النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Jul 2012
    المشاركات
    100

    ليس دفاعا عن أردوغان

    بقلم البروفيسورالدكتور مختارالغوث

    ليس دفاعا عن أردوغان

    (1/3)

    إن حبنا جماعةَ الخدمة، واعتقادنا فيها أجمل الجميل، بما رأينا من مآثرها البلقاء، وأياديها البيضاء على الإسلام والمسلمين، وحبَّنا الجم لشيخها الأكرم، غزاليِّّ العصر وروميِّه، مولانا محمد فتح الله كولن - مدَّ الله في عمره - لا يحول بيننا وبين أن نخالفها، وإن عوَّدتنا الثقافة أن ما يفعل الجميل جميل، وما يفعل الصالح صالح، وأن اجتهاد كل عظيم من العلماء صواب، فإن أنبياء الله الكرام - عليهم أفضل الصلاة وأتم السلام -، وهم خيرته من خلقه، قد أَتَوا خلاف الأولى، فعوتبوا في إتيانه، ورُدُّوا عنه إلى ما هو أولى منه؛ لئلا يتابَعوا فيه. ورأس التيار النورسي، مولانا بديع الزمان النورسي - قدَّس الله روحه - يرى بعض الباحثين في تاريخ الحركة الإسلامية في تركية أن "جميع مواقفه السياسية .. كانت في الاتجاه الخاطئ، وجُلُّها عبارة عن ردود فعل"، وأن ذلك كان سبب خروجه من السياسة، وقولِه الشهير: "أعوذ بالله من الشيطان والسياسة". وتمييز الحب والإجلال من التقويم، وعدم الخلط بينها منهج، يُحْرَص على ترسيخه في الثقافة، وإشاعته بين المسلمين، حتى لا ينزَّل اجتهاد غير المعصوم منزلة الوحي، ويُنْزَلَ الصالحون منزلة الأنبياء فيما يبلغون عن الله، وهو ما كان مولانا بديع الزمان يحض عليه تلاميذه: "إن الحقيقة الخالدة لا يمكن لها أن تتأسس على كاهل شخص، يجب أن تعلموا أنني دلاَّل على بضاعة القرآن ومعجزاته الموجودة بين يدي الإنسان في كل عصر. إن من أكبر الخطأ اتخاذي مظهرا وقائدا لحمل هذه الرسالة، لا تربطوا رسالة النور بشخصي الفاني، ولكن اربطوها بمنبعها الأصيل، فهو بعيد عن أي متناول"، وهو خلاف ما يشيع في الجماعات الإسلامية، من استعظام مخالفة شيوخها وقادتها، أو نسبة ما يجتهدون فيه إلى الخطأ، أو خلافِ الأولى. ثم إن أولياء الله الأكرمين إنما خصهم الله بما خصهم به من القرب؛ بما علم من صدقهم، وإخلاصهم، وانقطاعهم إليه، ووقوفهم عند حدوده، لا بعصمتهم، فإن الله - تعالى - ما عصم من عباده سوى الأنبياء، أما غيرهم من العلماء، فإنما يجتهدون، فيؤجرون، أصابوا أو أخطؤوا، ونيات الصالحين منهم ليست محل شك، ولا ينال من حبهم وإجلالهم أن يخالفوا.
    على أن الذي يتراءى لي أن الأزمة التي كانت بين حزب العدالة والتنمية وجماعة الخدمة (جماعة الشيخ فتح الله كولن) إنما كانت بين الجماعة والحزب، أكثر من أن تكون بين الشيخ والحزب، وإن كان من دأب الرأس أن يُنسب إليه ما يأتي التَّبَع، فإن الشيخ بعيد عن الأحداث، وإنما يعرف منها ما يُنقَل إليه، وربما كان في الذي يُنْقَل إليه من عدم الدقة ما تقتضي مصلحة الناقل، وأخلاقه، ودأبه في تحري الدقة، ومشاعره نحو من ينقل عنه، فكيف إذا صح ما قيل من أن الجماعة مخترقة من قبل الموساد، ووكالة الاستخبارات الأمريكية اللتين تسعيان في إلحاق تركية بمصر، وتجربة العدالة والتنمية بتجربة الإخوان المسلمين؟ فقد قال الكاتب التركي، عبد الرحمن ديليباك، المقرب من حكومة العدالة والتنمية، "إن قطبا من أقطاب جماعة الخدمة، كان يستعد لخلافة كولن في الجماعة تتبع خيوط الاختراق الخارجي داخل الجماعة، ورأى أنها تصل إلى السي آي إيه والموساد، ولما اكتشف حجم اللعبة والاختراق تم إبعاده عن وظيفته في الجماعة، ولكنه جمع جميع الأدلة والوثائق وذهب بها إلى أردوغان"؟. وأنا - وإن كنت ما أجزم بدقة تفاصيل الخبر، لِمَا بين الحكومة والجماعة من خلاف، يحمل مثله على التحامل، وعدمِ تحري الدقة - ما أستبعد صحته، في الجملة، لأسباب، منها أن جل حكومات العالم مخترقة، ويُتَنصَّت عليها، وتوجَّه بالعملاء، من حيث تدري ولا تدري، ومن غير المتوقع أن تكون جماعة الخدمة بمنأى عن الاختراق؛ فليس لها من الأجهزة ما يكشف اختراقها، إن كانت مخترقة، أو يقوم في مكافحة التجسس عليها، كما تفعل الحكومات، فكيف، وشيخها إلى ذلك، مقيم بأمريكة، حيث تحصى على المسلمين أنفاسهم، منذ نحو عقد ونصف؟
    من أجل ذلك أقول إن كلامي هاهنا عن العلاقة بين الجماعة وحزب العدالة والتنمية، لا عن العلاقة بين شيخنا الأجلِّ ورجب طيب. ولن أعرض للجانب الشخصي من الخلاف بينهما، على ما أعجبني من رباطة جأش الشيخ، وصبره على ما ناله من إعلام حزب العدالة ورئيسه، رجب طيب أردغان، وترفُّعه عن مبادلة الإساءة بأختها، وما ساءني مما بدر من رجب طيب من حدةٍ في انتقاد الشيخ، وجرأةٍ على النيل منه، وقلة تحفظٍ في إطلاق ما لا ينبغي من نابي اللفظ في حقه، كقوله إنه "مسوَّدة عالم"، وهو تقوُّل ما ينبغي أن يصدر من أمثاله من الأفاضل. والخلاف بينه وبين الشيخ ما ينبغي أن يحمله على التطاول عليه، والغض منه، والتجرؤ على شخصه؛ فإن هذا من بطر الحق وغمط الناس. ومكانة الشيخ العلمية والفكرية إنما يجهلها من لم يقرأ كتبه، التي ما قرأها أحد إلا جلَّ في عينه، وأحبه واحترمه، لما يجد عنده من الصدق، والربانية، والعمق، وسمو الخلق، وعلو الهمة، وحب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وسعة العلم، على وجه لا يكاد يتأتى لأحد من الناس. وهي مكانة يتبوؤها من قلوب العارفين به عن جدارة، وليست مما تصنع الجماعات الإسلامية لشيوخها تعظما بها في أعين الناس، ولا ينال منها أن يتنقصه رجب طيب ولا غيره.
    كما أن ما فعلت جماعة الخدمة من تنقُّص رجب طيب، وإلباسه كل تهمة، ترى أنها تسقطه من عيون الشعب من بطر الحق وغمط الناس، وكفر النعمة، و"لا يشكر اللهَ من لا يشكر الناس"؛ فمخالفة رجب طيب لا تسوغ تجاهل أياديه البيضاء على تركية، ولا تبيح طمس جهاده في الله، وما لقي فيه من الأذى والسجن، وحرمان الحقوق السياسية، ولا تناسيَ حقيقةِ أنه رجل، نشأ في طاعة الله، ونذر نفسه لخدمة المشروع الإسلامي في تركية، والتمكين له، منذ أن كان في الثامنة عشرة من عمره، أو دونها، وأبلى في ذلك بلاء لا ينكره إلا مكابر، وأن له على كل تركي حقا، لا يؤديه إلا عونه، ومناصرته في إتمام مشروعه، والاجتهاد في الدعاء له بالتوفيق، فهو الذي حرره من حكم الماسونيين ويهود الدونمه، وعملاء الغرب، وأتاح له أن يعبد الله بحرية، على الوجه الذي أحسب أن شهرته تغني عن التذكير به. وتجاهل ذلك، والسعي في تجريمه، وجعله ليس أكثر من لص، يمتهن هو وأهل بيته اختلاس المال العام، ويتستر على من يختلسه، والإمعان في إيذائه بغير ما اكتسب، والسعي في التمكين لحزب كمال أتاتورك، والعون على تحقيق مآرب أمريكة وإسرائيل في تركية وفي الشرق الإسلامي، بإسقاط حزب العدالة والتنمية، ليست مما يلائم الصورة الربانية المشرقة لجماعة الخدمة، في قلوب من يعرفها من المسلمين، ولا صورةَ شيخها الأجل، مولانا فتح الله كولن، نسأ الله في عمره. لكن الخلاف أخرج الفريقين - يا للأسف - عما يوجب الشرع من القصد والقسط في الخلاف: (يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)، والتأثمِ من احتمال البهتان والإثم بإيذاء المؤمنين بغير ما اكتسبوا: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا). ويبدو مما يَنْشُر الإعلام من أدب الاختلاف بين الإسلاميين المعاصرين أن الاختلاف بينهم إذا كان، نُسِيَ الشرع والأخلاق، وتحكَّم الهوى، والحرص على الغلَب، بإيقاع ما في الوسع من الأذى بالمخالف، على وجه يشمئز منه الطبع السوي، وهو أمر، يشكك في قدرتهم على الوفاء بما يَعِدُون من إقامة الحياة على أصول من الشرع، واستعادةِ ما فُقِد من قيم الإسلام الرفيعة، بل في القدرة على بناء مجتمع يسود فيه الحد الأدنى من القيم الإنسانية النبيلة، على وجه يمكِّن من التعايش السلمي، على أسس إنسانية، كما تتعايش المجتمعات المتحضرة، على ما يكون بينها من خلاف في كل شيء.
    على أن الإنصاف يقتضينا ألا ننسى السياق الذي وقع فيه ما كان بين الفريقين، على شدة امتعاضنا من جرأة حزب العدالة والتنمية على شيخنا الأجل، وأن القلوب إذا فسد ما بينها، عسر التحكم في الجوارح، إلا على كبار الربانيين، من أمثال الشيخ فتح الله. وهذا مما ينبغي أن تتوقف عنده الجماعات الإسلامية طويلا، فإن من دأب بعضها ألا يرقب في مخالفه إلاًّ ولا ذمة، ومع ذلك يطمع في أن يعتقد فيه ما يعتقد في نفسه، من أنه جماعة صالحة مجاهدة، حاملة للواء الإسلام، وذائدة عنه، وأن ذلك يوجب عليه أن يتحمل منها ما لا تتحمل منه، ويتجمل في الانتصاف منها - إن أبى إلا أن ينتصف - ما لا تتجمل في أذاه. وهو منطق غريب، ولكنه واقع.
    والتجربة التركية تجربة جديرة بالدراسة والتأمل؛ وأجدر الناس بتأملها ودراستها العاملون من الإسلاميين في السياسة. وما وقع بين جماعة الخدمة وحزب العدالة والتنمية مما لا ينبغي أن يغفل؛ فقد كانت جماعة الخدمة جماعة دعوة، تقول إنها ليست بحزب سياسي، وتنفي أن تكون لها أطماع سياسية، ومقتضى هذا ألا تخالف حزب العدالة، لأن غايتهما واحدة، وإن كان اهتمامهما شتى، ولا يتنافسان مشتركا؛ فيضيق أحدهما بما ينال منه الآخر. غير أن واقع الجماعة - فيما يبدو - ليس كذلك، فقد أجمع مراقبو الشأن التركي، من ترك وغربيين، على أنها تسعى في تبوُّؤ المناصب المهمة في الدولة، وأنها "عملت سنين طويلة بصمت، في تخريج القيادات، وزرعهم في القضاء، والشرطة، والاستخبارات، وغيرها"، وأنها منذ الثمانينات تقول إنها ممثََّلة تمثيلاً قويًا في كلٍّّ من الشرطة، والقضاء، وأنها خلقت دولة "داخل الدولة التركية، ورسخوا وجودهم بقوة في الشرطة، والقضاء، والجهاز البيروقراطي للدولة"، حتى قال سفير أمريكة في تركية عام 2009 م: "لم نجد شخصاً واحداً يشكك في هذه الحقيقة"، وقال عثمان خان، القاضي السابق، وعضو اللجنة المركزية في حزب العدالة والتنمية: إن "المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين يخضع لسيطرة أتباع فتح الله كولن، وهذا معروف للجميع، نحن نعرف جميع هؤلاء الأشخاص بأسمائهم". وأقرَّ محمد أركنه، مفكر جماعة الخدمة، بما قال هؤلاء، في الجملة، إقرارا، لا يُخْفي ما فيه من ديبلوماسية مطابقتَه لما قال هؤلاء: "التباعد بين حزب العدالة والتنمية حصل بسبب أن بعض محبي كولن يوجدون في داخل أجهزة الدولة، ولما جاء حزب العدالة والتنمية للحكم لم يكن أعضاء الحزب يعرفون أطر الجماعة، وبدؤوا يتعرفون عليهم، وبعد ذلك بدؤوا يقللون من شأنهم بل سارعوا إلى تهميشهم، فهؤلاء المحبون للأستاذ كولن كانوا موجودين قبل مجيء حزب العدالة والتنمية للحكم، لأن الحركة استثمرت في التعليم منذ بداية السبعينات، واستطاعت الجماعة أن تنشئ أطرا وكوادر، تولت مناصب عليا في أجهزة الدولة، وهذا يعود أساسا إلى رؤية الأستاذ فتح الله كولن، على عكس الجماعات الأخرى التي كانت تفتقد إلى هذه النظرة الاستشرافية لمستقبل العمل الإسلامي في تركية"، "هذه الأطر والكوادر التي تخرجت من المدارس التي أنشأها فتح الله كولن، واستطاعت أن تنفذ إلى أجهزة الدولة بالنظر إلى كفاءاتها العالية، .. ساعدت حكومة العدالة والتنمية".
