتهي إليه لاختلاف الأشخاص، لكن كلما كثر التكرار كان أنفع، ومن نوادرهم في هذا الباب أن الشيخ أحمد بن العاقل الديماني([13]) كان يُدَرِّسُ مختصر خليل وهو يحمل "الميرة" على جمال له في أقاصي بلاد تنبكتو، فسأله بعض أهل تلك البلاد كيف حفظت المتن والشرح معا؟ فقال:"بألْفْ أَغَبَّادْ أُمِيْتْ تِكْرِيْرَهْ"، يعني أنه يكرر النص ألف مرة، ويراجعه مائة مرة.

ومن الطرق المتبعة عندهم في الحفظ طريقة (الجهات)وهي أن يكرر الطالب الدرس مائة مرة إلى كل جهة من الجهات الأربع، وهي طريقة المشايخ الذين بَرَّزُوا في حفظ المتون واستظهار شروحها، وما حفظ بهذه الطريقة لا يَنِدُّ عن الذهن منه شيء، ومن فروع هذه الطريقة ما يسمى بطريقة (التجريد) وهي أن يجرد الطالب من نفسه شخصا يحاوره أثناء المراجعة.

7- الانقطاع الكلي للحفظ: ولو أدى ذلك إلى البعد عن الأهل والتغرب عن الوطن، وهذا المسلك من أهم المسالك التي تعين الطالب على تحصيل العلم قال حماد بن الأمين المجلسي([14]) :

لــه تغرّب وتواضع واتَّبِعْ

وجُعْ وهُن واعص هواك واتّرِعْ

حتى ترى حــالك حال المنشد

لو أن سلــمى أبصرت تَخَدُدِي

ورقـــةً في عظم ساقي ويدي

وبعدَ أهـــــــــلي وجفاء َعُوَّدِي

0000000000000

عَضَّتْ من الوجدِ بِأطرافِ اليَدِي))([15])

وكان من طلاب المحاظر من يُضرب به المثل في الانقطاع للعلم والتفرغ له، فقد مكث ابن حنبل الحسني في إحدى المحاظر سبع سنين لم يزر أهله خلالها مع قربهم منه، وأقام أحمد بن كداه الكمليلي بإحدى المحاظر عدة سنوات فنفد زاده فلم يحمله ذلك على مغادرة المحظرة، وظل يكابد الغربة وضيق ذات اليد إلى أن أكمل ألفية ابن مالك فكتب إلى أهله هذه الأبيات:

فــمن مبـــــــــــــــلغ أهلي بأني هاهنا

أقـــــــــاسي أمورا لست فيها بِمُنْجــَدِ

يسـاورني جُنْدَا أبي وابنَ مــالكٍ

ومن ساور الجندين لابد يَجْهــــــَدِ

أدافع جُنْـــدَ الابن إن جـــاء صــائلاً

ومالي بجند الجد إن جاء من يد

ومراده بأبي مالك: الجوع إذ هو علم عليه ومراده بابن مالك ألفيته.

وطلب الشيخ سيد عبد الله ابن الحاج إبراهيم العلوي العلم أربعين سنة طاف خلالها محاظر شنقيط وحواضر المغرب، وقد أشار إلى بعض ثمار ذلك السعي المحمود في آخر مراقي السعود فقال:


أنهيت ما جَمَّعَه اجتهادي

وضربي الأغوار مع الأنجاد

مما أفادنيه درسُ البرره

مما انطوت عليه كُتْبُ المهره



8ـ الاقتصار على دراسة فن واحد: في كل مرحلة من مراحل الطلب، لأن ذلك أدعى إلى استجماع الذهن، ومما يؤثر عنهم في ذلك:


وفي ترادف الفنون المنع جا

إن توأمان استبقا لن يخرجا

ومن فوائد هذه الطريقة إتقان الحفظ واستيعاب المسائل المتعلقة بذلك العلم استيعابا تاما، وقد قيل: "من أتقن فنا أداه إلى سائر الفنون"، ولو قارنت بين هذه الطريقة وبين الطرق المتبعة في الدراسات الحديثة التي تقوم على الدراسة المختلطة، لوجدت الفرق كبيرا والبون شاسعا، وأعرف بعض حملة الشهادات العليا ممن درسوا العلم وفق المناهج الحديثة إذا تكلم أحدهم في مسألة من المسائل التي تتعلق بتخصصه قدم وأخر ونقص وزاد وأتي بمنكر من اللحن ومهجور من القول، مع أنه ربما درَّس ذلك الفن سنين كثيرة.

