"الدين والتدين و"لمعلمين": قراءة نقدية (المقال كاملا)

الاثنين 27-01-2014| 22:58

بقلم/ مختار بن الغوث، باحث ومفكر إسلامي ومحاضر في جامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية
الخطر في هذا المقال أنه يعتمد على أنصاف الحقائق، ويقتصر عليها؛ فيظن قارئه أن لما يبني عليها من آراء وجها من الصواب؛ وأنه لم يزدْ على أنْ نقل نصوصا من مصادر، مسلَّم بمجمل ما فيها، عند المسلمين، وبيَّن معانيها التي يغفلون عنها، أو يحملونها على غير ما ينبغي أن تحمل عليه، بسبب ما ألِفُوا من تقديس الأشخاص تقديسا يحول دون فهم أفعالهم فهما مجردا من التعصب، وما تقتضي العقيدة الدينية.والاعتماد على أنصاف الحقائق سبب قديم من أسباب الضلال: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأته تأويله)، وأضرُّ ما يكون بأنصاف المثقفين، الذين يقعد بهم علمهم وفكرهم عن البحث والتحقيق، فيقتصرون على قراءة ما يجدون في وسائل الإعلام، وما شاكله من الكتابات غير العلمية، فيسلِّمون به، ثم يعسر عليهم -إذا اقتنعوا- أن يتراجعوا، ولا سيما إذا كانوا من الأحداث المتطلعين إلى الصيت، ويعجبهم أن يُنْسَبُوا إلى الحداثة والتحرر، وغيرها من الصفات التي خَلَبت ألباب من لا يتعقَّلون، ونزع حبها ببعضهم إلى الإلحاد، في الأعوام الأخيرة. من أجل ذلك رأيت أن أكتب هذا المقال، لا ردًّا على الكاتب، بل تبيانا لحقيقة ما اشتمل عليه مقاله من نصوص، يكثر توظيف مثلها في الكتابات غير العلمية التي تتغيا تشويه الإسلام وتاريخه.والمقال ردٌّ على فئة من المجتمع البيضاني متدينة، ترى أن يُميَّز الدين من التدين، أي أن يميز الإسلام من العادات، وما فيها من سلبيات، وأنْ لا معيار في الإسلام إلا التقوى، ولا تفاضُلَ إلا بالأعمال، كما هي فحوى كثير من نصوص الشرع، كقول الله -تعالى-: (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم). والذي يترتب على هذا الرأي هو الاستمساك بالدين، والجد في إبطال ما يخالفه من التدين (العادات). ويرى المقال أن الدين هو مصدر التدين، ومصدر ما حاق ببعض البيضان من الظلم والتمييز؛ فمن شاء أن يتحرر من الظلم والتمييز، فعليه أن يتحرر من الدين: "الذي يعاني يجب أن يكون صريحا مع ذاته في سبب معاناته، مهما كان السبب. إذا كان الدين يلعب دورا، فلنقلها بأعلى صوت: يلعب الدين، ورجال الدين، وكتب الدين أدوارهم في كل القضايا الاجتماعية، قضايا لحراطين، ولمعلمين، وإيكاون، الذين لا زالوا صامتين رغم أن الدين يقرُّ بأن مأكلهم حرام، ومشربهم حرام، وعملهم حرام". والمقال كله يدور على إثبات هذا الرأي، ونقْض ما ترى تلك الفئة التي استهل بعرض رأيها، قبل أن يكر عليه فينقضه: "لا علاقة للدين بقضيتكم، أيها لمعلمين (كذا) الكرام، فلا أنساب في الدين، ولا طبقية، ولا "أمعلمين"، ولا "بيظان"، و[لا] هم يحزنون، مشكلتكم، إن صح ما تقولون، يمكن إدراجها فيما يعرف بـ"التدين"، تلكم أطروحة جديدة، وقد وجدت من بين لمعلمين أنفسهم من يدافع عنها". ثم يشرع في تبيان أطروحته هو: "دعونا الآن نعود للدين والتدين، حتى نتبين موقع الأنساب، والطبقية من الدين"، فإن منزلة النسب والطبقية من الدين إذا عرفت، عُرِفت منزلتهما من التدين، وعرف صواب تلك "الأطروحة الجديدة" من خطئها. ثم أورد من أخبار العهد النبوي (عهد الدين) ما يرى أنه دليل على منزلة النسب والطبقية من الدين، وهي منزلة لا تختلف عن منزلتهما من "التدين". حتى إذا فرغ من