    وليس مما يخفى على حزب العدالة والتنمية أن الجماعة فئة من الشعب، ومن حقها أن تتولى من المناصب ما يتولى غيرها، وإن لم يكن عارفا بتفاصيل ما تلي منها، قبل أن يحكم، ولا السياسة التي تنهج؛ لأنها كانت سرا، لا يعرفه غيرها، ولا من المعقول - أيضا - أن الحزب سيحاربها لمجرد معرفته بها من غير أن تأتي ما يستوجب ذلك، ولا سيما أنها جماعة إسلامية، أضعف رأيه فيها أنها أقرب إليه من العلمانيين، وأنه في حاجة إليها في طور النشأة، وبداية الحكم. غير أن من الصعب تصديق أن الحزب سعى في تهميشها من غير سبب، دون سائر الجماعات الإسلامية وغير الإسلامية، كما يفهم من كلام محمد أركنه، وأصعب منه تصديق أن الجماعة ترغب عن السياسة، وهي تخطط لاحتلال مناصب الدولة العليا، منذ حين، وتفخر بأن شيخها أدرك أهمية ذلك، على "عكس الجماعات الأخرى التي كانت تفتقد إلى هذه النظرة الاستشرافية لمستقبل العمل الإسلامي في تركية". ومما يصعب تسويغه جمع الجماعة بين الإقرار بالاستحواذ على ما استولت عليه من المناصب، عن بصر وتخطيط، وإنكار توظيفه في السياسية. هذا إلى أن من غير المتوقع أن تقرَّ الجماعة بما فعلت، ولا أن تكشف نيتها الآن وخططها لغير أعضائها، قبل أن تبلغ غاياتها التي كانت تتغيا، بعد أن ظلت تتكتم عليها وتنكرها زمانا، مخافة بطش العلمانيين الذين ما زالت تخشى أن تكون لهم كرة إلى الحكم، وترى أنهم ما يزالون يتحكمون في مفاصل الدولة، ويقيمون فيها دولة عميقة، وأنهم يخططون للقضاء على الجماعة وعلى حزب العدالة والتنمية. وربما كانت هذه البديهية مما سوغ للعدالة أن يقول إن ما رمته به من الفساد كان مبيتا، وإنه مكيدة، دبرتها من أجل إسقاطه في الانتخاب، وكذلك سائر ما اتهم به القضاءَ والشرطة والأمن، وما نسب إليها من تسجيل المكالمات وتلفيقها. كما تسوِّغ ما قام به رجب طيب من تصفية الجماعة من المناصب التي تولتها؛ لأن الحرب بين الجماعة والحزب غدت حرب وجود، ومن تأخر في هزْم خصمه، أتاح له السبقَ إلى القضاء عليه، أما إنكار الجماعة بالقول ما تقوم الشواهد على أنها تأتيه بالفعل، فليس بذي بال. وثم دليل آخر، يسوغ ما فعل العدالة بالجماعة، هو أن هذه التسريبات، والتهم بالفساد لم تصدر من توجه سياسي آخر، حتى التوجه العلماني المعارض، بحزبيه الكبيرين، الجمهوري والقومي، فاستهداف الحزب للجماعة من دون سائر الاتجاهات الدينية والسياسية لا يمكن أن يكون اعتباطا.
    وكانت ردود الجماعة على تهم الحزب إنكارية بحتا، وليس فيها ما قدم دليلا مقنعا على براءتها مما نسب إليها، سوى ما قال محمد أركنه من أن هنالك دولة عميقة، تريد القضاء على الاتجاه الإسلامي كله، ولكنها بدأت بالجماعة، لتنهيها بيد رجب طيب، قبل أن تنهيه، "ولكن أردوغان لا يستطيع أن يرى هذه الأمور، وأعضاء هذه الدولة الخفية استطاعوا أن يخوفوا أردوغان بأعضاء الجماعة، وأظهروا له أن الجماعة ستخترق أجهزة الدولة وستقضي عليه". وما يقوله بعض المتعاطفين معها من أن حزب العدالة لم يُصَفِّ الاسختبارات التركية من العلمانية كما فعل بالجيش، وإنها ما زالت تعمل كل شيء، وهي التي لفقت التهم التي نسبت إلى الجماعة. وهو أمر غير مستبعد، على ما قد يكون فيه من مبالغة، فلا جرم أن رجب طيب يعرف خطر الاستخبارات، وأنها هي التي تتحكم في البلد وأمنه وعلاقاته، فليس من الممكن أن يتركها إلى الجيش والقضاء، هذا إلى أن رئيس الاستخبارات التركية الآن واحد من أبناء الحركة الإسلامية في تركية المقربين من رجب طيب، وهو من المشهود لهم بالنباهة والتميز، وتوليته أمر الاستخبارات دليل على أن لرجب طيب من الوعي بالأمر خلاف ما تتهم به جماعة الخدمة، وإن كان من غير المستبعد أن تكون بالجهاز بقايا من الجهاز السابق ما يزال لها تأثير فيه.
    ومن أكبر الأخطاء التي يمكن أن ترتكبها جماعة الخدمة أن تحرص على بناء دولة عميقة في داخل الدولة، أما أولا؛ فلأن جانبا منه اغتصاب لإرادة الشعوب، وإلزام له وصاية غيره عليه، ممن ليس لزاما أن يكون مقتنعا به، أو يرى له ما يرى لنفسه، وتسلُّلٌ إلى الحكم من الأبواب الخلفية، ينافي الديموقراطية في الصميم. وأما ثانيا؛ فلأنه يعني أن الجماعة ترى أنها أكبر من الدولة والشعب، وأن من حقها أن تلتفَّ على إرادة الشعب وقراراته، وأن تستغل ما تتسلل إليه من المناصب في تنفيذ ما ترى. وهو أمر معروف في ثقافة الجماعات الإسلامية المعاصرة، والطوائف الدينية والعرقية، والاتجاهات ذات الفكر الشمولي المستبد، التي ترى أنها أنضج من الشعوب، وخير لها من أنفسها. وأما ثالثا؛ فلأن فيه تعطيلا للعدل، وتحكيما للعصبية السياسية، وتغليبا لمصالح فئة من الشعب على سائره. وهذا بالغش والسرقة أشبه منه بكل شيء آخر. وإذا كان هذا ما كان يقوم به العسكر في تركية، قبل حزب العدالة والتنمية، فقامت به جماعة إسلامية، فليست بأمثل منه، وإنما هي الوجه الآخر له. وقد قال الدكتور عبد الله النفيسي في كتابه الشهير "الحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية" أن الحركات الإسلامية هي الوجه الآخر للحكومات الإسلامية المستبدة. وإنه لأمر مؤسف أن يكون السياسيون الذين يعبِّئون أنفسهم لخلافة الحكومات المستبدة ليسوا بأمثل منها، وأن تُلزَم الشعوب الإسلامية ألا تخرج من استبداد إلا إلى استبداد مثله أو أسوأ منه، على ما يدعي الخالفون من الدعاوى التي يكذبها فعلهم، وأن تكون الجماعات الإسلامية مما يحول بين الشعوب الإسلامية والنضج السياسي الذي هو السبيل الأوحد إلى أن تغير ما بأنفسها. ومن المعلوم أن الجماعات التي تورطت في هذا ليست فيها واحدة جنت منه خيرا، ولا حال بينها وبين ما تتقي من شر، فقد صفَّى قادة الجيش التركي العلمانيون الجيش من الجماعات الإسلامية بعد انقلابه على حزب الرفاه وقبله، ومن بقي فيه كان وجوده كعدمه؛ لأنه لا حول له ولا طول، وما كان أكثر من جندي، يطيع قادته العلمانيين، الذين ينفذون به ما يريدون، كما ينفذونه بغيره من الجنود غير المنتمين. ولم يغن عن إخوان مصر تنظيمهم في الجيش، لما انقلب عليهم السيسي، وكانوا يخططون لأن ينتزعوا به الحكم عام 1918 م، إن صح ما قال السيد عبد الستار المليجي، من أن مصطفى مشهور - رحمه الله - باح له بذلك مرة. ولم يغن عن جبهة الإنقاذ تنظيمها في الجيش الجزائري، ولا موالوها من الضباط، بل قتل منهم من قتل، وعذب من لم يقتل عذابا شديدا. واستولى تنظيم الجبهة القومية الإسلامية في السودان على الحكم، ولكنه شق الجبهة جبهتين، وحال بين السودان والانتقال من حكم الجيش إلى الديموقراطية، وانتهت على يده أحلام الجماعة بتقسيم السودان والعداوة بين قيادات التنظيم، ولم يغن عن حركة النهضة تنظيمها في الجيش التونسي، بل سبَقها زين العابدين بن علي إلى الانقلاب على بورقيبة، ثم نكَّل بها. وهاهي ذي جماعة الخدمة تخرج من وظائفها العسكرية والمدنية. ومع ذلك لم تتعظ واحدة من هذه الجماعات بالأخرى. فبناء الدولة العميقة، على الوجه الذي يسعى فيه بعض الجماعات الإسلامية، ليس خيارا مستبصرا، ولا يدل على نضج. أما الذي أغنى عن الجماعات الإسلامية، وبوأها الحكم، وصد عنها بعض ما يبيت لها أعداؤها، فاقتناع الشعب بها، ورضاه عن برامجها وأدائها، وثقته بغاياتها، وهو الذي أعان حزب العدالة والتنمية على تحييد الجيش، والمباعدة بينه وبين السياسة، وكان متحكما فيها وفي غيرها تحكما مطلقا، فلما ناصره الشعب، إذ عرف مبلغ جدارته بالقيادة، دون سائر الأحزاب، علم الجيش ألا سبيل له إلى حزب العدالة والتنمية، مهما بلغ من عداوته مادام الشعب يسانده؛ فليس في وسعه أن يحارب الشعب، فينتصر عليه، على ما كان يتصف به كبار ضباط الجيش من غلو في العلمانية وعداوة الإسلام في تركية.
    وقد أعانت رغبة الحركة الإسلامية السياسية في تركية عن دخول الجيش على الاحتفاظ به مؤسسة واحدة متماسكة، وإن كان ما تتماسك عليه هو العلمانية وعداوة الإسلام، والمصالح الخاصة للضباط الفاسدين، والتبعية لأمريكة وإسرائيل وحلف شمال الأطلسي. ولو كان في المؤسسة أكثر من توجه، لقاد ذلك إلى ما لا تحمد عقباه من حرب أهلية، يمكن أن تستغل في العصف بالدولة. لكن الإبقاء على المؤسسة متحدة ومتماسكة قاد إلى توجيهها كلها وجهة واحدة، حينما صار الحزب أقوى منها بالشعب، واستغلها كلها في خدمة الوطن.
    وإنما يغتفر التخطيط لتبوؤ المناصب العليا في مؤسسات الدولة المهمة لغرض واحد، هو إصلاحها، بإقامة العمل فيها على أساس من الأخلاق، والوطنية، وحب المهنة، والتجرد لها، والانصراف إليها عما سواها من المآرب السياسية، التي يمكن أن تنازعها على اهتمامه، بحيث يغدو العضو الإسلامي في المؤسسة قدوة لها في ذلك، بما ينقل إليها من عدوى الإيجابية، فيغدو الشرطي جنديا للوطن محترفا، أمينا، مخلصا، جادا في عمله، متجردا لحفظ الأعراض، والأموال، والأنفس، إلخ، ويغدو القاضي قاضيا محترفا، مقيما للقسط بين الناس، شديد الضيق بالجور، وبكل ما يحيد بالقضاء عن أهدافه، ولا يميل إلا مع الحق، كما أراه الله، لا كما تريه الجماعة التي تأمره أن يقضي في الأمر بما يوافق هواها ومصلحتها الحزبية، فإن هذا مناقض للشرع مناقضته للأخلاق، ولا يختلف في شيء عما تفعل العلمانية التي كانت تستعين بالقضاء على تحقيق ما تريد من غير انقلاب، ولا يمكن أن يقود إلى دولة مؤسسات، يكون الحق فيها فوق الجميع، والدولة ومؤسساتها للجميع، وأكبر من الأفراد والأحزاب والجماعات؛ فإن الذي ما ينبغي أن يطمع فيه عاقل أن تتوسل الجماعة إلى الحكم بوسائل غير مشروعة، ثم تتخلى عنها إذا حكمت، ولا أن تمتهن الفساد في طور الضعف، ثم تصلح في طور القوة؛ فإنما التربية قبل الحكم، والقوة والغنى يطغيان، وليسا مما يصلح أكثر الناس. نعم ما ينبغي أن يطمع عاقل في أن القاضي الذي يأتمر بأمر الجماعة اليوم، فيقضي لها بما تهوى، سوف يعصيها إذا حكمت، فيحكم بغير ما تأمر، وبيدها عزله، ولا أن الجماعة التي تتنكب العدل اليوم، ستلزمه غدا إذا حكمت، هذا من قلب المنطق الذي يتردى فيه بعض الجماعات الإسلامية، فتصدقها قواعدها، من قلة نضجها، وينخدع به من يثق بها على غير بصيرة. ولا يمكن الشرطيَّ الذي تأمره الجماعة أن يُلْبِس البريءَ جريمة، لم يجترحها، فيفعل، أن يعصيها غدا، فلا يفعل إلا ما يوجب الشرع والأخلاق والقانون.
    وحسب الجماعات التي تريد الإصلاح من الإصلاح أن تُشيع المهنية والأخلاق الفاضلة في مؤسسات الدولة على هذا الوجه؛ فإن هذا كفيل بتغيير ثقافتها وثقافة المجتمع، ونقْلِه النُّقلة التي يُفْرَض أنها غاية كل مصلح. غير أن الجماعات الإسلامية ابتليت بثقافة سلبية، انحرفت بها عن التفكير السديد، كما انحرفت بها عن الغايات التي نشأت من أجلها أول مرة، هي ثقافة السرية، والانغلاق اللذان كوناها تكوينا أشبه ما يكون بالتكوين القبلي، بما فيه من تعصب للتنظيم ظالما أو مظلوما، مخطئا أو مصيبا، واستباحة كل وسيلة تتبلغ بها، مهما كان فيها من مجافاة الشرع والأخلاق، واعتقاد أن قيام المشروع الإسلامي ونجاحه رهْن بأن يكون على يدها من دون الشعوب، أو لا يكون أبدا، فينبغي أن تتحمله وحدها، وأن تعتقد أن كل من شاركها فيه يضارها، ويعوق المشروع، فينبغي أن تفرغ منه أولا، ولو كانت قبلته هي قبلتها، وغايته هي غايتها. وهذا بعينه هو سبب ما كان بين الخدمة والعدالة والتنمية. على أن الحركة الإسلامية في تركية التي أسسها المرحوم نجم الدين أربكان ربما كانت من أمثل الحركات الإسلامية في هذا الجانب، فقد أنجتها قبضة الجيش الحديدية من السرية، وأتاحت لها أن تتطور تحت الشمس؛ فسلمت من كثير من عيوب السرية التي تفتك ببعض الجماعات الإسلامية في الصميم، فكرا وأخلاقا وثقافة.
    ومما لا يخفى على أحد سلامة مقصد الشيخ فتح الله كولن، وبعْد نظره، واستشرافه المستقبل، كما قال تلميذه محمد أركنه، إذ خطط لتولي الجماعة هذه المناصب، في العهد العلماني؛ فإن من المتوقع أنها أفادت منه كثيرا في ذلك العهد، فقللت الشر، وخففت ما تريد العلمانية من أذى من يخالفها من الجماعات الإسلامية، واطلعت عن كثب على ما يدور في الدوائر العسكرية والأمنية، وبصرت بخططها، فاتقت بعض ما تبيت لها من الشر، فلما حكم حزب العدالة كانت عونا له على تصفية العصابات المعادية للإسلام، كعصابة أرغينيكون، لأنها كانت تراقب خططها، وتنظر إليها من ستر رقيق، كما أعانت على تقليم أظافر الجيش، وإخراجه من السياسة. وكان هذا من أجلِّ ما خدمت به جماعة الخدمة تركية. وكان ينبغي، إذ حكم حزب العدالة، أن يكون هؤلاء الموظفون كغيرهم من موظفي الدولة، يأتمرون بأمر الحاكم، ولا يختلفون في شيء عن سائر الموظفين، وتنتهي علاقتهم الإدارية بجماعة الخدمة، وتقتصر على العلاقة الروحية والفكرية، وأن يكونوا حراسا أمناء للفكرة، محافظين عليها، ساعين في صد كل من يريد زعزعتها، أو النيل منها، من الدولة العلمانية العميقة، ومن غيرها من الدول الأجنبية، ومن المعادين للإسلام والمشروع الإسلامي، في الداخل والخارج. وعدم المصير إلى هذا يعني العجز عن المراجعة، والتجاوز، وعدم تمييز دولة يحكمها حزب إسلامي من دولة تحكمها علمانية أتاتورك.
    للاعلان في لعصابه إنفو - راسلنا
    للمساهمة في نشر المواضيع على الشبكة اضغط اعجبني او اضف تعليق في مربع العليقات ادناه