9ـ التدرج في وسائل الأخذ: بحيث يكتب الطالب النص ثم يصححه ثم يحفظه ثم يدرسه على الشيخ ثم يُدَّرسه لغيره حين يتأهل للتدريس، ولذلك جرت العادة أن من لم يُدَرِّس العلم يذهب علمه، وقد يراد بهذه الرتبة تدريسه لغيره على وجه التكرار، وروي(تدوين) بدل(تدريس)لأن الكتابة قيد العلم، ولأن من أقسام الحفظ حفظ الكتاب، ومما يؤثر عندهم في هذا المعنى:

لابـد للزاويِّ من كَنّــــَاشِ

يكتب فيه العلم وهْوَ ماشِ

وهذا الترتيب الذي ذكرناه هو مذهب الشيخ ابن متالي التندغي، وإليه أشار بقوله:

كتب إجازة وحفـــــظ الرسم

قــراءة تدريس،أخذ العلم

ومن يقدم رتبة عن المـحل

من ذي المراتب المرام لم ينل.


وقدم بعضهم القراءة على الحفظ والأول هو المشهور.

وهذه الطريقة من أنجع وسائل الحفظ، لأنها تجمع بين حفظ النص وتصحيحه وفهمه، وكان بعضهم يسميها [أم الوسائل]لجمعها لوسائل الأخذ المختلفة كالكتابة والنظر والسماع، وهي طريقة الجيل الأول من شيوخ المحاظر، فكان منهم من يُدَرِّسُ وهو يحمل الأمتعة على الدواب أو يمتاح الماء من البئر أو يحلب الشاة وقد وصف صاحب الوسيط جانبا من ذلك فقال( ..ولا ضابط للهيئة التي يلقي عليها المدرس عندهم فتارة يدرس ماشيا مسرعا، ومرة جالسا في بيته، ومرة في المسجد، ومنهم من يدرس في أثناء الارتحال من جهة إلى جهة سواء كان ماشيا أو راكبا، وقد يكون راكبا والطلبة يمشون على أقدامهم في ناحيتيه).

10ـالتدرج في الحفظ:بحيث يَتَلَقَّى الطالب درسه اليومي إملاء من شيخه، ثم يكتبه في لوحه ثم يصححه ثم يقرؤه إلى أن يحين وقت الزوال ثم يعاود قراءته بعد الظهر فإن حفظه انتقل إلى مراجعة الدرس الذي قبله ويسمى بـ (الفوْقانِيَة) لأنه يكون فوق الدرس الجديد حسب ترتيب الدروس في اللوح فإن حفظه انتقل إلى الدرس الذي بعده ويسمى (الدَّرْسْ) بترقيق الراء، من الدروس الذي هو التقادم، وفي اليوم الثاني يعود إلي مراجعة دروسه وفق الترتيب المذكور إلا أن التركيز يظل دائما على الدرس الجديد، فإن حفظه أخد درسا جديدا، وإن لم يحفظه جعله هو الدرس اليومي وسمى (غَابًّا) من الغب الذي هو ورود الماء يوما وتركه يوما، ويظل الطالب يراجع هذه الدروس كلها خلال هذه الأوقات، مادامت في لوحه، وذلك خلال الأسبوع الذي يبدأ من بعد ظهر يوم الجمعة، وينتهي بعد زوال يوم الأربعاء، وأما المحفوظات الأخرى فإن الطالب يظل على صلة بها بحيث يختمها كل أسبوع عدة مرات، وإذا نسي كلمة أو شك فيها سأل عنها وكانوا ينهون الطلاب في هذه المرحلة عن القراءة في المصحف أو الرجوع إليه عند الاستغلاق ويقولون إن القراءة في المصحف تذهب المحفوظ والسر في ذلك أن ما حفظ بسهولة يذهب بسهولة ولأن الطالب في هذه المرحلة ينبغي أن يأخذ بالعزائم وهذه الطريقة هي المستعملة في حفظ القرءان الكريم وربما استعملت في غيره.