تحليلها، وتبيان دلالتها على ما يذهب إليه، قال لأصحاب "الأطروحة الجديدة": "أريد فقط أن أصل معكم -وأخاطب لمعلمين أساسا- أن محاولة التفريق بين روح الدين وواقع التدين هي محاولات "طيبة، لكنها لا تنافس" (لا يمكن إثباتها)، فالحقائق لا يمكن طمسها: هذا الشبل/ البيظاني من ذاك الأسد". أي: هذا "التدين" من ذاك الدين، وأصل ما تعرفون من تمييزٍ في مجتمعكم ما قرر النبي -صلى الله عليه وسلم- من تمييز قريش من بني قريظة اليهوديين، ووحشيٍّ الحبشي: "الأخوَّة وعلاقة الدم والقربى تمنح حق الرحمة لقريش في الفتح، وتحرم بني قريظة من ذلك الحق. وكل هذه الأمور تتم في عصر الدين، فما بالك بعصر التدين؟". وقريش، وبنو قريظة، ووحشي -في هذا النص- رموز لعناصر البيضان الثلاثة. هذه هي فحوى المقال، وغايته التي يتغيَّا.وفي المقال أخطاء منهجية، ترتب عليها الخطأ في فهم ما أورد من أخبار، وخطأُ ما انتهى إليه من نتائج. فمن الأخطاء المنهجية الاقتصار على الحادثة معزولة عن سياقها التاريخي والديني والأخلاقي، ومقاصدها الشرعية، وعدم التثبت من صحة بعض الأخبار، والجزم بصحة ما ليس بصحيح منها، وتفسير الحوادث تفسيرا يعتمد على توجيه النيات، بمعزل عما يحفُّ بها من قرائن، تدل على خلاف ما أنهاها إليه، والإسقاط، إسقاط المشاعر والثقافة على حوادث، تنتمي إلى ثقافة أخرى، ومن أسقط على تاريخٍ ثقافةً أو مشاعر غير ثقافة أهله ومشاعرهم، زوَّر، والانتقاء، أي انتقاء جانب من الأخبار، يخدم ما قرر المقال سلفا، دون جانب، وإنكار حقائق التاريخ المجمع عليها، من غير برهان، بالغا ما بلغ من الضعف. هذا إلى انتحال الآراء والنصوص، والإحالة على غير ما اطلع عليه من المراجع، والاكتفاء بإحالة غيره إليها، وإن لم تشتمل على النص الذي يشير إليه، أي إنه يتابع مراجعه في التدليس. وسأقف بالنقد والتحليل عند الأخبار التي استشهد بها.أولا- أسرى بدريرى المقال أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَبِلَ الفداء من أسرى قريش يوم بدر، ولم يقتلهم؛ لأنهم أهله وعشيرته، وقتل بني قريظة، يوم ظفر بهم؛ لأنهم لم يكونوا كذلك، على ما بين جرْم القبيلتين: "قريش واجهت المسلمين في أكثرَ من معركة، وحاصرتهم حصارا شديدا في الخندق، وفي بدايات الدعوة انتدبت أربعين شابا لقتل محمد [صلى الله عليه وسلم] ليلة الهجرة، وقبل الهجرة، وفي مكة، قتلوا وعذبوا المسلمين أشد تعذيب، وفي فتح مكة وجدوا أمامهم "أخا كريما وابن أخ كريم"، فقال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". بني (كذا) قريظة فقط همُّوا بالتحالف مع المشركين، فكان جزاؤهم القتل الجماعي".وهذا التفسير مبني على أمرين:1- ما يرى المقال من وجوب المساواة بين قريش وبني قريظة في المعاملة، ووحشي بن حرب وخالد بن الوليد في الألقاب، بحيث يسمى وحشي "حربة الله التي لا تخطئ الهدف"، كما سُمِّيَ خالد بن الوليد "سيف الله"، وإن لم يكن لتلقيب وحشي بهذا اللقب معنى، ولا لتسويته بخالد بن الوليد مسوغ، والمساواة بين هند ووحشي في أمرهما كليهما بتغييب وجهيهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يرى وجه هند أصلا.2- إنزال النبي -صلى الله عليه وسلم- منزلة البشر العاديين، بما يكون فيهم من عنصرية، وما يقودهم إليه الهوى من أعمال غير أخلاقية.