د. مختار بن الغوث

اللغة نظام من الرموز الصوتية، يستعمله الإنسان للتعبير عن أفكاره، وانفعالاته ورغباته (1).ويرى أكثر اللغويين والفلاسفة أن اللغة والفكر متلازمان تلازماً مطلقاً، فلا يتأتى التفكير مجرداً من اللغة، ولا اللغة مجردة من غير فكر.



ومفردات اللغة «إنما هي علامات حسية على الأفكار، وهذه الأفكار هي معناها المباشر. فاللغة هي وسيلة المواصلات للفكر، أو هي التمثيل الطبيعي والخارجي لحالة داخلية، واللغة عبارة عن سلسلة من الكلمات عن تفكير كامل»(2).وحينما يكون المرء في حالة صمت وفكر مجرد من الكلام ففكره ذلك هو حديث في قرارة النفس ، يتم خلف الشفاه(3).وإذا كانت الفلسفة تميل إلى عد الفكر سابقاً للكلمة، وهي تالية له، فإن «الدراسة العلمية للغة أثبتت عند عدد من الباحثين أنه لا يمكن القول بأسبقية الفكر على اللغة، أو بأسبقية أحدهما على العموم، وأنهما يخضعان لتأثير متبادل، قد يكون متساوياً. بل إن تأثير اللغة في الفكر قد يكون أقوى من تأثير الفكر في اللغة»(4).ولكن فئة أخرى قليلة تذهب إلى عدم وجود ارتباط نوعي بين الفكر واللغة، وترى أن للفكر وجوداً مستقلاً عن الكلمة، وأن اكتساب اللغة ليس شرطاً حتمياً لحدوث التفكير. ويستدل بعضهم على ذلك بالصم البكم، فهم يفكرون كغيرهم، لكن من غير لغة. إلا أنه يرى مع ذلك أن السليم لا يمكنه ذلك إلا باللغة، وهنا يتلاقى الفريقان (5).وهذا الخلاف غير ذي بال لما نحن بسبيله، فإن الصم البكم في الناس قلة في حكم الشذوذ، وعدم دخولهم في هذه القاعدة لا ينقضها، وإن كان يتطلب نوعاً من الاستثناء في إطلاقها. ولا خلاف ـ على كل حال ـ في العلاقة الأزلية بين اللغة والفكر، ولا في أن «اللغة للفكر كالأرقام للحساب: لا يمكن تصور عملية حسابية بدون أرقام، مع أن الحساب من حيث هو عملية عقلية، شيء والأرقام شيء آخر. كذلك لا يمكن تصور فكرة بدون ألفاظ»(6). ولا خلاف أيضاً في أنه «لولا اللغة ما بان الإنسان من باقي الحيوان، إلا بتخطيط جسمه، ولولاها لما وجد إلى المعرفة باباً واسعاً، لا نرى عاقلاً يشك في أنها من مهمات علم الإنسان، في أنها الأسبق إلى منازل الشرف ومواقع التنظيم. نقول: ما كان شيء في الوجود أنور فانوساً من اللغة التي نفثت الحياة في العدم فأخصب، وضربت السحر في الجماد فتحرك. لولا اللغة لبقيت اللطيفة الإنسانية كامنة محجوبة، لاستولى الخفاء على قاصيها ودانيها، لعجزت النفس عن أن تنتهي إلى خابية الحق المعتقة» (7).واللغة ـ بعد ـ عنصر من عناصر ماهية الإنسان، ولذلك عرَّفه الفلاسفة قديماً بأنه حيوان ناطق، كائناً ما كان معنى النطق: العقل، أو الكلام، بعد ما ثبت أنه لا فكر بلا كلام ولا كلام بلا فكر، بل كل واحد منهما هو الآخر بمعنى من المعاني.وهي ـ فوق هذا كله ـ عقائد، وذكريات، وعواطف، وأخيلة، وعلاقات و«تراث اجتماعي ووسيلة من وسائل الإمتاع الفني، وبقية من بقايا فكر الأسلاف الأول»(8) ، تصل الأحياء بالأموات، والحاضر بالماضي، وهي مستودع عقل الإنسان، منذ كان، إلى أن تقوم الساعة، فيه يخزن ما أنتج فكره، ليرثه من يخلفه، وليست مجرد أصوات عرضية كأصوات الحيوان، يمكن أن تتعارضها الأمم، فتؤدي للمقترضين ما كانت تؤدي للمقرضين، من غير أثر يتبع ذلك القرض، بل هي هوية موسومة بوسم أهلها مشحونة بخلاصة فكرهم وتصوراتهم، وصور حياتهم، وما اقترض منها انتقل معه حتماً شيء من ذلك.