11ـتنمية الحفظ عن طريق الاختبارات الشفهية: ومن أشهر الطرق المعتمدة في ذلك طريقة ( الزَّرْكْ) ومعناه الرمي والمزراق: آلة يرمى بها، وهو عبارة عن اختبار جماعي على شكل مباريات وأكثر ما تستخدم هذه الطريقة في القرآن الكريم والرسم والإعراب والشعر وقد جرت العادة أن تجرى هذه المباريات في حفظ القرآن كل ليلة أربعاء، ويراعى فيها أن تغطي معظم أماكن المتشابه، وتتم تحت إشراف نخبة من الحفاظ، بينما تجرى المباريات في الرسم عن طريق كتابة بعض الكلمات القرآنية بطريقة خاصة تسمى بـ (التَّثْلِيثْ) وهي من أنجع الطرق التي تعين على إتقان الرسم وحفظ شوارده، وأما مباريات الإعراب فتقوم على إلقاء بعض المقطوعات الشعرية ويراعى فيها أن تكون شاملة لأبواب النحو المختلفة، ومن أمثلة استخدام هذه الطريقة في حفظ الشعر استظهارا ما أشار إليه الشيخ سيد محمد بن الشيخ سيدي:


وكــم سَامرت سُمَّارًا فُتُوًّا

إلى المجد انتمــوا من مَحتِدَينِ

حووا أدبا على حسب فداسوا

أديــم الفرقدين بأخمصين

أذاكر جمعهم ويذاكــروني

بكــل تخالفٍ في مذهبين

كخلف الليث والنعمــان طورا

وخــلف الأشعريِّ مع الجويني

وأقــــــوال الخليل وسيبويه

وأهـــــــــلي كوفة ٍوالأخفشين

نُوَّضــح حيث تلتبس المعاني

دقيــق الفرق بين المعنيين

ونحـو الستة الشعراء ننحوا

ونحـــو مهلهلٍ ومُرَقِّشَين

ونذهــــب تارة لأبي نواسٍ

ونذهـب تارة لابن الحسين.

وكثيرا ما ترتبط هذه المباريات بذكريات جميلة يتشوق إليها الطلاب ويندبون المعاهد والديار من أجلها كما قال أحمدو بن احْبَيِّبْ اليدمسي:


قف بالــديار معاهد الأصحاب

زمــن الصبا ومنازل الأحباب

واذر الدموع على الخدود سواكبًا

سيل الخـــــــــليج ووكفة الميزاب

دورٌ بها قـــد كُـرِّرتْ ألواحنا

وتَــزَارَكَ الطُّـــلاب بالإعراب

فيطيــــــح ذا ويطيح ذاولربما

نـزل الطُّيَاحُ بأشمطٍ عرَّاب.

ومن ذلك أيضا قول الشيخ أحمدو بن اسليمان الديماني:

فمن لي بفتيــانٍ كرام ٍأعزة ٍ

يكــونون لي صحبا وأصحبهم دهرا

فمــــــــــــن كــاتب قفا طويلا وكاتب

لعــــــــلم أصول الدين يجعله ذخرا

ومن كـاتب (قف بالديار) وكاتب

(ألا عم صباحا) أو(قفا نبك من ذكرى)

ومــن قارئ(إن الخليط )وقارئ

(خليلي مرا)أو (سمــالك)إذ يقرى

ومـن منشد(إن الخليط) ومنشد

(خليـــلي)أو إني (تذكرت والذكرى)

ومـــن منشد يشدو بأحسن صوته

(دعـــا باسم ليلى)أو(إذا مضر الحمرا)

ومــــن معرب يُرْمَىفيعرب كِلمةً

مـــن البيت أحيانا ويسقـــط في الأخــــــــرى

وهذه الطريقة بفروعها المذكورة لها فوائد علمية وتربوية كبيرة وهي فوق ذلك طريقة نبوية مباركة، فقد روى البخاري في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال لصحابته يوما ( إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المؤمن أخبروني ماهي؟) قال ابن عمر فوقع الناس في شجر البوادي فوقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت فقالوا يا رسول الله حدثنا ما هي؟ قال:هي النخلة، فذكرت ذلك لعمر فقال: لو قلت: النخلة لكان أحب إلى من كذا وكذا)