ومن اليسير أن يحمَّل الفعل ما يحتمل، من الناحية النظرية، ومن غير اليسير أن يدلل على أن ما يُحَمَّله هو معناه حقا، فضلا عن أن يكون هو معناه الأوحد، و"الدليل القاطع يتطلب لقبوله أكثر من كونه ممكنا"، (مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية، 1/ 131)، و"إذا أردنا أن نصحح الأغلاط المكتسبة من الماضي بصدد محمد [عليه الصلاة والسلام]، فيجب علينا في كل حال من الحالات التي لا يقوم الدليل القاطع على ضدها أن نتمسك بصلابةٍ بصدقه" (الموضع السابق)، كذلك يقول المستشرق الإنجليزي، مونتقمري وات، في انتقاد منهج المستشرقين، وبيان المنهج الذي ينبغي أن تدرس به سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله، إن أريد للدراسة أن تكون علمية؛ إذ الأصل في منطق العلم أن يُتوَسَّل إلى فهم الفعل بما عُهِد من الفاعل، وما أثر عنه من قول، وما عرف به من فكر وأخلاق، إلا أن يتبين ألا وجه للتوفيق بين الفعل والقول والفكر والأخلاق. ومن تعجَّل النقد قبْل الفقه، ضرب القول بالقول، والفعل بالفعل، غير معتدٍّ بالمقاصد، ولا ناظرٍ إلى ما بين المقامات من تباين، فنسبَهما إلى التناقض، فكان عمله على البساطة أدلَّ منه على الوعي والنضج؛ فيكون التكذيبُ، وسوء التفسير، وحملُ الفعل والقول على خلاف ما ينبغي أن يحملا عليه:وكم من عائبٍ قولا صحيحا ++وآفته من الفـهم السقيمولـكن تأخـذ الآذان مـنـه ++على قدر القرائح والعلومهذا إلى أن من كان مدفوعا بغايات محددة سلفا، كان لزاما ألا يفهم الأشياء إلا كما تقتضي الغايات، فمن قرر أن الدين مبني على التمييز والعنصرية، كان حتما ألا يعدَّ قبول النبي -صلى الله عليه وسلم- الفداء من قريش يوم بدر، وعفوه عنهم يوم الفتح إلا تمييزا وإيثارا لذوي القربى، إلا أن يعفو عن بني قريظة. ولو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل أسرى قريش، وأباد أهل مكة يوم فتحها، لكان من اليسير على من قرَّر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان حقودا أن يحمل فعله على التشفي والانتقام من قريش؛ لأنهم آذوه قبل الهجرة، وحاربوه بعدها. وكذلك يمكن أن يفهم دعاء نوح -عليه السلام-: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا)، وأن يحمل قول إبراهيم -عليه السلام-: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنّهُ مِنّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنّك غَفُورٌ رَحِيمٌ)، وقول عيسى -عليه السلام-: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)، على التعصب للأهل والعشيرة. ومن تجرد من شعوره، وثقافته، واعتمد منهج العلم، قوَّم أفعال الأنبياء بمعزل عن كل شيء إلا السياق الذي أُوقِعَت فيه، وما يقتضي المأثور من أقوالهم، والمعروف من تاريخهم وأخلاقهم، وما عرفوا به من تجرد للخير والحق، وإخلاص لله، وحبٍّ لقومهم، وحرص على هدايتهم، فإن الذي علل به سيدنا نوح -عليه السلام- دعاءه هو: (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)، فتفسيره بحب الانتقام والتشفي عدول عن المنطوق الذي يُحَسُّ ويمكن الحكم عليه، إلى النية التي لا يعلمها إلا الله. ومعلوم في علم المنهجية (الإبستمولوجيا) أن الحكم لا يكون علميا إلا إذا أمكن اختباره، وأن الحكم على النية ليس مما يمكن اختباره، فليس بعلمي. ووضع ما أورد المقال من الأخبار في سياقه الصحيح يكشف عن غير ما انتهى إليه. فعدول النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قتل أسرى بدر كان مدفوعا بدافعين: ما فطر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من اللين والرحمة، كما