وكل عدول عنها، أو انتقاص منها هو عدول وانتقاص من ثقافة، وتاريخ، وعقيدة، وانسلاخ من هوية يحمل عليه عش مستكن أو ظاهر لثقافة وحضارة أخريين، لا مجرد الاقتناع بصلاحية لغة دون أخرى للعلم والحياة، ولاسيما في هذا العصر الذي يقول لغويوه إن تفضيل لغة على أخرى مرفوض في علم اللغة الحديث، وإن اللغات كلها متكافئة كما قال سابير: «لا معنى لأن نقول إن هناك لغة ـ مهما تكن ـ أكثر فصاحة، أو أكثر ارتباطاً من لغة أخرى قد تكون أكثر تعقيداً، وأكثر صعوبة» (9).ولمنزلة اللغة من الفكر والهوية سنت مائة وعشرون دولة في العالم «قوانين دستورية لما يتعلق بشؤون اللغة». كما يقول وزير الثقافة الفرنسي (10).ونظرت إليها نظرتها إلى هويتها، التي تصونها، وتحافظ عليها من الطمس والمسخ والذوبان. ومنذ أعوام قليلة قام هذا الوزير الفرنسي بحملة لحماية الفرنسية، وأعد قانوناً يحرم اللجوء «إلى ألفاظ أو عبارات أجنبية في حال وجود لفظ أو عبارة مماثلة في الفرنسية تؤدي المعنى نفسه». ويفرض استعمال الفرنسية في الوثائق والمستندات، والإعلانات المكتوبة والمسموعة، والإعلانات المعروضة على الجمهور في الأمكنة العامة، وفي عقود العمل والأنظمة الداخلية للشركات الأجنبية العاملة في فرنسا(11).وأقر مجلس الوزراء مشروعه، وناقش العقوبات والغرامات التي يمكن فرضها على من يستعمل كلمة أجنبية لها مرادف من الفرنسية. وفي الثالث عشر من إبريل عام 1994 نوقش في مجلس الشيوخ، ثم أقرته الجمعية الوطنية، وأيدته الأحزاب الفرنسية، وتبارى زعماؤها في التأييد، فقال أحدهم:«ما يعنيه مشروع القانون هو هويتنا الوطنية الواجب تنزيهها عن الشوائب والمثالب». وقال آخر:«اللغة هي إشهار (إعلان) هوية وطنية، والدفاع عنها مسؤولية دولة». أما وزير الثقافة صاحب المشروع فقال: «اللغة عنصر حياة الأمة، ومن واجبنا المحافظة على لغتنا حية، لأنها تراث فرنسا الأغلى» (12).وإذا كان من دوافع هذا المشروع الذي طرحه جاك توبون الخوف من الثقافة الأمريكية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، ومشاهدته ميلاً ممن سماهم الظرفاء الباريسيين، إلى التحدث بالإنجليزية في مجالسهم(13)، فإن منها دافعاً آخر أقوى من هذين، هو تيه الفرنسيين بلغتهم وإعجابهم بها وبثقافتهم، الذي يبدو أنه يوجد قسط منه عند كثير منهم حتى الناس العاديين (14)، ومعرفتهم بمنزلة اللغة من الهوية وأن اقتراض مفردات من الإنجليزية قد يوقعهم في الاستهلاك والتقليد، ثم الفناء المعنوي والتبعية الثقافية. وقد قال شارل ديغول عن تأثير الفرنسية في عقول من تعلموها من غير الفرنسيين: «لقد صنعت لنا الفرنسية مالم تصنع الجيوش»؛ لأنها امتلكت قلوب الشعوب واستعبدتها للفرنسيين، حتى بعد ارتحالهم. أما الجيوش فلم تصنع أكثر من إخضاع الأجسام، واحتلال الأرض مدة من الزمن، ثم ارتحلت، ولم تترك خلفها إلا الحقد عليها.