12ـ اختيار الشيخ المربي: وقد كانوا يرحلون من بلاد بعيدة بحثا عمن تتوفر فيه هذه الخاصية،لأن حصول الطالب على شيخ بهذه المثابة يحقق له أكثر من هدف، فمنه يأخذ أساليب الحفظ ومنه يتعلم طرق تحرير المسائل ومنه يكتسب السلوك، قال الشعبي( ما دخل الكوفة أحد من الصحابة أنفع علما ولا أفقه صاحبا من عبد الله بن مسعود) وقد شبه علي رضي الله عنه تلاميذ ابن مسعود بالسُّرُج، فقال (أصحاب ابن مسعود سرُجُ هذه الأمة) وقد أشار إلى هذا المعنى الشيخ محمد سالم بن عدود رحمه الله فقال:


ربىَّ ابنَ مسعود مقيمُ المِلَّهْ

فكـان يحكي هَديه ودَلَّهْ

وكــان علقمة لابن أمِّ

عبدٍ، كهـــذا للنبيِّ الأمي

وكان إبراهيم يحكي علقمة

واهًا له من نسبٍ ما أكرمه

وكــان منصورٌ لإبراهيما

كذاك يحكي هديه القويما

و كان سفيــان بلا قصور

مشبَّهًا بشيـــخه منصور

وهكذا أيضــا وكيعٌ كانا

مشبَّها بشيــخه سفيانا

وكـان أحمد ٌلدى الجميع ِ

مشبهًا بشيخه وكيـــــعِ

كذا أبوا داود عند الكُمَّـل

مشبهًا بأحمد بن حنبـل

وكانت حال كثير من شيوخ المحاظر تنعكس على الآخذين عنهم، فقد كان النابغة الغلاوي يُشَّبه بشيخه أحمد بن العاقل، وكان قد رحل من بلاد الحوض يبحث عن شيخ مربِّ جامع للعلوم، فكان كلما أراد أن يقرأ على شيخ سأله الشيخ عن الفن الذي يريد أن يقرأ، فينصرف ولا يجيبه حتى وصل إلى أحمد بن العاقل في أقصى بلاد القبلة، فلم يسأله عن شيء وإنما قال له (مَشِّ)أي:اقرأ، وكان يحظيه بن عبد الودود الجكني شديد التأثر بشيخه أحمد بن محمد سالم المجلسي، فكان يحكي عبارته في التدريس وربما ذكر المكان الذي قرأ عليه فيه، ويروى أنه لما أتاه نعيه وأنه دفن بموضع يسمى(أكْلَيْبْ طَيْرْ أُلاَلْ)

13- الاعتماد على المتون المنظومة، لأن النظم أسهل حفظا وأقرب متناولا، كما قال النابغة الغلاوي في بواطليحيه:


وإنـــما رغبت في النظـــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــام

لأنه أحـــظي لـــــــدى المرام

وهو الذي تصغي له العـــــقول

والسيف من حصوله مسلول


ولتحقيق هذا الهدف لجأ شيوخ المحظرة إلى نظم بعض المقررات النثرية ، كمختصر خليل في الفقه، وجمع الجوامع في الأصول للسبكي، والمفتاح في علوم البلاغة، كما أعادوا صياغة بعض الأنظام لتلائم طريقتهم في النظم، كالخزرجية في العروض والدرة في القراءات الثلاث، وقد نتج عن ذلك وجود بعض الأنظام المكملة لبعض المقرارات، كاحمرار ابن بون الجكني على ألفية ابن مالك، واحمرار بن زين القناني على لامية الأفعال في التصريف، ،واحمرار ابن عبد الجليل العلوي على السلم في المنطق، واحمرار الادوعيشي على الدرر اللوامع في قراءة نافع، ومن فوائد هذه الطريقة أنها تمكن الطالب من تحصيل رصيد لغوي كبير، بالإضافة إلى أنها تنمي عنده ملكة النظم .