    Facebook Comments - لمشاركة الموضوع مع اصدقائك على الفيس


  2. #2
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Jul 2012
    المشاركات
    100
    ليس دفاعا عن أردوغان (3/2)

    الأحد 27-04-2014| 10:56
    مختار بن الغوث، باحث ومفكر موريتاني مقيم فى السعودية

    ... ومن المفروض أن يكون مشروع العدالة والتنمية هو عين مشروع الخدمة، لتوافقهما في التدين، وتوافقهما في نقل الدولة من يد الجيش إلى الشعب، وجعلها دولة ديموقراطية. وقد نجح العدالة والتنمية في تحقيق بعض مشروعه،
    وهو سائر في استكماله، وقد استتب له الأمر، ودان المخالف، وانقاد الجمهور، وأكسب تركية مكانة في العالم، لم تنلها في تاريخها الجمهوري، فلمَ تنازعه؟ وماذا تريد غير الذي أنجز وينجز؟ وإذا كانت لها عليه مآخذ، وترى في بعض سياسته انحرافا عن الغايات، فإن كل ما أخذت عليه يحتمل الخلاف، بل من المعهود أن يُختَلف فيه كثيرا بين الحكومات ومعارضيها، وله فيه مذهب، ليس منطقه بأضعف من منطقها، وليس فيه ما يدعو إلى افتعال هذه الأزمة، والسعي في إسقاط الحكومة، ومحالفة أعداء تركية عليه (الحزب الجمهوري، حزب كمال أتاتورك)، في وقت من أحرج الأوقات التي تمر بها تركية، والبلدان الإسلامية في الشرق الأوسط، وهي لا تجهل ذلك، ولا تجهل ما يبيَّت لتركية، وتقر على لسان مفكريها أن فيها دولة عميقة، تريد أن تعصف بمنجزات العدالة والتنمية، وتقول إن أمريكة حذرت أردوغان من أن يتجاوز حدود تركية إلى العالم الإسلامي ليكون له فيه تأثير، يعوق خططها فيه. ومع ذلك تعين عليه في أحرج الأوقات!
    أما التعلل بأن في الحزب فسادا، وما ينبغي السكوت على الفساد لأي سبب من الأسباب، فصحيح أنه ما ينبغي السكوت على الفساد، لكن ينبغي أن يُثبَت الفساد أولا، وأن يتوسل إلى إثباته بوسائل قانونية نزيهة، فإذا ثبت، فلإزالته فقه، ينبغي العمل به، ومداخل قانونية، ينبغي أن يؤتى منها، وأساليب، قد يكون بعضها أمثل من أسلوب الجماعة الذي اختارت، أعف وأكرم، وأحسن عاقبة. أما أذى الحكومة بغير ما اكتسبت، والتشهير بها قبل أن يثبت عليها ما اتهمت به، فليسا مما يقاوم الفساد، ولا مما يمكن أن يحمل على محمل حسن، إذ يؤتى على حين موعد من الانتخاب، ويُسكَت عنه قبل ذلك، إن كان معروفا؛ فإن في جماعة الخدمة من الأكاديميين والمفكرين والسياسيين ورجال الدولة من لا يخفى عليهم هذا، إن كان يخفى على الدهماء.
    وقد قدَّم هذا الصراع للرأي العام الإسلامي وغير الإسلامي صورة سلبية لعلاقة الإسلاميين بعضهم ببعض، حتى قال أحد الكتاب: "معارك الإسلاميين الأتراك تشكك بكل أدبيات "النموذج التركي"، وادعاءات أحزاب الإسلام السياسي بقدرتها على التعايش مع باقي أطياف المجتمع، طالما أنها غير قادرة أصلاً على التعايش مع نفسها". ويبدو - يا للأسف - أن هذا الضرب من الخلاف كثير الحدوث بين الجماعات الإسلامية المعاصرة، وهو "الاختلاف المحذَّر منه ... وهو التباغض والتعادي والتكاذب المؤدي إلى فساد ذات البين، وضعف الإسلام، وظهور أعدائه على أهله. والمحسَّن (من الخلاف) هو عمل كل أحد بما علم، مع عدم المعاداة والمخالفة والطعن عليه، وعلى ذلك درج السلف الصالح، من أهل البيت والصحابة والتابعين"، كما قال ابن الوزير،وهو الذي حمل الشيخ بديع الزمان النورسي - رحمه الله - على اعتزال السياسة، كما يرى بعض الباحثين؛ فقد رأى رجلا عليه سيما العلم يقدح بعالم فاضل، بانحياز مغرِض، حتى بلغ به الأمر أن كفَّره، لخلاف سياسي بينهما، وأثنى على آخر منافق، يوافقه في الرأي السياسي، فأصابته رعدة شديدة، فاستعاذ بالله من سياسةٍ، تَحْمِل على هذا ونحوه.
    ولا شيء في أن يكون بين الإسلاميين خلاف كبعض الذي يكون بينهم وبين غيرهم، إذا أدير على أساس من الديموقراطية، وعدم النيل من الحقوق، لكن الخلاف بين الإسلاميين وغير الإسلاميين غدا أكثر ديموقراطية وأخلاقية من الخلاف بين الإسلاميين! ومأتى هذا - فيما يبدو - من شيء، قرَّ في نفوس بعضهم، من أن الخلاف بين الإسلاميين غير جائز، ما دام المرجع والغايات واحدة، وإذا كان، فإنما هو من ضلال أحد المختلفين، وممالأته أهل الباطل، بما يضعف الإسلام، ويقوي أعداءه عليه، ومقتضى هذا ألا يكون الخلاف بينهم إلا على ما هو عليه من السوء والمفاصلة؛ لأنه خلاف بين الحق والباطل. أما غير الإسلاميين، فإن "ضلالهم، وعدم استقامتهم" مفروغ منهما؛ لأنهم لا يدَّعون شيئا مما يدعي الإسلاميون، لكن الواقع السياسي أوجب على الإسلاميين احترامهم وتقبلهم ومعايشتهم، ولو على سبيل التقية والدعاية؛ لأن القبول بذلك شرط قبولهم والاعتراف بهم.
    وللقضية وجه آخر، هو أن المنافع والتوجهات الفكرية قسَمت الأصوات بين الإسلاميين وغير الإسلاميين قسمة تلقائية، فجعلت لكل منهم جزءا، لا يطمع فيه غيره، إلا أن تجدَّ منفعة، أو تجدَّ عقيدة؛ فينضم المرء إلى غير من كان معه. أما الإسلاميون، فيشتركون في قاعدة انتخابية واحدة، من نال منها شيئا خسر الآخر بقدره؛ فاشتغلوا بانتحال الحق واحتجانه، وتقرير صدق الانتماء إلى الإسلام في نفوس القاعدة الانتخابية، وإقناعها بعدم صحة انتماء غيرهم، بصنوف من الكذب، والهجاء، والدعاية غير الورعة، والكيد، ابتُذِلَت فيها المروءة، وتُعُدِّيت حدود الله، ودُنِّس محيَّا الفضيلة! وقد نبَّهتُ في مقالٍ لي قديم (السياسة والأخلاق) على أن بعض الجماعات تعدُّ الإسلام شركة، سبقت إلى وكالتها، فمن أراد شيئا منها، وجب أن يخضع لشروط الوكيل، وإلا كان مضارًّا له، وسعى في حرمانه حقوقه السياسية بما استطاع، كما يفعل التجار الذين يتنافسون على الانفراد باستيراد السلعة. ولو أُخلص العمل لله، ولم تكن فيه شائبة من حظوظ النفس، والعصبية للجماعة، لكان حسب المتنازعين أن يذهب الصوت إلى مَن غايته إقامة المشروع الإسلامي، كائنا ما كانت الجماعة التي ينتمي إليها.
    وقد ضيق هذا الصنف من الجماعات الإسلامَ، وجعله دينا فئويا، وأخرج المشروع الإسلامي من مشروع أمة إلى مشروع جماعة، تعادي من خالفها، وتضيق به، وتخشى منافسته، وتحرص على أن تستأثر بالإسلام دونه، وحالت بينه وبين الفكر الرحب الذي يمكن أن يحمله إلى حيث لا يدور بخلد واحدة منها، وحدَّته بتفكير قيادتها الذي ليس بأمثل تفكير، ولا أزكاه، ولا أعقله، ولا أذكاه، ولا أطوله تجربة، وحالت بينه وبين أن يكون فكرة، تنداح في المجتمعات كما ينداح الموج، حتى إذا بلغ مداه، وتخمَّر في وجدانها، ونضج في عقولها، أقامتها على الوجه الذي ترى أن تقيمها عليه، وتعاونت على أقامتها نخبها كلها، ولم تكلها إلى فئة منها، صغيرة، مهما كبرت:

    فقلت: ادعي وأدعوَ؛ إن أندى** لصوت أن يناديَ داعيانِ

    وبسبب هذه الثقافة السلبية، والفكر المحجِّر المحتجن غدا بعض الجماعات الإسلامية عقبة من عقبات المشروع الإسلامي، وهي تظن أنها هي الوسيلة إليه. وجماعة الخدمة - مثلا - لا يتجاوز ناخبوها 10 %، إن سُلِّمت لها دعواها، وهم بين 2 % و 5 %، إن صح ما يدعي مخالفوها، وهي نسبة لا تهيئها لدخول البرلمان، وناخبو العدالة والتنمية يناهزون 50 % من الناخبين، فبقاؤها مع حزب العدالة والتنمية في المشروع الذي كان يجمعهما جماعةً طبيعية، غايتها الدعوة، خير لمشروعها من أن يُجعل لها من وظائف الدولة جزء مقسوم، لا يفيدها من حيث هي جماعة أن يُجْعَل لها، مادام الحاكم يدير الدولة إدارة جيدة، وينحز ما يُفرَض أنه هو غايتها وغاية من يوافقها.
    لقد وقع بين جماعة الخدمة وحزب العدالة والتنمية من الخلاف والتكاذب ما جعل ترجيح موقف أحدهما على الآخر، في بعض القضايا المختلف فيها، غاية في الصعوبة؛ لأن كل من يرمي صاحبه بتهمة ينفي صحتها، ويردها عليه، أو يلبسه تهمة مثلها. فيتفق الفريقان - مثلا - على أن في الأزمة بينهما يدا خفية، تعادي تركية، فتقول الخدمة إنها الدولة العميقة التي تريد إسقاط الخدمة بيد العدالة والتنمية، ثم تسقط العدالة، ويذهب محللو العدالة إلى أنها الموساد والاستخبارات الأمريكية اللتين تغلغلتا في الجماعة. وهذا التكاذب والاتهام على هذا الوجه معهودان في الخصومات التي تقل فيها الموضوعية وتُغلَّب الذاتية، وهو مما يتعذر معه معرفة الحقيقة، لكن الذي لا خفاء به أن رجب طيب الذي أخرج الجيش من السياسة، وأقال تانر، رئيس الاستخبارات السابق، الذي كان على علاقة وثيقة بالموساد، وجعل مكانه خاقان فيدان، يغلب على الظن ألا يخفى عليه وعلى استخباراته أمر الدولة التي تقول جماعة الخدمة، لأنها من الخطر بالمكان الذي لا خفاء به، ولأنه ينوي إصلاح مؤسسات الدولة وأجهزتها كلها. وتقول الصحف التركية، إنه إنما سمى خاقان رئيسا لوكالة الاستخبارات من أجل إصلاحها، وتخليصها من سطوة الجيش الذي لا يزال 50 % من موظفيها ينتمون إلى سلكه. وخاقان فيدان إسلامي متدين، ويوصف بأنه ذراع رجب طيب اليمنى، وكاتم أسراره، ومن أجل ثقته، وعلمه بإخلاصه لمشروعه، وأهليته لأن يدير الوكالة، ولاه ما ولاه.
    ولعل أمثل الوسائل إلى تبين حقيقة ما كان بين الفريقين من خلاف، ومبلغه من الوجاهة، أن نحصر مآخذ بعضهم على بعض، فندرسها، ونوازن بينها، ونبين ما شاب بعضها من التحامل وسوء التفسير الذي تلجئ إليه اللجاجة، وما في بعضها من الصحة والوجاهة، وما يسوغ فيه الخلاف منها وما لا يسوغ، فإن تقويم الآراء التي يقر كل من الفريقين أنه يراها، بمنأى عن الاتهامات التي ينكرها من تلصق به، ولا يعرف مبلغ صحتها إلا الله ثم المختصمان، أقرب إلى الموضوعية، والخروج من التكاذب الذي يلبس الحقيقة، ولا يجليها، وأعون على تقويم مواقف الطرفين. فمما أخذت الجماعة على العدالة والتنمية:
    أولا- أن حكومة أردوغان انحرفت في السنوات الأخيرة عن مسار الإصلاح وتعزيز الديمقراطية، ولم تنجح في صياغة دستور جديد للبلاد، واتجهت نحو الشرق الأوسط، وتراجعت عن مساعي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
    ثانيا- ما اصطنعت من المشكلات مع إسرائيل يبعد تركية عن الغرب ويقربها من إيران وروسية والشرق الأوسط، وإثارة المشكلات مع إسرائيل الآن ليست من مصلحة تركية.
    ثالثا- أردوغان الذي انشق عن أربكان، وأعلن تخليه عن "شعاراته الفارغة" عاد إليها، وابتعد عن الواقعية في السياسة الخارجية، وآثر المغامرة في سورية ومصر؛ فانتهت به إلى التخبط وخسارة تركية حلفاءها. وهو يسعى في تأسيس تجمع ديني، من مصر، وتركية، وإيران، لا تسمح به الدول المتحكمة في العالم التي ليست لتركية الآن قوة على مقاومتها، وقد قالت له أمريكة عام 2009 م: افعل ما شئت في بلدك، ولكن لن نخلي بينك وبين أن تتجاوزه؛ فمشروعه هذا سابق لأوانه.
    رابعا- أن الحكومة قدمت تنازلات لحزب العمال الكردستاني، فاستغل أجواء المصالحة لتكثيف دعايته، وإعادة انتشار جنوده، دون أن يخرج من الأراضي التركية أو يلقي السلاح.
    خامسا- يتسم موقف حكومة أردوغان من إيران بالعاطفية، وحسن الظن المبالغ فيه، وفي حزب العدالة والتنمية موالون لإيران وفكر الخميني، وبعضهم من المحيطين بأردوغان، وكان ينبغي أن تلزم الحكومة الحذر من سياسة إيران الطائفية وأهدافها التوسعية، ومحاولات اختراقها لتركية.
    سادسا- تستهدف الحكومة جماعة الخدمة وتضيق عليها، بإبعاد المنتمين إليها عن المناصب المهمة، وإغلاق مراكز الدروس الخاصة التي هي من أبرز أعمال الجماعة التعليمية والاقتصادية. أما ما تتهم به الحكومة الجماعة من السعي في السيطرة على مفاصل الدولة، فلا صحة له، وليس مما ينبغي أن يستنكر أن يتولى أعضاء الجماعة المؤهلون مناصب حكومية مرموقة ليخدموا بلادهم.
    ثامنا- عدل العدالة والتنمية عن إشراك الشعب في البناء والتغيير؛ فصار حزبا طائفيا، يخدم فئة من المجتمع دون غيرها.
    عاشرا- حزب أردوغان لا يرغب في معارضة إسلامية في تركية، ويسعى في القضاء على كل الجماعات الإسلامية؛ كي يتمتع بشعبية، يحافظ بها على استمرار حكمه؛ لأن الناس بدؤوا يعارضونه فيما يفعل.
    ومما تأخذ الحكومة وغيرها على جماعة الخدمة:
    أولا- أنها تريد المشاركة في الحكم دون أن تتحمل مسؤوليتها السياسية. وطمعها في ذلك من الوصاية على الشعب، وكان عليها، إن أرادت حكم البلاد، أن تؤسس حزبا، يتقدم إلى الشعب في تمكينه من الحكم. وقد سألت الجماعة رجب طيب أن يخلي لها عن الشرطة والاستخبارات، والسياسة الخارجية، وسألت الحزب مائة وخمسين مقعدا في البرلمان، مع أن أصوات ناخبيها بين 2 و 5 % فقط، وهو ما لا يقبله الحزب ولا الحكومة.
    ثانيا- أفضل أيام الجماعة سنواتها العشر الأخيرة من حكم العدالة والتنمية، وقد رغب العلمانيون إلى الحكومة أن تعدها جماعة إرهابية، فأبت، وغيرت قانون مكافحة الإرهاب حماية لها.
    ثالثا- منهج الجماعة عدم الخروج على "ولي الأمر"، ولما عارض الشيخ فتح الله كولن انطلاق أسطول الحرية لكسر حصار غزة، قال: "كان عليهم أن ينسقوا أولا مع الحكومة الإسرائيلية". وكان الشيخ فتح الله قد عد قرارات مجلس الأمن القومي في 28 فبراير/ شباط 1997 التي انقلبت على حكومة الرفاه اجتهادا للمجلس، "إن أصاب فيه، فله أجران، وإن أخطأ، فله أجر"، فلمَ يختار الآن الخروج على حكومة رجب طيب؟
    رابعا- للمنتسبين إلى الجماعة سياسة في الإدارات والشرطة والقضاء والجيش ووزارة الداخلية، غايتها الآن إضعاف الحكومة وزعزعة استقرارها، على حين كانت تعينها على إضعاف النخبة العلمانية، من أجل الحد من سلطان الجيش في السياسية.
    خامسا- هناك رجال أعمال من الجماعة يرغبون في جني المزيد من المناقصات والأعمال الحكومية، ومن تخصيص الأراضي للبناء، ومن برامج دعم التجارة الخارجية. وهذا يعني أنََّ هناك الكثير من الثروة التي يمكن توزيعها، وفي هذه الثروة اختلفت الجماعة والحكومة.
    سادسا- ترى الحكومة أن الموساد والاستخبارات الأمريكية تخترق الجماعة، وأن حملتها على العدالة والتنمية مدفوعة من جهات داخلية وخارجية، تتغيا زعزعة استقرار تركية والإجهاز على تجربة العدالة والتنمية في الحكم.
    سابعا- الديمقراطية مبنية على الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وترفض تدخل الحكومة في القضاء، فمن باب الأولى أن ترفض تدخل جماعة في القضاء، لتوجهه وفق مصالحها. وفي الديمقراطية لا يؤلف المدعي العام والقاضي ورجال الشرطة خلية سرية للتنصت، وتصوير غرف النوم، والابتزاز، والاعتقال، والتعذيب لمصلحة الجماعة التي يتبعون.
    ثامنا- سبب غضب الجماعة من رجب طيب هو شعورها بأنها كانت على وشك الوصول إلى هدفها، بعد أن تمكنت من التغلغل في جميع المؤسسات، لكن تدخله في اللحظة الأخيرة،أفسد خطتها.