وقد كان العرب في عصور القوة يرون في لغتهم أكثر مما يراه الفرنسيون، كما يقول ابن جني: «والمروي عنهم في شغفهم بلغتهم وتعظيمهم لها واعتقادهم بها أجمل الجميل فيها أكثر من يورد،أو جزء من أجزاء كثيرة منه»(15). أما حصار اللغات الأجنبية لمنع دخول مفرداتها إلى العربية فكان يقوم به الفرد العادي بدافع من الأنفة من أن يستبدل بلغتة غيرها، كما يظهر من قول أبي المهدي الأعرابي:يقولون لي (شنبذ) ولست مشنبذاً طوال الليالي ما أقام ثبي ولا قائلاً (زوداً) ليعجل صاحبي و(بستان) في صدري عليّ كبيرولا تاركاً لحني لأحسن لحنهم ولو دار صرف الدهر حيث يدور (16)ونهى عن استعمال المفردات الأعجمية، والتحدث بغير العربية الأئمة والخلفاء، وذمه الأدباء، ونفر منه الفقهاء. فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : «ما تكلم الرجل الفارسية إلا خَبَّ، ولا خَبَّ إلا نقصت مروءته». وقال عطاء: «لا تَعلَّموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا عليهم كنائسهم، فإن السخط ينزل عليهم». وسمع سعد بن أبي وقاص قوماً يتكلمون بالفارسية فقال «مابال المجوسية بعد الحنيفية»؟ويرون في ذلك أثراً يرجح بعض العلماء أنه من كلام عمر بن الخطاب، وهو : «من كان يحسن أن يتكلم العربية فلا يتكلم بالفارسية فإنه يورث النفاق» (17).وقال المبرد: «ثلاث يُحكم عليهم بالاستصغار حتى يُدرى من هم، وهم رجل شممت منه رائحة نبيذ في محفل، أو سمعته في مصر عربي يتكلم بالفارسية، أو رجل رأيته على ظهر طريق ينازع في القدر» (18).وكره الإمام الشافعي استعمال الكلمة الأعجمية لها مقابل عربي، كما فعل الذين سموا التجار «سماسرة» وقال : «ينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها، لأنها اللسان الأولى بأن يكون مرغوباً فيه، من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بأعجمية» (19).وقال ابن تيمية وهو يحض على تعلم العربية والتكلم بها، ويبين تأثير اللغة في الفكر والأخلاق: «واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صور هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق»(20). وليس في هذا النهي عن تكلم لغات الأعاجم لغير حاجة نهي أو تحريم لتعليمها، لكنه نهي عن وضعها في غير موضعها، وإحلالها محل العربية، والتشدق بها على سبيل المباهاة والتظرف، وعلى وجه يضعف الشخصية، ويذهب التميز، ويعبّد القلوب للآخرين، ويطمس الهوية، وإلا فقد أمر النبي ص زيد بن ثابت بتعلم العبرية.لقد ولت تلك الشخصية المتميزة للعرب، المعتزة بلسانها، وصار السواد الأعظم منهم يراها بعين غير التي كانت تُرى بها، وحل محل الإجلال والإعجاب الاستخفاف بها وبأساتذتها، واستصعابها، والعزوف عنها، والعدول إلى اللغات الأجنبية، والاعتزاز بمعرفتها.