الخاتمة
وبعد.. فهذه أهم أساليب الحفظ المتبعة في المناهج المحظرية... ولكن: هل هذه الأساليب وليدة بيئتها أم أنها امتداد لغيرها؟ وهل يمكن تطبقيها في بيئات أخرى؟ وهل يمكن تطويرها ؟ ثم ما هي الأسباب الكامنة وراء التقليل من شأن الحفظ في المناهج الغربية ؟ وهل هي أسباب موضوعية أم أنها جزء من المؤامرة على تراث الأمة وهويتها ؟ ذلك ما نحاول التطرق إليه عن طريق عرض لبعض الآثار التي ترتبت على الأخذ بهذه الأساليب،وهي كثيرة نقتصر منها على ما يلي :

** شيوع ثقافة الحفظ في الأوساط المحظرية، ومن نوادر ما يحكى في هذا الصدد قصة المجيدري اليعقوبي مع علماء الأزهر التي تعيد إلى الأذهان قصة الإمام البخاري مع أهل بغداد.


** ازدهار العلوم والمعارف، الأمر الذي نتج عنه ظهور عدد كبير من العلماء الكبار الذين ذاع صيتهم في المشرق والمغرب، ومن أبرز هم هؤلاء العلماء:

· محمد محمود بن التلاميذ التركزي، الذي انفرد في المشرق بالعربية والأنساب، وكان حيث مجالس العلم في الأزهر، فقد تحدث عنه الدكتور طه حسين في كتابه(الأيام) حديثا مفصلا وعجب من مهارته في اللغة والنحو، وقد انتدبه السلطان عبد الحميد للتنقيب عن كتب علماء الأندلس في خزائن اسبانيا،ثم انتدبه مرة أخرى على رأس وفد من العلماء إلى ملك السويد والنرويج "أسكار الثاني" في إطار التحضير للمؤتمر الثامنللعلوم الشرقية "باستكهولم" .

· أحمد ابن الأمين العلوي ، الذي أملى مادة "الوسيط في تراجم أدباء شنقيط" من حفظه، وقد أشاد بسعة حفظه الدكتور مصطفى السباعي في كتابه "السنة ومكانتها في التشريع"، واستدل بذلك على موهبة الحفظ عند العرب قديما وحديثا، وذلك في معرض رده على شبهات الطاعنين في حفظ الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه.

· محمد حبيب الله بن ما يأبي الجكني الذي انفرد في المشرق بحفظ الحديث والتبحر في علومه، وقد أسند إليه تدريس مادة الحديث في كلية أصول الدين بالأزهر خلال إقامته بمصر، وحسبك أن فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات: لحافظ عصره عبد الحي الكتانيإجازة من إجازاته.

· محمد الخضر بن مايابي الجكني الذي كان مفتيا عاما للمالكية بالمدينة المنورة، قبل أن يتولى منصب قاضي القضاة بالأردن.

· محمد الأمين بن فال الخير الحسني، مؤسس مدرسة النجاة الأهلية بالزبير، قرب البصرة، ومن أبرز تلاميذه الشيخ تقي الدين الهلالي المغربي، وعبد الله بن عبد الرحمن آل بسام صاحب تيسر العلام بشرح عمدة الأحكام، و عبد الرحمن بن ناصر السعدي، صاحب تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، وهما من مشاهير علماء القصيم.

· الشيخ محمد الأمين الجكني: صاحب أضوان البيان في إيضاح القرءان، الذي كان له الأثر البالغ في إحياء علمي الأصول والتفسير في الحجاز، وقد نفع الله به خلقا كثيرا، حيث كان مدرسا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فتخرجت على يده أجيال من بلاد شتى.

· الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل القلقمي،الذي حل بصحراء المغرب الأقصى، حلول الغيث بعد الجدب، فأحيا رسوم العلم وانعش القلوب ورفع علم الجهاد سنين عددا.