    وليس في أكثر مآخذ الجماعة على الحكومة ما يقنع، ولا ما يسوغ شيئا مما فعلت، لو فرضت صحته؛ فحكومة العدالة والتنمية حكومة منتخبة، من حقها أن تسوس البلد بما ترى، لا بما يرى غيرها، ولغيرها أن يخالفها ويعارضها، وينتقد أداءها، ويسعى في إسقاطها بالوسائل المشروعة (صناديق الاقتراع)، لا بالتشهير، والتهم الباطلة، واستغلال المناصب والصلاحيات الإدارية في تجريم البرآء، وتوجيه الإعلام إلى صنع صور غير صحيحة للمخالف، والتجسس عليه، وانتهاك الأمن القومي بنشر أسرار المؤسسات السيادية والأمنية في مواقع التواصل، وانتهاك خصوصية الأشخاص، وحياتهم وحياة أسرهم؛ فليس هذا من الديموقراطية، ولا من مصلحة الوطن، فضلا عن أنه محرم؛ فالله - تعالى - يقول: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا)، ويقول: (يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله)، ويقول: (ولا تجسسوا)، ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود: "مَنْ قَالَ فِي مُؤمِنٍ مَا لَيسَ فِيهِ، أَسكَنَهُ اللَّهُ رَدغَةَ الْخَبَالِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ".وإذا استحلَّ المسلم التقول على من يخالف، فلا فضل له على غير المسلم. وهي ظاهرة، استشرت في بعض الجماعات الإسلامية، على وجه لا يخطر لبعض من يصدقون دعواها العريضة، فمن خالفها، أُهْدِرت حرماته، وحلَّ منه ما حرم الله، وإذا رغبت في شيء، انتهكت في تبلُّغه حدود الله، وألوت بالشرع والعهود والقانون، ولم تبال الأخلاق، ولم يحل بينها وبينه إلا العجز، أو قصور الوسائل.
    وليست حكومة العدالة ملزمة، من جهة القانون، أن تشاور كل حزب أو تيار فيما تفعل، وإن كان ذلك مما ينبغي؛ لأنه عون على تبيُّن المصلحة. ومن القليل في البلدان الديموقراطية أن يرضى أكثر الشعب عن أداء حكومته، وأقل منه أن يرضى كله عن سياستها، أو يوافقها فيها. والتأخر في إنجاز دستور جديد للبلاد، والعلاقة مع إيران وحزب العمال، وإقامة تجمع إسلامي من تركية ومصر وإيران، وكونه سابقا لأوانه، وسياسة الحكومة في مصر وسورية، وما شاكلها، قضايا يختلف في مثلها السياسيون، واختلاف الجماعة والحزب فيها سائغ، ولا ضير منه. ولا تكاد تسلم حكومة في العالم من مآخذ كهذه، ولا مما هو أكبر منها. غير أن الوسائل التي ينبغي أن تُقنَع بها الحكومات، أو تُحْمَل على ما يرى مخالفوها ليست تلك التي توسلت بها جماعة الخدمة. ولا يخفى أن سياسة الحكومة تجاه مصر وسورية - وإن لم تحقق ما أرادت - سياسة جديرة بالاحترام؛ لأنها تنظر إلى مصلحة تركية ومصلحة المسلمين في مصر وسورية، فقد دعمت الثورة السورية، وحكومة الإخوان المسلمين بمصر لأن في نجاحهم ونجاح الثورة السورية ما يعين على بناء عمق إستراتيجي لتركية والعالم الإسلامي الطامح إلى التحرر من الاستعمار والتبعية للغرب، وهي تعلم أن صديقها الحقيقي ليس هو أمريكة ولا الغرب، وإنما إخوتها المسلمون، وأن الغرب عدو حضاري إستراتيجي، وليس بصديق يوثق به، وهو مما كان يقر به كبار ضباط الجيش التركي، على علمانيتهم وولائهم للغرب. هذا إلى أن حكومة رجب طيب لم تزد على أن امتثلت ما أمر الله به من تعاطف المسلمين وتوادهم وتراحمهم وتعاونهم على الحق والخير. أما الحرص على الغرب والانضمام إلى الاتحاد الأوربي، فيبدو أن العدالة والتنمية لا يثق بأن أوروبة جادة في قبول تركية في الاتحاد الأوروبي، وعقود من المماطلة والشروط التعجيزية جديرة بأن تعلم حزب العدالة والتنمية ما ينوي الاتحاد الأوروبي. وأما ما ادعت الجماعة على الحزب من الفساد، فيرى مخالفوها أنه مجرد غطاء لمحاولة انقلاب على الحكومة، بمنزلة "كاتم الصوت" للسلاح الذي يريدون أن يضربوا به الحكومة في مقتل. ولو استجاب أردوغان لمطالب الجماعة، فأعطاها ما تريد، لكان أفضل زعيم في نظرها، ولسخَّرت إعلامها للدفاع عنه وعن حكومته، كما كانت تفعل. ولم تُقِم الجماعة الدليل على ما نسبت إلى الحزب من فساد، بل قامت الأدلة على أن بعض ما اتهمته به باطل، كالتهم التي نسبت إلى رجل الأعمال الإيراني وعلاقته ببعض أبناء الوزراء، فقد أثبت الإيراني بطلانها "بمستندات رسمية، لا تدع مجالا للشك في عدم صحتها".
    وتقول الحكومة ومن يوافقها إن الشعب التركي لم يحارب وصاية العسكر ليحل محلها وصاية جماعة الخدمة، ويقول بعض العلمانيين إنه يؤيد حكومة العدالة والتنمية في صراعها الجماعةَ؛ لأنه يرى أن أفسد حكومة منتخبة أفضل من وصاية جماعة سرية؛ إذ الأولى يمكن إسقاطها بصناديق الاقتراع، ومحاسبتها ومعاقبتها، بخلاف الثانية. وقال أحد المحللين ملمِّحا إلى أن الجماعة تسعى فيما لن تدرك: "هل سيعطي الجماعةَ من يأتي بعد أردوغان كل ما تريده ويسلم إليها الشرطة والاستخبارات؟ والجواب: "كلا"؛ لأنه خيانة للإرادة الشعبية، ولن يرضى به لا القوى الديمقراطية، ولا العسكر"، ومعنى ذلك أن الجماعة ستظل في صراع مع كل من يحكم تركية. وهي ظاهرة في بعض الجماعات الإسلامية أيضا، مأتاها من رأيها في نفسها: فلما كانت إسلامية، وكان الإسلام هو الحق، كان لزاما - في نظرها - أن يكون لها من الاعتبار ما للإسلام عند من يدين به، وكانت هي التوجه السياسي الأوحد الذي يحوز من الكمال ما لا يحوز غيره، والحل الذي لا ترضى بغيره، ويجب على الحكومات ألا تتلكع فيه، ولا تتردد في إتيانه، هو أن تمكِّنها من الحكم، علانية، أو من وراء حجاب، إن كانت أحوال البلد وعلاقاته الخارجية لا تسمح بتمكينها منه علانية، بحيث يكون إليها كل شيء من أمر الدولة، على أن تتولى عنها الحكومات ضغط الغرب، إن أرادت أن تطوي صفحة الأزمات، وما لم تفعل، فلن تغادر بها خانة الخيانة والعجز والقصور، ولن تألوها خبالا، ولن تكون علاقتها بها إلا علاقة مصلح غيور بخائن، دخل غير عشه، وتولى من أمر الوطن ما ليس له أن يتولى، وسيبقى كل إحسان يحسنه إساءة، وكل تقدم يتقدمه تأخرا. من أجل ذلك يكون الغالب على هذا الصنف من الجماعات هو التحدي، والاستعداء، وتعكير الجو السياسي حتى يدخل البلد في أزمة، تشغل الساسة عن "السياسة".
    أما دعوى أن حزب العدالة يعادي الاتجاهات الإسلامية، ويحرص على ألا تقوم لها قائمة، فإن من دأب بعض الجماعات الإسلامية أن يضيق بمن ينافسه، ويضيِّق عليه، غير أني لم أجد جماعة إسلامية في تركية تدعي أو يدعي غيرها أن حزب العدالة ضايقها، أو ضاق بها. وما يفهم من قول محمد أركنه إن 80 % من الجماعة لن يصوتوا لحزب العدالة، أن نحوا من 20 % منها قد صوتوا لحزب العدالة والتنمية في الانتخاب الأخير، أي إن الجماعة غير متفقة في رأيها في حزب العدالة، ولا متفقة في موقفها منه ومن حكومته. أما الجماعات النورسية الأخرى، فخالفتها في مواقفها وآرائها كلها، وانتقد بعض كبار علمائها موقفها من حكومة رجب طيب، مثل البروفسور أحمد آكغوندوز، وقال أحد أشهر تلاميذ النورسي، الشيخ محمد كيركينجي إنه يحب أردوغان وحكومته ويقدرهما، و"قطع طلاب النور علاقتهم بالجماعة، في بيان نشره تلاميذ الإمام النورسي الذين درسوا عليه في حياته، كعبد الله يكن، وعبدالقادر بادلي، وقالوا إن الجماعة وقعت تحت ضغط جهات أجنبية، لا تبغي الخير لتركية ولا للمسلمين".وخطَّأ سائر الجماعات الإسلامية في تركية جماعة الخدمة في مواقفها من حزب العدالة والتنمية ورجب طيب، ولا سيما دعمها للحزب الجمهوري، والتمكين له في إعلامها، وخرج منها لطيف أردوغان الذي كان يعد خليفة كولن، وقال: "لا يوجد تأييد فكري لحركة غولن في تركية الآن، والشعب لا يحبهم، وحركة الخدمة ستواجه أياما صعبة".