قال فيه ربه: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)، ونفْعُ من معه من المسلمين وتقويتهم بما يأخذون من الفداء. أما القرابة، فلم يكن لها أثر في ذلك، ولا في شيء من حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- خارج ما قرر الشرع. وكان المقام -إلى ذلك- مقام فرقان، كما سماه الله: (وما أصابكم يوم الفرقان يوم التقى الجمعان). ولما عاتب الله المسلمين على قبول الفداء، لأن الأولى يومئذ أن يقتل المشركون حتى يُرْهَب بهم أعداء الله، عاتبهم على أخذ الفداء، وجعله من حب الدنيا: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة)، ولم يعاتبهم بأنهم أرادوا غير ذلك، ولو علم غير ما عاتبهم به، لبينه لهم، وهو أعلم بما تخفي الصدور، كما بينه في آيات أخرى، كقوله: (يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن تروضها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين). وقبول الفداء دليل على نبل النبي -صلى الله عليه وسلم- وكرمه، وسلامة صدره من الحقد، ورغبته عن الثأر والانتقام الذي هو خليقة في الإنسان، كما يدل على لينه ورحمته ورفقه بالناس، وحرصه على هدايتهم؛ فقد عفا عمن آذوه، وأخرجوه من أهله ووطنه، فلما قدر عليهم لم يأخذهم بما يقتضي سوء معاملتهم، وإنما رضي منهم بالفداء، لعل الله أن يهديهم إلى الحق، والهداية هي غاية الرسالة، وراعى حاجة المجاهدين، ولا سيما المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، فكانوا عالة على الأنصار بالمدينة، بأن أباح لهم أخذ الفدية، ليتقووا بها.ولما كانت غزوة بدر أول غزوة يأسر فيها المسلمون أسرى، ولم يكن قد نزل عليه حكم في الأسرى، استشار -صلى الله عليه وسلم- أصحابه فيما يفعل بهم، فقال له أبو بكر: "يَا نَبِىَّ اللَّه، هُم بنو العمِّ وَالعشيرة، أَرَى أَن تَأخذَ مِنهم فِديَة، فَتَكونُ لَنَا قوَّة علَى الكفار، فَعَسَى اللَّهُ أَن يَهدِيَهُم لِلإِسلاَمِ". (صحيح مسلم). وإنما ذكَّره أبو بكر بالرحم والقرابة استعطافا وتليينا له، كما قال الواقدي: "وَأَبُو بَكْرٍ يُلَيِّنُه وَيَفْثَؤُهُ". والإحسان إلى ذوي الرحم، والعطف عليهم، واللين لهم أمر مشروع، فقد قال الله -تعالى-: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام). وهو مما فطر عليه البشر، بل مما فطر عليه الحيوان، وصلة الرحم، والإحسان إلى ذوي القربى، والبدء بهم قبل غيرهم مما حض عليه الشرع، وأثاب عليه، كقول الله تعالى: (وآت ذا القربى حقه)، (والجار ذي القربى والجار الجنب)، (قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين)، (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى)، "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة"، "خيركم خيركم لأهله وأنا خير لأهلي"، يقول القرطبي: "وخير الصدقة ما كان على القريب، وفيها صلة الرحم، وقد فضل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصدقة على الأقارب على عتق الرقاب، فقال لميمونة وقد أعتقت وليدة: أما إنك لو أعطيتها أخوالك، كان أعظم لأجرك. وقال مجاهد وقتادة: صلة الرحم فرض من الله -عز وجل-، حتى قال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة". وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه برا وصولا، محبا لقريش، ولذلك قال أسرى بدر، كما روى الواقدي: "لو بعثنا إلَى أَبِي بكر، فَإِنّه أوصل قريش لأرحامنا". ومدح النبي -صلى الله عليه