ويستشري الاستخفاف أكثر شيء في أساتذة الجامعات و«المثقفين». وصورة العربية وآدابها في أذهان هؤلاء أنها تخصص غير ذي شأن، لا ضرورة له في حياة العرب العصرية وأنت اليوم تجد الشخصية العلمية والسياسية البارزة، تتحدث على الملأ، في المؤتمرات العالمية والصحفية والفطرية، ومقابلات القنوات الفضائية التي يشاهدها العالم، وفي المحاضرات بمدرجات الجامعات وقاعات الدراسة، نجدها تتحدث باللهجات العامية، التي يتكلم بها سائقو الأجرة والشاحنات، والبناؤون ، والحدادون، وعمال النظافة، والأميون، والأعراب، وساكنو الأرياف، ومهرجو المسرحيات الهزلية، يتحدث براحة بال، لا يداخله حرج من أنه أتى غير لائق بالسداد، وأن نظراءه من الدول التي تستهويه لغاتها يترفعون عن مثل ما يأتي، ويأبون أن يسووا أنفسهم في مثل هذه المقامات الدهماء.ولقد نرى مثل ذلك من أساتذة النحو والصرف والأدب والبلاغة: لا يحاضرون إلا بلغة الشوارع.وإذا عرف واحد من هؤلاء شيئاً من لغة أجنبية وجدت لسانه طيعاً بالحديث به، بمناسبة وبغير مناسبة.ومأتى هذا من أمرين: أولهما: قلة الوعي الثقافي، وعدم إدراك أن اللغة من جوهر الإنسان، وكل نقص فيها هو نقص في ماهيته، ينبغي استكماله قبل أن تطلب معرفة أو مهنة قد تكون قياماً لحياته، لكنها لا تمس جوهر إنسانيته، ثم عدم إدراك حقيقة اللغات، وأنها متكافئة، من حيث كونها نظاماً من الأصوات يعبر عن حاجات النفس، وهي في الاقتدار على ذلك التعبير متساوية، وأن عدول المرء عن لغته له سبب خارج عن ماهية اللغة، هو عشق أهلها، لا الإعجاب بها هي لذاتها، وهو إذ يعول إلى لغة غيره إنما يضع في عنقه غلاً يقوده ذليلاً لأصحاب تلك اللغة.وثاني الأمرين أن العرب أقاموا علاقتهم بالغرب منذ أن عرفوه على وجه غير صحيح، ولاتزال على ما بنيت عليه أول مرة، وبنيت على انبهار، وغرام وإجلال تولدا من ذلك الانبهار، وتولد منهما الازدراء لكل عربي والعشق للغرب بخيره وشره وبما يكره هو من نفسه، وفتحت أبواب التقليد على مصاريعها، حتى أصبح يسيراً عليهم التنازل عن كل خصوصية لمقابلها عند أولئك، بل غدا الحفاظ على الهوية والخصوصية، والحرص على التميز سمة من سمات «الرجعية» و«الجمود» والانسلاخ من الهوية وملاقاة الغرب في كل شيء، والبدء من حيث بدأ، والانتهاء إلى حيث انتهى هو السبيل إلى النهضة، كما قال طه حسين ـ مثلاً ـ :«إن سبيل النهضة واضحة بينة مستقيمة، ليس فيها اعوجاج ولا التواء، وهي أن نسير سيرة الأوروبيين، ونسلك طريقهم، لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة: خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يُحب منها وما يُكره، وما يحمد منها وما يعاب، ومن زعم لنا غير ذلك فهو خادع أو مخدوع... إن مصر لن تظفر بالتعليم الجامعي الصحيح، ولن تفلح في تدبير مرافقها الثقافية الهامة إلا إذا عنيت بهاتين اللغتين (اليونانية واللاتينية)، لا في الجامعة وحدها، بل في التعليم العام، قبل كل شيء» (21).