    وردَّت الحكومة على بعض مآخذ الجماعة، فقالت إن مبادرة الحل النهائي للمشكلة الكردية - مثلا - بالغة الأهمية لحاضر تركية ومستقبلها، وربما كان دافع الجماعة إلى انتقاد الحزب في سياسته في هذه القضية هو شعورها بأنها غدت خارج المعادلة، وربما كانت تفضِّل الحل العسكري والأمني على التفاوض والحل السياسي، مع أن تصريحات الشيخ فتح الله كولن أيدت المصالحة، ولكن الجماعة عارضتها. وردت على اتهامها بالاستبداد بأن الأحزاب السياسية أكثر شفافية وديمقراطية من الجماعات الدينية التي تقدِّس زعماءها وتطيعهم طاعة عمياء، أي إن جماعة الخدمة ما ينبغي أن تنتقد حزب العدالة في أمر، هي فيه دونه. وقالت إن كتَّاب الجماعة يتهمون الحكومة بالضغط على وسائل الإعلام، ولكن في وسائل الإعلام المقربة من الحكومة ما ينتقد سياستها، بخلاف وسائل الإعلام التابعة للجماعة التي لا يمكن أن تنشر خبرا أو مقالا، ينتقدان أعمال الجماعة وزعيمها. وهي حال كثير من الجماعات الإسلامية، لا يكاد ينشر في صحافتها إلا الثناء عليها، وعلى مؤيديها، وهجاء مخالفيها، وليس من المعهود أن تنشر تقريرا أو تحقيقا ينتقدها، أو يكشف بعض ما يخفى من أخطائها؛ لأن ذلك - في ثقافتها - لا يكون إلا عن "مرض تنظيمي"، ورغبة في إشاعة البلبلة في "الصف"، ومن الشائع في ثقافة تنظيم الإخوان بمصر - مثلا - أن "من اعترض انطرد". وإنما يحرص إعلام الجماعات على ترسيخ الثقة بها وبقيادتها، وأن بها من النضج، والكمال، والقرب من بلوغ الغايات ما ليس بها، وأن لكل قصور بدا منها وجها، يعرف مسوغاته من هو أهل لأن يُطْلَع عليه. وليس من المتوقع أن يباح النقد في جماعة، يبنى تنظيمها على الجندية والطاعة، وتكوَّن تكوينا نفسيا شبيها بما ينشَّأ عليه أبناء القبائل، من حبها، والاعتزاز بالانتماء إليها، واعتقاد أجمل الجميل فيها، وعدها أمثل قبيلة وأكملها، وعدم التعرض لمثالبها إلا أن تُحْكى عن عدو، يراد النيل منه والتأليب عليه، واستنبات عداوته في نفوس الناشئة، وتعليمهم ما يردون به من مآثرها ومثالب أعدائها. وهذا سبب ما يُرى عند بعض المنتسبين إليها من غيظ وحنق على من ينتقدها، وإمعان في هجائه، على وجه يشعر بأنهم يتشفون منه، ويرهبون غيره من التفكير في نقدها، وينتصرون لكرامة "القبيلة" التي نيل منها؛ لأنهم لا يعون أن الجماعات والأحزاب ليست بمتاجر خاصة، لمالكيها ربحها، وعليهم خسارتها، ولا بقبيلةٍ، لها تقاها، وعليها فجورها، وإنما هي مشاريع، يتهيأ أصحابها للحكم، والتحكم في مصاير الناس؛ فمن حق كل امرئ أن ينتقدها، ويبين عوارها، ليعرف حقيقتها من يجهلها، فإما أن تستقيم، وإما أن يُنْصرَف عنها، ويحال بينها وبين التمكن، قبل أن يقع البلاء بها. وقد حدثني بعض الأحباب المقيمين بتركية أنه ينتقد رجب طيب، فلا يخشى عواقب انتقاده، وانتقد مرة جماعة الخدمة، فقيل له: "إن أردت الحفاظ على لقمة عيشك، فإياك وانتقاد الجماعة". وما أدري أكان المحذر من أعضاء الجماعة، أم هو عارف بها، أشفق عليه. وهذا التحذير يدل على أمرين: أن الجماعة تضيق ذرعا بالنقد، وأنها تتغلغل في الدولة، على وجه يمكن أن تنال به مِن كل من يخالفها، وهو دليل آخر على صحة ما نسب إليها.
    وردَّت الحكومة على اتهام الجماعة بمحاباة إيران بأنه لا أساس له، وأن تباين سياسة البلدين في الثورة السورية دليل على ذلك. ومما يصدِّق هذا ما ذهب إليه بعض المحللين من حزب العدالة والتنمية، من أن لإيران ضلعا في أحداث "تقسيم"؛ فقد أرادت معاقبة الحكومة التركية على تأييد الثورة السورية. ومن المستبعد أن يخفى ذلك - إن صح - على الاستخبارات التركية.ويبدو أنالمقصود بالمقربين من إيران الذين ترى الجماعة أنهم يحيطون برجب طيب خاقان فيدان، رئيس الاستخبارات التركية، فقد اتهمته الجماعة بموالاة إيران، وهي تهمة توافق فيها أمريكة وإسرائيل اللتين أفزعتهما تسميته خلفا لصديقهما المقال تانر، فقد سماه إيهود باراك "نصير إيران"، وقال إن تسميته رئيسا للاستخبارات تقلق إسرائيل، وقد تعين إيران على الحصول على معلومات سرية، وتكشف ما تخطط لها أمريكة وإسرائيل سرا؛ لأنه ورث كثيرا من المعلومات الاستخباراية بين أنقرة وواشنطن وتل أبيب، كما أنه يفسد خطط إسرائيل المعادية لأردوغان التي كان منها محاولة اغتياله. هذا إلى أن خاقان فيدان كان قد كشف شبكة تجسس إسرائيلية، تعمل في إيران.وقد جهدت جماعة الخدمة أن تحول بينه وبين رئاسة الاستخبارات، وأن يتولاها عضو من أعضائها، وكان عدم نجاحها في ذلك مما كدر صفو العلاقة بينها وبين رجب طيب وحزب العدالة! فلما يئست حاولت أن تتخلص منه بتسريب بعض مفاوضاته السرية مع حزب العمال الكردي، ثم استدعائه إلى القضاء. وموقف الجماعة من حل القضية الكردية يوافق موقف إسرائيل وأمريكة، فهم لا يريدون حلا للمسألة الكردية "التي كانت جرحا نازفا، كلف الآلاف من القتلى والملايين من الليرات. وتوافُق الجماعة وأمريكة وإسرائيل في معارضة حل القضية الكردية، وفي كراهية خاقان فيدان، ونسبته إلى مناصرة إيران، مما يمكن أن يستدل به على صحة ما يرى العدالة والتنمية من أن الموساد والاستخبارات الأمريكية تخترق جماعة الخدمة. وإذا صح هذا، أمكن أن يفهم حرص رجب طيب على إخراجها من المناصب التي تتبوؤها في الحكومة التركية، وإبعادها عن مصدر القرار، ونقل أعضائها إلى أماكن نائية، إذ علم أنها مخترقة، وأن المناصب التي تتبوؤها يمكن أن توظفها الاستخبارات التي تخترقها في بلوغ ما تريد من النيل من أمن تركية، ولم يكن هجومه على الحركة لذات الحركة، وإنما من حيث هي جماعة يتوسل بها غيرها من أعداء تركية إلى ما يريدون. ومما يدل على ذلك أنه هدد في هذه الأزمة مرارا جهات داخلية وخارجية، لم يسمها، كما يبدو من قوله: "سنكسر الأيادي التي تحاول المساس باستقلالنا"، "تركيا ليست جمهورية موز، أو بلداً من الدرجة الثالثة, لا يمكن لأحد سواء من داخلها أو خارجها إثارة القلاقل، أو نصب شرك لتركية"، وحذر سفراء بعض الدول من مغبة التدخل في الشأن التركي. كما يدل عليه قسوته في تهديد الجماعة، كقوله عقب فوز حزبه بالانتخاب: "سندخل عرينهم، سيدفعون الثمن ويساءلون، كيف لهم أن يهددوا الأمن القومي؟"، وقوله إن الجماعة لا يطهرها إلا جهنم، إن صح ما نسب إليه محمد أركنه، فإنه يدل على أنه يرى أنها ارتكبت خطأ لا يغتفر، إذ سقطت في أيدي الاستخبارات الأجنبية، وأعانتها على ما أرادت بتركية. ويبدو أن لهذه القسوة وجها آخر ديبلوماسيا، هو أن رجب طيب إنما أراد في الحقيقة أن يطهر تركية من الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلة التي تتغلغل في أجهزتها، عن طريق جماعة الخدمة وغيرها، من غير أن يصرح بذلك، فجعل ما قامت به الجماعة ذريعة إلى ما أراد، من غير أن يسبب أزمة ديبلوماسية بين تركية وأمريكة، فكان ينسب بعض عملاء المخابرات الأمريكية والإسرائيلة إلى الجماعة، وإن لم يكونوا منها، من أجل أن يخرجهم من مناصبهم، أو يجعلهم بحيث لا يكون لهم تأثير في خدمة تلك الاستخبارات، من غير أن يكشف لأمريكة وإسرائيل عن نيته في مكافحة ما تقومان به من التجسس، تجنبا للمواجهة الصريحة بينهما، وهو هدف ما نشك في أنه واحد من أهداف كل تركي وطني، يستنكف من أن تبقى علاقة تركية بأمريكة وإسرائيل كما كانت في عهد حكم الجيش الذي فتح تركية على مصراعيها لدول حلف شمال الأطلسي، ولا سيما أمريكة، لتقيم فيها عشرات قواعد التجسس المتقدمة التي يعمل فيها آلاف الأمريكيين، ولا يسمح لتركي أن يدخلها. وهذه القواعد والتنظيمات والمحطات هي التي تسجل بعض الجلسات الأمنية الخاصة، وتقوم بتسريبها، أحيانا لبلوغ أهدف سياسي، وربما كانت نسبة الحكومة ذلك إلى الجماعة، على علمها بأنه ربما لا يكون في وسعها من قبيل تلك الديبلوماسية، ومن قبيل "إياك أعني واسمعي يا جاره"، وربما كان تهديد رجب طيب للدول الأجنبية في هذه الأزمة من أقوى الأدلة على ذلك. وربما كانت سياسة الاستخبارات التركية الجديدة في مكافحة تجسس أمريكة وإسرائيل من أكبر ما يقلقهما، من أجل ذلك كانت حملتهما على خاقان فيدان مهندس هذه الحملة، ومهندس إعادة بناء الاستخبارات التركية، وحملتهما على حزب العدالة والتنمية صاحب سياسة الاستقلال، وبناء تركية الحديثة القوية، من أجل إسقاطه في الانتخاب، لكن جماعة الخدمة جعلت هي الدرع الذي لبسه الطرفان في هذه الحرب. ولو اقتصر الأمر على مخالفة جماعة الخدمة رجب طيب وحزبه، وتولي بعض أعضائها مناصب قيادية في الدولة، وسعيهم في إسقاطه من الحكومة ما بلغ غيظه منهم وحنقه عليهم ما بلغ.
    وسوغت الحكومة إغلاق مراكز التعليم الخاصة بأنه جزء من برنامج متكامل، غايته إصلاح التعليم، الذي يحمِّل الطلابَ أعباء إضافية، ويثقل كاهل الأسر"، ويضعف التعليم في البلاد؛ لأن الجماعة لا تجبر الطلاب على دراسة المناهج التعليمية كلها، وإنما تجهزهم لاجتياز الاختبارات؛ من أجل ذلك قررت إغلاق هذه المدارس، لا بقصد الإضرار بالجماعة وأعمالها، كما تدعي. ومما يدل على ذلك أن رجب طيب تدخل لمنع إغلاق مدارس الجماعة في روسية، وحذر بوتين من أن الإقدام عليه قد يفسد العلاقات التجارية بين البلدين؛ فما كان ليفعل ذلك، ثم يضيق عليها في تركية.