وسلم- عمه العباس بأنه "أشد قريش لقريش حبا"، و"أنه أجود قريش كفا، وأوصلها". وفي إحدى روايات حديث المعراج يقول جبريل للنبي -صلى الله عليه وسلم-، لما سأله عن النبي الذي رآه في السماء الخامسة: "هذا المحبَّب في قومه، هارون بن عمران"، وهي منقبة من مناقبه، ولا يكون محببا فيهم إلا ببر وإحسان. وحب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر لقريش، وبرهم بهم مما يمتثلان به أمر الله. وإنما المذموم خلُقا، والمحرم شرعا أن يعطي مَنْ لا يملك أقرباءه ما لا يستحقون، وأن يوادَّهم ويتولاهم وهم يحادون الله: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم). وقد قاتل النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر عشيرته، وفيهم أقرب الناس إليه (بنو عبد مناف)، فقتل منهم سبعين، وكان يبرأ من عمه أبي لهب، وفيه نزلت سورة من دون من كانوا يعادونه من الناس. وكان أبو بكر أبعد الناس عن العصبية، وموالاةِ من يعادي الله، وفي بعض الروايات أنه بارز ابنه عبد الرحمن يوم بدر، وكاد يقتله، وأن الآية السابقة نزلت فيه. وليست رحمته بأسرى قريش موادةً لهم؛ فقد كانوا يحادون الله ورسوله، ولا عصبية؛ فما كان ليقاتل بكره في ذات الله ثم يواد من هو أبعد منه، على سبيل العصبية، ويحرص على استبقائه من أجل القرابة. وإذا كان من غير الممكن أن يكون عمر مدفوعا بحقد على قريش، إذ قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "أرى أن تمكنَّا فنضربَ أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل، فيضرب عنقه، وتمكنِّي من فلان (نسيبا لعمر) فأضرب عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها"، (رواه مسلم)؛ وإنما ينظر للإسلام والمسلمين، ويرى أن يضرب أهل الشرك حتى يرهب بهم المشركون، ويلقى في قلوبهم هيبة المسلمين، فكذلك كان أبو بكر، أيضا، ينظر للإسلام، فهو يرجو أن يسلم هؤلاء الأسرى، فيكونوا عزا للإسلام وعونا للمسلمين، وينقذهم الله بالنبي -صلى الله عليه وسلم- من النار، وتكون الفدية عونا للمسلمين على الكفار. وهو ما أراد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يرد غيره، وهو ما آل إليه حكم الشرع في الأسرى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء)، وأشارت آية الأنفال المعاتِبة إلى أنه هو الذي كان مقدرا في علم الله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم)، أما رأي عمر، فهو الذي عبرت عنه الآية: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض). وقد كان أبو بكر وعمر متأثرين بتكوينهما النفسي الذي ينزع بكل امرئ إلى ما يلائمه من اللين والشدة، وهما -كما قال فيهما النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر"، وليس فيهما من كان مدفوعا بعصبية لقريش ولا عصبية عليها، فلين النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر لين في الله، وشدة عمر شدة فيه. ورقة النبي -صلى الله عليه وسلم- لعشيرته وعطفه عليها وحبه لها لا يترتب عليهما إيثار لها، ولا مخالفة لحكم الله فيها، فإن الميل أمر قلبي لا يد للمرء فيه، وإنما يؤاخذ بما يفعل، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "اللهم هذا قسْمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك"، فهو يعدل بين أزواجه في القسمة، والعدل فيها مما يملك، ولا يسوي بينهن في الحب؛ لأنه مما لا يملك، وكذلك حب العشيرة، وما يضع الله لها في القلب، لا يد للمرء فيه، لكنه لا يتجاوز القلب إلى ما وراءه، إلا فيما فيه مرضاة الله. وإنما يصح وصف العفو عن قريش بالمحاباة، لو كان في الأسرى أناس من غير قريش، فمنَّ على القرشيين، أو قبل الفدية منهم دونهم.