وهذا التصور هو الذي دفع إلى الانسلاخ من العروبة والإسلام، والدعوة إلى التغريب، ونتج من ذلك هذه النظرة إلى العربية والتقليل من شأنها وشأن آدابها ورميها بالعجز عن الوفاء بحاجة العلم والحياة العصرية، وبالصعوبة وعدم العقلانية، وضاق بها بعضهم ذرعاً حتى دعا إلى إحلال العاميات محلها، وكتابتها بالحروف اللاتينية «لعجز حروفها عن تمثيل نطقها»! وكان صوت الداعين إلى هذا صدى لمؤلفات وضعها مندوبو الاستعمار في الدول العربية، وبعض المنصرين، في قواعد اللهجات العامية والدعوة إليها، بدعوى الإشفاق على العرب، والحرص على نهضتهم؛ لسبب إنساني بحت! وترجموا إلى العامية بعض أسفار النصرانية، وشجعوا على الكتابة بها، واستحثوا الحكومات المستعمرة على الإعانة على إحلالها محل العربية. وعمدوا إلى الفصحى يكشفون عن «صعوبتها وعجزها ومعاينتها لحياة الناس، وما يلاقون من المشقة في تعليمها»، وكان أشهر هؤلاء في المشرق، وفي مصر خاصة فلهلم سبيتا، ووليام ويلككس وكارل فولرز وسلون ولمور، ثم سارت في آثارهم فئة من العرب مسلمين ونصارى، منها يعقوب صروف، ورفاعة رافع الطهطاوي، وأحمد لطفي السيد، ومارون غصن، وسلامة موسى، ولويس عوض، ومحمد فريد أبو حديد، وأنيس فريحة، وأنطون مطر، وسعيد عقل(22).وإذا كانت مآرب المستعمرين في تمزيق وحدة العرب بقطع الرابطة الثقافية بينهم، وقطع صلتهم بتراثهم وماضيهم، وإبقائهم تبعاً للمستعمرين، والحؤول بينهم وبين الإسلام، إذا كانت هذه المآرب بينة، ولها مسوغاتها، فلقد كان العرب مسلوبي العقل والتفكير في هذه القضية (23)، عاجزين عن فهم ما يقولون، عاجزين عن عرضه عرضاً علمياً ينبني على أساس موضوعي. فلقد غضوا الطرف عمداً أو جهلاً أو محاكاة، عن صعوبات اللغات الأجنبية، كالإنجليزية والفرنسية، وعن مساوئها، ومساوئ حروفها الهجائية وصعوبتها وعجزها عن تمثيل الأصوات، وصعوبة الكتابة بها، مما يُقرُّ به أهل تلك اللغات ويضجون منه،غضوا الطرف عن ذلك، كما غضه أهلها الذين اشتغلوا عنه بإصلاح العربية، وإنهاض أهلها حباً لهم وإشفاقاً عليهم! وصبوا جام الغضب على العربية وحدها. ولسنا بصدد الحديث عن شيء مما رميت به العربية ولا بصدد نقضه، لأن تلك الدعوات قد انقلبت خاسئة، ولأن صعوبة اللغة ومجافاتها للعقل لا يجوز أن تصرف أهلها عنها، ولم نرها صرفت أهل لغة عن لغتهم، وقدم اللغة ومخالفتها للهجات المحكية لا يحول دون قدرتها على استيعاب العلوم، وقد بعثت من القبور لغات، ترجمت إليها العلوم، وغدت من اللغات الحية المعترف بها في العالم، ولم يضرها قدمها عند أهلها، ولا عند المستعمرين الناصحين للعربية!غير أن هزيمة الاستعمار وأنصاره لم تنزل العربية منزلها، فقد انحاز بعض سياسيي العرب إلى الثقافة الغربية، وتعصب للغات الأجنبية، وفرضها على بلاده فرضاً، فجعلها لغة التعليم والتعامل، ولغة الوثائق الرسمية، بل اللغة الرسمية في كل شيء، ما عدا الدراسات اللغوية والشرعية، إن وجدت.ووقف سياسيون آخرون من العربية والهوية العربية موقف الذي لا يبالي، يرون الناس والحياة والمدن تتبدل ليل نهار من أشخاصها وحياتها أشخاص قوم آخرين وحياتهم، فلا يحركون ساكناً، أسماء المتاجر، ولوحات الإعلانات والدعاية، وأسماء الشوارع غير عربية، والملابس المستوردة ـ ولاسيما ملابس الأطفال ـ مزخرفة بالعبارات الأجنبية والأسماء والرموز التي لا تمت إلى الإسلام والعروبة بصلة، وقد تكون دعاء لدولة أجنبية، أو عبارة حب وولاء لها، أو أسماء أوثان أو شخصيات معظمة عند الذين يصدرون هذه الملابس.