    ليس دفاعا عن اردوغان (3/3)ً

    السبت 3-05-2014| 09:59
    بقلم: مختار بن الغوث، باحث ومفكر موريتاني مقيم فى السعودية

    ربما كان أكبر خطأ أتته الجماعة هو إعلانها بعداوة رجب طيب وحزب العدالة والتنمية في وقت يحلاَّن فيه من قلوب الترك والمسلمين مكانة لا يحلها حاكم ولا حزب في العالم الإسلامي، إذ كان الحاكمَ المسلم الأوحد الذي يُسْمِع العالم ويُرِيه ما يدل على بقية من عزة وكرامة، محيت من معجم السياسية الإسلامية منذ ودَّع الأعزة من آل عثمان، وتذهب زوجه ووزير خارجيته إلى الأقليات المسلمة المضطهدة، ليشعراها بأن لها إخوة، يسوءهم ما يسوءها، ويتجرعون من الألم لمصابهم مثل ما يتجرعون من الظلم، ولا تحول الأعراف الديبلوماسية بينهم وبين ما يوجب الشرع من نصرة الإخوة في الدين، ويحمل الدول على أن تعامل تركية المعاملة التي تليق بها، من حيث هي دولة إسلامية، ذات شأن في ماضيها وحاضرها، على حين كانت سياستها، منذ عهد كمال أتاترك، رمز العلمانية الغالية، وعداوة الإسلام، والتنكر له ولتاريخه وحضارته، والتبعية للغرب، موالاة اليهود، وقلة المبالاة بشؤون المسلمين. هذا إلى أنه هو وحزبه أصحاب التجربة الإسلامية الرائدة الرائعة التي لم ينجح غيرها في هذا العصر، وما أظن أن سينجح، وأصحاب الأيادي البيضاء على تركية منذ تولوا حكمها عام 2002 م، فأنشؤوها في أقل من اثني عشر عاما خلقا آخر، يعرفه الترك أكثر من غيرهم، ويعرفون ما كانوا يتجرعون من ويلات السياسة، وصراع الأحزاب المتنافسة على الحكم، وسطوة الجيش، وتحكمه في الحياة، حتى الأفكار، واللباس، والتعليم، وما ذاقوا بسبب ذلك من البؤس، والبطالة، والتضخم، وانخفاض سعر صرف الليرة، حتى كادت تكون أمام الدولار صفرا، وهي اليوم تساوي نحوا من نصفه؛ فوثق به جمهور الشعب، وأحبه، وازورَّ عن غيره من الساسة الذين بلا ما عندهم، حتى قال الكاتب الصحفي، رينر هيرمان: "إنه لَمِن الجليِّ أن الشعب التركي يستشعر أن دولته في أيدٍ أمينة، مع أردوغان، إذ يبدو أن جميع المنافسين السياسيين ليسوا أكثر من أقزامٍ بجانبه، وأن أحزاب المعارضة ليست صِنْوًا له ولا لحزبه". فكان عون جماعة الخدمة على تقويض تلك التجربة الرائدة، في وقت يتداعى فيه أعداء الإسلام على الأمة لإخماد أنفاس الحرية التي أخرجتها الانتفاضات العربية، وسدِّ كل ثقب، شعَّ منه الأمل في أن يتغير بعض ما بها، كان ذلك في وجدان محبي رجب طيب، والعدالة والتنمية، وتركية، والغُيُر على التجربة الإسلامية اليتيمة، مؤامرة على أمل الأمة الأوحد، تشارك فيها جماعة الخدمة أعداءَ الأمة الإسلامية، غفلةً منها، أو تغليبا لمصلحة جماعة على مصلحة شعب وأمة، وهو خطأ يجلُّ عن الغفران، ويضاعف المضاضة منه أن يكون من تلاميذ مولانا الأجل، شيخنا فتح الله كولن، الذي نعتقد فيه كل ما نعتقد في الكَمَلة من العلماء الربانيين.

    ولم أر للجماعة ردا على ما اتُّهمت به سوى الإنكار، من غير أدلة مقنعة على أنها بريئة مما اتهمت به، سوى أنها ليست بحزب سياسي، ولن تكون. وقد أكدت الحكومة التركية أن في حوزتها كثيرا من الأدلة والوثائق الدالة على ما تقوم به الجماعة وتنظيمها في الجيش والشرطة والاستخبارات وغيرها، وقالت إن المعلومات ما تزال تصل إليها من داخل الجماعة، وإنها تستعد للشكوى منها في شهر يناير القادم، على غرار ما فعلت بشبكة أرغينيكون، ولعل قابل الأيام يثبت صحة إنكار الخدمة، أو صحة دعوى الحكومة. وإلى أن يتبين المخطئ منهما والمصيب أقول إن ما ظهر من حكومة العدالة والتنمية إلى الآن يدل على التحري، وعدم التسرع في الحكم، فما تزال تحقق في تسريب اجتماع وزير الخارجية أحمد داود أوغلو وبعض المسؤولين الأمنيين، وتلمِّح إلى أن جماعة الخدمة هي مصدره، ولا تجزم. وإذا صح أن لطيف أردوغان، الرجل الثاني في جماعة الخدمة الذي كان سيخلف الشيخ فتح الله كولن هو مصدر بعض هذه المعلومات، وأنه باح لرجب طيب ببعض أسرار الجماعة واختراق الاستخبارات الأمريكية والموساد لها، فإن من الممكن أن يكون بعض ما في حوزة الحكومة من الوثائق والمعلومات - في الأقل - دقيقا، هذا إلى أن الاستخبارات التركية من أقوى الاستخبارات في العالم، وكانت قبل حكم حزب العدالة تتابع الجماعات الإسلامية - ومنها جماعة الخدمة - متابعة دقيقة، ورئيسها خاقان فيدان رجل إسلامي، ما أظن أنه يكنُّ، هو ولا غيره من أعضاء الحزب، عداوة للجماعة، ولا أن بينه وبينها ما يحمله على أن يتقول عليها. ومما هو غني عن البرهان أن رجب طيب ليست له مصلحة في النيل منها ولا من غيرها من الجماعات الإسلامية، وأن المعروف من سياسته الحرص على استمالة الجماعات والأقليات الدينية والعرقية، ولا سيما هذا العام الذي تبين فيه عدم نجاح سياسته في مصر، منذ انقلب الجيش المصري على حكومة الإخوان، وبان ضعف احتمال نجاح الثورة في سورية، وما بدا له من سياسة أمريكة وإسرائيل وبعض دول المنطقة تجاه تركية، وحرصها على إخراج حزبه من الحكم. ولم تذكر جماعة الخدمة من مسوغات عداوته إياها إلا أنه يريد أن ينفرد بالحكم، فكيف إذا عُلِم أن الجماعة كانت حليفا قويا للحزب منذ نشأته إلى عام 2009 م، وأن أحمد داود أوغلو وزير الخارجية، وهو من الشخصيات القيادية في الحزب، ينتمي إلى إحدى الجماعات النورسية، وأن ذلك مدعاة إلى أن يكون من المتعاطفين معها، ولكن رأيه فيها لا يختلف عن رأي رجب طيب، ورأي رئيس الجمهورية، عبد الله غل، وأنهم جميعا يتفقون على وصف الجماعة بالكيان الموازي، والدولة العميقة، وأن ما يصفونها به من ذلك تقر الجماعة على ألسنة مفكريها بصحة أصله؟

    وليس في وسعي أن أناقش من مآخذ الحكومة على الجماعة، سوى بعض ما ورد في المأخذين الأول والثالث، أما الأول، فلعل الذي ألجأ الجماعة إلى أن تطلب ما طلبت من المناصب ما ترى أن لها من الأيادي على الحكومة، إذ أعانتها على تفكيك عصابة أرغينيكون، وإخراج الجيش من السياسة، فرأت أن من مكافأتها على مافعلت أن تُبَوَّأ مناصب، تواصل منها مسيرتها الإصلاحية. وقد يجاب عن هذه الحجة بأن ما فعلت واجب عليها وعلى حزب العدالة والتنمية، وما ينبغي، إذ فعلته، أن تسأل الحكومة مكافأة عليه. أما المأخذ الثالث على الشيخ فتح الله كولن، فليس بوجيه، فإنَّ ما كان يقول للجيش العلماني كان يقوله اتقاء لشره، لا عن اقتناع به، أما رأيه الحقيقي، فما كان يستطيع البوح به، خوفا على منجزاته أن يعصف بها، والأمر مع حزب العدالة مختلف، فهو يأمن جانبه، فيمكن أن يخالفه ويعارضه. والخلاف والمعارضة ليسا خروجا على الحكومة، وإنما الخروج على الحكومة قتالها.
    أما سائر المآخذ، فلا يمكن أن أناقشه؛ لأنه أخبار، تحتمل الصدق والكذب، وإنما يعرف صدقها من كذبها المطلعون من اهل تركية على خفايا سياسة الجماعة، وأهدافها المعلنة وغير المعلنة، إن كان في أهدافها ما ليس بمعلن، وتفاسيرُ، لا يعرف صحتها إلا العارفون بالجماعة.

    وأرى - بعد هذا - أن بعض ما تنسب الحكومة إلى الجماعة من التجسس وتسريب المعلومات ربما لا تكون هي مصدره، وأنها صادقة في نفيه عن نفسها، ولا سيما المعلومات المضرة بالأمن القومي، وإنما مصدره أمريكة وإسرائيل، وقد قدَّمتُ أن لأمريكة في تركية عشرات القواعد الاستخبارية، والتجهيزات الإلكترونية، والمواقع الأمنية السرية، ومواقع التقاط البث اللاسلكي، وفك المعلومات المشفرة، التي يمكن أن تستعملها هي وحلف الأطلسي دون علم تركية، وفيها ما لا يسمح لتركي أن يدخله، حتى كبار جنرالات الجيش. وربما كان من الغايات التي تتغيا الاستخبارات الأمريكية والموساد من إلصاق بعض التهم بالجماعة الإمعان في إفساد ما بينها وبين الحكومة، وتوظيف ذلك في الضغط على حزب العدالة التنمية وإسقاطه في الانتخاب الأخير، وربما كان بعض ذلك يتم بتدبير من الذين يخترقون الجماعة من الموساد والاستخبارات الأمريكية، إن صح أنها مخترقة.