أما موازنة فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- بأسرى بدر بفعله ببني قريظة، فقياس مع الفارق، ولو وازن ما فعل بأسرى بدر بما فعل ببني النضير وبني قينقاع، لكان ذلك أدنى إلى الصواب، فإنه لما قدر عليهم، عفا عنهم، وألزمهم الجلاء من المدينة. وقد غفل المقال عن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- منَّ على بني قريظة بعد انتصاره عليهم أول مرة، ولم يأخذ منهم فدية، وإنما رضي منهم بالعهد، وأمَّل أن يكونوا جيرانا، يأمن شرهم، بعد أن يئس من أن يكونوا مواطنين يرجو خيرهم، فلما نقضوا العهد في المرة الثانية، عاملهم بما يقتضيه نقض العهد. فمعاملته بني قريظة في المرة الأولى كانت أفضل من معاملته أسرى قريش، أما المعاملة الثانية، فإنما ينبغي أن تقارن بمعاملة قريش يوم الفتح.ثانيا- العفو عن أبي العاص بن الربيع:أُطلِق أبو العاص بن الربيع بشفاعة من النبي -صلى الله عليه وسلم-، لا بأمره، وسبب شفاعته فيه أنه لم يكن له من المال ما يفتدي به، كما يفهم من بعْث زوجه زينب في فدائه أغلى ما تملك، وهو قلادة زفتها فيها أمها خديجة بنت خويلد إلى أبي العاص، فلو كان لها ما يفي بفدائه، ما بعثت بها، لنفاستها، أولا، ولكونها ذكرى من أمها المتوفاة، وذكرى من ليلة زفافها ثانيا، وما كان كذلك، كان مما يضنُّ به من التراث، ولا يُتخلَّى عنه في الأحوال العادية. وليس من المتوقع ألا يؤثِّر هذا في أب عادي، يعرف تاريخ هذه القلادة وما تعني لبنته البكر، فكيف إذا كان أبًا برًّا رحيما، كرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكانت القلادة مهداة من خديجة بنت خويلد، المرأة الكاملة التي وجد عندها ما لم يجد عند أحد، وكانت له أما، وزوجا، وأختا، تبره، وتحسن إليه، وتواسيه بمالها، وتهون عليه ما يلقى من أذى قريش؟. والأسير ابن أختها، هالة بنت خويلد، وكان منها بمنزلة الابن، منذ تزوج بنتها. وهو في نفسه رجل نبيل، كريم الخلق، أمين، صدوق، وفي. فمثله تشفع له أخلاقه، عند الناس جميعا، وينال من التقدير ما لا ينال غيره.لقد كان هذا هو دافع شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم في إطلاق أبي العاص، وردِّ متاع زينب إليها، كما قال الواقدي: "فَلَمّا رأى رسول اللَّهِ -صلى اللّهُ عَليه وَسلَّم- القِلادةَ عَرفَهَا وَرَقّ لَهَا، وَذَكَرَ خَدِيجَةَ وَرَحّمَ عليها، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرهَا، وتردوا إلَيها مَتَاعها، فَعَلتُم". فدافِع الشفاعة دافع إنساني نبيل، هو إقالة عثرة كريم، نبا به الدهر، ووفاءٌ لزوج كريمة نبيلة، لزمه النبي -صلى الله عليه وسلم- طوال حياته، فكان يواسي أصدقاءها وأقرباءها ويكرمهم، كما قالت عائشة -رضي الله عنها-: "ما غِرْتُ على أحد من نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكنْ كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطِّعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد". (صحيح البخاري)، وقالت:"استأذنتْ هالة بنت خويلد، أخت خديجة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعرف استئذان خديجة؛ فارتاع لذلك، فقال: اللهم هالة!"