ومن نافلة القول أن الحكومات العربية هي صاحبة الأمر في كل شأن من شؤون الحياة، وإن أرادت المحافظة على اللغة والهوية فعلت، بقرار، وإن لم تشأ، أو تبال تركت الأمور تجري في أعنتها.ولقد انحازت حكومات عربية بعد رحيل الاستعمار إلى سياسة الاستعمار التعليمية، فلم تول العربية عناية كبيرة، واختصرت مناهجها والوقت المخصص لدراستها، وبوأت العارفين باللغات الأجنبية وخريجي مدارسها المراتب العليا من الدولة، دون خريجي المدارس العربية الإسلامية، فانصرف الناس إلى اللغات الأجنبية والعلوم التطبيقية، عن العربية، ونظروا إليها تلك النظرة المشوبة بالاستخفاف، إذ لم يكن لها عائد مادي كما لغيرها، وإذ كانت غاية التعليم الأولى هي تأمين حياة مادية لائقة.هذا إلى أن بين بعض السياسيين والشعوب قطيعة، ولكليهما هموم وأولويات غير هموم الآخر وأولوياته. ولذلك كان بعضهم لا ينظر بعين الاعتبار إلى مطامح الشعوب ورغباتها ومخاوفها إلا بالقدر الذي يبقي الأمور «مستقرة».ومن آثار ذلك ما تعانيه الشعوب من تمزق ثقافي، وهوية تُركت نهباً للثقافات الغازية تمسخها، وتصرف أهلها عنها، وتستميلهم إلى غيرها، ولا يعير السياسيون تلك المعاناة اهتماماً يذكر!ثم إنهم اصطفوا من الشعوب ذوي النزعة التغريبية ومكنوا لهم في الأرض. ورأي هؤلاء في العربية معروف، ومعروفة نظرتهم إلى الشعوب فهي تتسم بالدونية، والثقة المفرطة بالنفس، وترى أن من الخير أن يتولوا التفكير عن غيرهم، ويحملوه على ما يرون.وقد حال هؤلاء بين العربية وما يريد لها أهلها بتعلات كثيرة، ربما لا تثبت للنقد. فبقيت هذه اللغة العظيمة محبوسة في زوايا معينة، وحيل بينها وبين أن تكون لغة العلوم كلها، والتعليم بمراحله، وأن تكون لغة الحياة كلها، ووكلت إلى الإعلاميين وتجار التراجمة يتعبثون بها كيف شاءوا، فدنسوا محياها بما أدخلوا فيها من الأساليب الهجينة، والمجازات المستعارة، والإطناب الممجوج، والمفردات المصروفة عن دلالاتها الصحيحة إلى أخرى لا تعرفها، من اعتمادهم على الترجمة الحرفية، وقلة بضاعتهم من العربية، حتى قال أحد المستشرقين: «ومثل هذه الترجمة المعنوية، التي هي المتبعة في عربية الصحافة بوجه خاص، تقرب الشقة بين العربية الحديثة واللغات الأوروبية الراقية تقريباً بيناً، بحيث قد يتأتى - في المستقبل- عدها عضواً في الرابطة اللغوية الأوروبية، بالمعنى الذي قصد إليه تروبتسكوي» (24).وفتحت عليها الأبواب بالدخيل المنهمر من كل حدب وصوب، من الصحافة والمذياع والتلفاز، والقنوات الفضائية، والكتب المترجمة علمية وأدبية...إلخ، حتى أصبحت في خطر حقيقي، من أن تصبح أثراً بعد عين، ويجرفها سيل اللغات الأجنبية التي هي نافذة العرب على كل شيء، وقد رضوا بأن يكونوا مجرد مستهلكين لما ينشر بها.