    إن رد حكومة العدالة والتنمية الذي نتوقع من تهديد رجب طيب أن يكون قويا وصارما، على إشفاقنا منه على الجماعة التي نحبها، ويسوءنا كل ما يضيمها، رد طبيعي؛ لأن المعركة بين الفريقين غدت معركة وجود، وليست مجرد خلاف فكري أو تنظيمي، ومما نتوقع أن يزيده قوة وصرامة أن يتكشف لرجب طيب ما كان يخفى عليه من أمر الأزمة، ويثبت له أن الجماعة مخترقة؛ لأن المعركة سيكون فيها محاربون لا يُرَوْن، لا يقنعون بغير تحطيم رجب طيب ووأد تجربة حزب العدالة والتنمية، ورد تركية إلى ما قبل عام 2002 م.

    ولعل من الخير للجماعة أن تشتغل بما هو أجدى على الإسلام والمسلمين من السياسة، وهو التربية والخدمة، وأن تكون جماعة علنية كلها، تنمو في شمس العقل، على عين النقد الحر، تقوَّم إذا زاغت، وتعان إذا أحسنت، وأن تبتعد عن سراديب السرية وظلامها؛ فإنها ما تنتج إلا ثقافة الركوع والمتابعة، وفقه الترضية بالواقع، والإعجاب بما قد يكون وهما، وبناء سياج من العزلة النفسية والفكرية بينها وبين الغير، يغريها بتمجيد ما لا تعرف حقيقته من أمور الجماعة عن التفكير والنقد والمراجعة والتقويم.

    لقد انتقد بعض الكتاب والإعلاميين سياسة رجب طيب في إدارة هذه الأزمة بأنها غير ديموقراطية، وبأن اللجنة المركزية للحزب غدت تسيطر على القضاء في البلاد، حيث تقوم بتسمية القضاة والمدعين العامين، وتقدِّم الدعم لـ"الصالحين" لتضمن ولاءهم للحزب. والذي أراه أن رجب طيب أدار هذه الأزمة إدارة، جمعت بين الجسارة والتعقُّل، على وجه يدل على وضوح الرؤية، وتبين الغايات:

    إذا كنت ذا رأي، فكن ذا عزيمة؛ ** فإن فساد الرأي أن تترددا

    والوقوف عند إجراءات الديمقراطية، في بلد، فيه من لا يستوعب الديموقراطية أخلاقا وسلوكا، ولا يستنكف من أن يستغل إجراءاتها في تقويضها، وفي مآمرة أعدائها عليها، وعلى وطنه، ليس من العقل ولا من السياسة، ولا سيما إذا عَلِم أن وراء الأكمة مؤامرة، يديرها اللوبي الأرمني في أمريكة، وأمريكة، وإسرائيل وحلفاؤهما من الدول التي يسوءها نجاح حزب وطني في قيادة بلد إسلامي إلى التقدم والحداثة، كائنا ما كان توجهه، فكيف إذا كان حزبا إسلاميا، تدل سياسته على أنه لا يصادق إسرائيل، ويعد العظماء من آل عثمان سلفه، ويريد أن تكون تركية بلدا ذا مكانة تحت الشمس؟ وتركية هي العدو الذي رسخت الثقافة كراهيته في الوجدان الغربي، منذ حصار العثمانيين فينة عام 1683 م، فكل تقدم لها يقترن في الوجدان الأوروبي بالتقدم نحو فينة.

    والإمساك عن التصدي للمؤامرة، باسم الديموقراطية، إنما يدل على العجز الذي أعان على العصف بالمشروع الديموقراطي في مصر والوطن العربي إلى غير رجعة، على أيدي من لم يجربوا السياسة من إخوان مصر. وقد جرت العادة أن يعلق العمل بالدستور في حالة الطوارئ، حفاظا على أمن البلد ووحدته، وأسوأ ما يُتَخَيَّل من الطوارئ الحال التي تمر بها المنطقة الإسلامية، من تآمر داخلي وخارجي، غايته قتل الأمل في الديموقراطية، ودولةٍ، أمرها بيد شعبها، لا تساق بامرئ ولاؤه لغيرها.

    وهناك من يدعي أن الحكومة تفكر في إصدار تشريع جديد بغية توسيع صلاحيات وكالة الاستخبارات التركية، وبموجب هذا القانون المقترح سيكون من حق رئيس الوزراء وحده الأمر بإجراء التحقيقات في أنشطة الاستخبارات التركية، أو اتخاذ خطوات جنائية في حقها. غير أن ذلك يغتفر في الحفاظ على المشروع التركي، ولا سيما إذا علم أن أمريكة ومن يستن بسنتها يسنون مُداهم لنحر تركية، بمحاصرة مشروع حزب العدالة والتنمية، وإسقاطه؛ لأن "حكومة أردوغان استطاعت تحقيق قفزات اقتصادية وسياسية وعلمية بل واجتماعية غير مسبوقة، ... وتضاعف دخل الفرد أحد عشر ضعفا خلال حكم أردوغان، ناهيك عن قيام تركية بإنتاج أول طائرة صناعة تركية كاملة، بنسبة 100 %، ووضع خطوات جريئة على طريق حل المعضلة الكردية. إضافة إلى تحويل تركية من دولة غارقة في ديونها إلى دولة دائنة"، هذا إلى أن حكومة العدالة والتنمية كانت تسعى في بناء حلف إسلامي قوي، يتألف من مصر وإيران وتركية، وربما سورية، لو نجحت الثورة السورية، على غرار الحلف الذي أقام نجم الدين أربكان بين الدول الإسلامية الثماني، وهذا مما لا ترضى به أمريكة. وإذا بصُر رجب طيب بذلك، ثم وقف ينتظر ما يصنع به الغرب، باسم الديموقراطية، فإنه غير جدير بما رشحه له الترك، ولا بما يعلق عليه محبوه في العالم الإسلامي من الآمال. ماذا يفيد تركية أن تُدْعى دولة ديموقراطية، ويقال إن شعبها حر، إذا رجع الجيش، ويهود الدونمه، وأساطين الماسونية إلى حكمها، بعد أن قُلِّمت أظفارهم، وخرجوا من الحكم مذؤومين مدحورين، وقُوِّضت إصلاحات العدالة والتنمية ومنجزاته التي أنزلت تركية منزلة لم تعرفها بعد السلاطين الأقوياء من آل عثمان؟

    إن الديموقراطية التي يُحرَص عليها، ويجب التقيد بها هي ديموقراطية الوطنيين الأحرار، في دولة متماسكة، يؤمَن عليها الخلاف، أما غيرها، فإنما هي لعبة، يتلهى بها السياسيون الذين يوظفهم المستعمر في بلوغ ما يريد، وليست التخلية بين الشعب والعملاء وأوباش السياسة إلا عجزا، يمكِّن الأعداءَ من التعبث بالوطن، ولأنْ يُذَمَّ من يحافظ على وطنه وقوته واستقلاله بالاستبداد خير من يمدح بديموقراطية صورية، تنتهي به إلى ما انتهت إليه مصر. وقد قال جاك دريدا: "إن الديمقراطية قد تميل للانتحار، فتختار نقيضها باسم أدواتها الإجرائية". على أن أن رجب طيب لم يخرج عن صلاحياته الدستورية والقانونية في كل ما أتى، إذن لكان التشنيع عليه أشد. وليس مما ينافي الديموقراطية أن يعمل الحاكم بما يخوله الدستور والقانون، وإن كان فيه ما يحول بين خصومه وبلوغ مطامعهم غير المشروعة.

    لقد وظف الإعلام معالجة رجب طيب للأزمة توظيفا سيئا، وفسره تفسيرا أسوأ، حين ادعى أن ما يقوم به من نقل القضاة وضباط الشرطة واستبدالهم غايته التغطية على الفساد، وإنما فعل رجب طيب ما فعل لِمَا استيقن من أن أجهزة الدولة مخترقة، وأن مخترقها غدا هو الخصم والحكم، وأن من العجز انتظار أن يصدر عليه حكما، هو يعرفه سلفا، ومن حقه، ما دام واثقا بنزاهته، وعدم نزاهة خصمه، أن يبادر إلى منع صدور حكم غير نزيه، من قاض غير محايد. هكذا كان ينبغي أن يفسر عمله، لا على أنه قضاء على القضاء، واستغلال للصلاحيات. وهذا الذي أقدم عليه مما ينبغي أن يحسب له أيضا؛ لأنه يدل على وعيه، ووضوح ما ينبغي أن يعمل، وأنه إذ لُدِغ من جحر، كان يأمنه، ماينبغي أن يلدغ منه مرة أخرى. وقد اتسم تصرفه مع القضاء بالديموقراطية، فلم يتدخل في حكمه، وإنما قال في أول تعليق له على حملة الاعتقال والتهم التي اتهم بها أعضاء حزبه: "لن أقول شيئاً قبل أن يقول القضاء كلمته"، واكتفى بتعليق عام: "أولئك الذين يستندون إلى دوائر الظلام والعصابات، لن يرسموا لتركية مسارها .. من يعتمدون على قوة رأس المال والإعلام لن يحددوا لتركية مسارها.. لن ننحني أمام أي تهديد، فليستخدموا الألعاب القذرة، وليدخلوا في تحالفات قذرة، قدر ما يشاؤون، ...، إن كان لدى البعض مدافع وبنادق، وحيل ورصاص، وأي شيء آخر، فنحن لنا الله، وهو حسبنا". فلما تبين أن القضاء حاد عن مهمته التي هي إقامة القسط، وغدا منفِّذا لما يَرِده من أمر جماعة، بان له أنها مخترقة، تدخل، فوضع الأمر في نصابه، فنقل القضاة وضباط الشرطة إلى مدن وأقاليم، يمكن أن يؤدوا فيها مهمتهم من غير ظلم، ولا تآمر على أمن الدولة، وهذا من صلاحياته.

    لقد أثبت رجب طيب أنه أجدر سياسيي تركية بقيادتها، وأثبت الترك أنهم من الوعي بحيث لا يمكن أن يخدعوا عن الحقيقة، ولا أن يسووا من يريد البناء بمن يريد الهدم؛ فانتخبوا حزب العدالة الذي رأوا منه ما لم يروا من حزب سياسي.



    ومما يمكن أن يستخلص من هذه الأزمة أن من المستبعد أن تشرق شمس المشاريع الحضارية من كهوف الباطن، وأن المشروع إذا استُودِعَه شعب ناضج، سقطت عهدته عن رائده، وأُمِن عليه الأعداء، وأن فرصة نجاح الأعمال السرية ضعيفة، ومكاسبها معرَّضة أبدا للزوال، مهما عظمت في عين أصحابها؛ فما ينبغي أن يعول عليها في نجاح المشاريع الحضارية التي يراد لها الخلود، كالمشروع الإسلامي، وإنما هي كعمل الاستخبارات، قد تجنى الفوائد الكبيرة، حين يتاح لها التخفي، والإيغال في مصادر المعلومات، ولكنها عرضة لأن تنكشف في كل حين، فيُعْصَف بها عصفا لا يبقي منها ولا يذر، وهو ما يبدو أن الأعمال غير الدعوية من مشروع جماعة الخدمة مقبلة عليه، وأنها سوف تعود جماعة خيرية دعوية، وأن ما حققت من المكاسب السياسية ربما ذهب أدراج الرياح، (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
    أقلام حرة






    للاعلان في لعصابه إنفو - راسلنا
    للمساهمة في نشر المواضيع على الشبكة اضغط اعجبني او اضف تعليق في مربع العليقات ادناه

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

المواضيع المنشورة في الموقع و المنتديات تعبر –فقط- عن رأي أصحابها و لا تعبر –بالضرورة- عن رأي الموقع و إدارته ولا تتحمل سؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)

RSS 2.0 RSS XML MAP HTML Sitemap