** نشر اللغة العربية والعلوم الشرعية في غرب إفريقيا، وهو أمر نتج عنه وجود طبقات من العلماء والفقهاء من أبناء هذه البلاد، ومن النماذج البارزة في هذا الباب، الشيخ : دود سك السنغالي، الشهير ب(ولد ابن المقداد ) الذي كان مشاركا في علوم الشرع ، شاعرا باللسانين العربي والحساني، وهو القائل في الحنين إلى محاظر ايكيدي :

سلم على ايكيد إن جئته= وحيه مني على بعده

وقل له إني مقيم على = ما يعلم الرحمن من وده

** اسمرار دور المحظرة من خلال عطاء منتسبيها الذين أسهموا في الرفع من مستوى كثير من الهيئات والمجامع العلمية في العالم العربي، حيث كانوا في الصدارة من حيث حفظ المتون والقدرة على تطويع لغة الضاد، وقد استطاع كثير منهم بفضل خلفيته العلمية أن يَبُذَّ غيره في بعض العلوم التي لم يكن لها حضور في مناهج المحظرة....

فهذه هي المحظرة وتلك آثارها.....، فهل يشد ذلك من عزم أولى العزم، ويشحذ همم طلاب العلم، ذلك ما نرجو أن يتحقق ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمين.



أحمد بن محمد فال






[1]نسبة الى دولة المرابطين، التي أسستها قبائل صنهاجة في أوائل القرن الخامس الهجري في هذه الصحراء القصوى،فما لبثت أن امتد سلطانها ليشمل المغرب والأندلس وأجزاء من غرب إفريقيا....

[2]هو موسى بن عيسى،المعروف بأبي عمران الفاسي،أخذ عن القابسي،ورحل الى الأندلس والمشرق،وحج عدة مرات،ودخل العراق،فأخذ عن المستملي والباقلاني،توفي بالقيروان سنة:430 هـ انظر شجرة النور الزكية في طبقات المالكية ص 106

[3]هو محمد بن الحسن المرادي الحضرمي، استقدمه أبو بكر بن عمر اللمتوني من المغرب،فكان قاضيا ومعلما بمدينة (آزوكي) التي كانت عاصمة المرابطين،وتقع أطلال هذه المدينة المندثرة قرب مدينة أطار بولاية آدرار ،أشتهر الامام الحضرمي بكتابه الإشارة في تدبير الإمارة وكانت وفاته سنة 489 هـ ، ينظر: تاريخ ابن حامد1/5،ومقدمة تحقيق كتاب الإشارة ص2-12

[4]هم عبد المؤمن بن صالح الإدريسي، من أوائل العلماء الذين أسسوا محاظر علمية في مدن القوافل،إليه يغزى تأسيس مدينة ت(يشيت) بنظر: ضالة الأديب،لابن ابوحه التشيشتي،تحقيق جمال بن الحسن ص:118

[5]هو عياض بن موسى اليحصبي السبتي،أحد الأئمة الأعلام،من أشهر مؤلفاته الشفا والمدارك والمشارق،قتل في مركش في ظروف غامضة،بإيعاز من زعيم الموحدين سنة :544هـ انظر شجرة النور الزكية ص:141

[6]هو عبد الله بن ياسين بن ملُّوك الجزولي،أخذ عن جماعة من علماء افريقية،ثم رحل الى الأندلس،فأقام بها سبع سنين لطلب العلم،ثم رجع الىالمغرب الأقصى،كان موصوفا بالعلم والورع وكثرة الصيام، له فتاوى وتقارير قال عنها القاضي عياض:إن مشيخة المرابطين كانوا يثابرون عليها، ولا يعدلون عنها،توفي سنة 450 هـ ينظر ترتيب المدارك2/82،و شجرة النور الزكية ص:211

[7]هو العلامة الورع الشيخ احمد بن محمذ فال شيخ محظرة (تندغماجك) الموفي سنة 1418 هـ

[8]هو شيخ الشيوخ: الشيخ سيدي بن المختار بن الهيبه الانتشايتي،وهو أشهر من ان يعرَّف

[9]اللاحي: اللائم

[10]اللواح: العطش

[11]الثرا بالقصر:كثرة المال

[16] سم موضع بتيرس



بقلم: أحمد بن محمد فال



المصدر :http://www.elmoustakbel.org