هذا هو الخطر الأول على العربية، وليس العامية، مهما جد المتعصبون لها في نصرتها، ومهما أوتوا من مال ووسائل إعلام، فإن العامية ليس لها من القوة والتراث والعلم والمفردات والأساليب ما تضاهي به العربية، وإذا استمالت أشعارها ومسرحياتها فئة من الناس، فليس لها مجال آخر يمكن أن تستميل فيه الناس كلهم، بخلاف اللغات الغازية، ذات العلوم والفلسفة والجديد كل يوم، وذات الإمكانات المادية والإعلامية الهائلة.لقد دأب بعض الغيورين من العرب على إقامة مؤتمرات تبحث شؤون اللغة وأحوالها، كالضعف اللغوي، ومشكلات الإملاء، والتعريب، ثم تنتهي بتوصيات لا يستجاب لها. ومن الخير أن تنصرف همم الداعين إلى هذه المؤتمرات إلى شيء آخر، هو أجدى على العربية منها، أما هذه فلن يكون لها من الأثر سوى توعية من يحضرها أو يقرأ أعمالها، وتذكيره بهذه القضية المهمة، مادامت القضية مرهونة بالقرار السياسي. وخير من الاشتغال بالمؤتمرات الاشتغال بإقناع الحكومات بضرورة التعريب والعناية الشاملة بالعربية وبالهوية العربية.لقد نجحت الجامعات السورية وبعض جامعات العراق في تعريب العلوم، وتعريب التعليم الجامعي، ولم يحل ذلك دون استفادة الطلاب والأساتذة مما ينشر من البحوث العلمية في اللغات الأجنبية، لأنهم يعرفونها كما يعرفون العربية، ولم يكن مستوى خريجي هذه الجامعات العلمي ومستوى أساتذتهم دون مستوى خريجي الجامعات العربية غير المعربة وأساتذتها، إن لم يكن أفضل منه. وهذا ينقض حجج الذين يدعون أن من الخير للعرب ألا يعربوا العلوم التطبيقية لئلا يتعذر عليهم أن يستفيدوا مما يكتب في اللغات الأجنبية. وكان ينبغي أن يكون تعلم لغة أجنبية - في الأقل- أمراً مفروضاً على كل طالب عربي في المرحلة الجامعية، ومتاحاً له قبلها، مهما يكن تخصصه، فضلاً عن ذوي التخصصات العلمية، ولكن لا يجوز بحال أن تكون تلك اللغة بدلاً من العربية، ولا سابقة لها، لكن تالية لها، بعد أن يحذق العربية.وهنالك ما يعين على متابعة كل جديد في العلم، هو إقامة مراكز للترجمة في كل جامعة تترجم ما يجد من البحوث والدراسات فور صدوره. وهذا هو الذي تصنعه الجامعات غير العربية التي تدرس العلوم بلغاتها.وليس العرب أضعف من فيتنام و«إسرائيل»، ولا أقل منهما إمكانات، ولا العربية أقل شأناً من الفيتنامية والعبرية.إن الخلاف أمر مشروع، وحق لكل ذي عقل، لكن له حدوداً ينتهي إليها، وإلا كان ضرباً من النزق وأفعال الصبيان. والأمم التي نراها من حولنا تختلف، لها ثوابت تتلاقى عليها، فئاتها كلها، المتصادقون والمتعادون، منها الهوية والمصلحة العامة، وآن لنا أن نحدد شيئاً نلتقي عليه جميعاً، يقصر دونه خلافنا، وليكن منه هذان العنصران، والعربية التي لم يبق بين العرب رابطة تربطهم سواها هي الإسلام. ولست أقول هذا خوفاً عليه ولا عليها، فإنهما باقيان إلى أجل قدره الله، مهما نالهما من الشدة، وهما متلازمان تلازم الفرقدين، ولكن إشفاقاً وضيقاً من هذه الحال البائسة التي طال عليها الأمد، ولا يرتضيها عاقل، ألا يكون لثلاثمائة مليون نسمة في هذه الأرض الشاسعة، هوية مميزة، ولسان مصون، وأن يقنعوا بالتبعية فيما يضرهم، وهم يقدرون على الاستقلال فيه.

- شبكة الرواد الثقافية