، (متفق عليه). أي فعرف شبه استئذانها باستئذان خديجة، فقال: اللهم اجعلها هالة، من شوقه إلى أن يرى من هو من خديجة بسبب.وكان أبو العاص بن الربيع -إلى ذلك- مصاحبا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- مصافيا له، و"المعارف في أهل النهى ذمم". وقد تعدى بره -صلى الله عليه وسلم- من له به علاقة رحم إلى القبط، فقال: "إنكم ستفتحون مصر،... فإذا فتحتموها، فأحسنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذمة ورحما، أو قال: ذمة وصهرا"، (صحيح مسلم). يعني أن منهم مارية القبطية، أم ابنه إبراهيم -عليه السلام-. وقد عفا -صلى الله عليه وسلم- عن كل "من لا شيء عنده" من أسرى بدر، كأبي عزة الجمحي، لمَّا شكا إليه فقره، وعياله، فقال له: "لي خمس بنات، ليس لهن شيء؛ فتصدَّقْ بي عليهن"، ففعل.وأيادي خديجة بنت خويلد على النبي -صلى الله عليه وسلم- أيادٍ على المسلمين جميعا، يجب عليهم حفظها، كما حفظها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي -فوق ذلك- أمٌّ، يجب البر بها.وقد شفع النبي -صلى الله عليه وسلم في أبي العاص مرة أخرى، إذ أسرته سرية من سراياه، قبيل فتح مكة، فأجارته زينب، بعد أن فرَّق بينهما، فقبل النبي -صلى الله عليه وسلم- إجارتها، وأمرها أن تكرمه، وشفع له عند السرية أن تردَّ عليه ماله، ففعلوا، فعاد إلى مكة، وأدَّى إلى الناس أموالهم، ثم أعلن بإسلامه، وقال: "والله ما منعني من الإسلام إلا أن تظنوا بي أكل أموالكم"، ثم قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسلما، وحسن إسلامه. ولا جرم أن بر النبي -صلى الله عليه وسلم- به، وإكرامه إياه هو سبب إسلامه، وأن ترغيبه في الإسلام مما كان يتوخى من بره وإكرامه، فضلا عن أنه مما تستدعي المروءة، وغاية الرسالة الهداية لا الجباية. وكل ما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحالين شفاعة حسنة، شفعها إلى أصحابه، في التخلي عن حق من حقوقهم، عجَز المشفوع فيه عن أدائه، وهي شفاعة حسنة، لا ظلْم فيها ولا هضم، ولا أمْر ولا إلزام، فقد قال لمن أسر أبا العاصي يوم بدر: "إنْ رأَيتُم أَن تُطلِقُوا لَها أسيرها، وتردُّوا إلَيهَا مَتَاعَهَا، فَعَلتُم"، وقال للسرية التي أسرته: "إن هذا الرجل منا بحيث علمتم، وقد أصبتم له مالا، وهو مما أفاءه الله عليكم، وأنا أحب أن تحسنوا، وتردُّوا عليه الذي له، فإن أبيتم، فأنتم أحقُّ به". والشفاعة الحسنة مما أمر به الشرع، وأثاب عليه: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها)، "اشفعوا تؤجروا" (صحيح البخاري). وإذا كان الغالب على الظن أن لا يرد الصحابة شفاعة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنما ذلك من حبهم له، وثقتهم بأنه لا يأمرهم إلا بما هو خير وأولى، وأن علاقته بهم ليست كعلاقة الحاكم بالمحكوم، وإنما هي علاقة مقدسة، تسمو على الأبوة والأخوة، أدنى مقتضياتها أنهم إذا رأوا ميله إلى شيء، سارعوا في تحقيقه كما يسارعون في مرضاة الآباء والأمهات، وأعز الإخوان. فإطلاقهم أبا العاص، وتنازلهم عما غنموا من ماله مما يتقربون به إلى الله، ويعلمون أنه خير لهم في الدنيا والآخرة، وأن الله مثيبهم عليه؛ لأنه مما يشير به النبي -صلى الله عليه وسلم-. وهم -بعد- يميزون أمره من شفاعته، ويعلمون أنهم بالخيار فيها، فإن قبلوها، قبلوها مرضاة له، وإن أبوها، أمنوا تبعة الإباء، كما لم تقبل بريرة شفاعته -صلى الله عليه وسلم- إليها أن تراجع زوجها مُغيثا، فقالت له: "يا رسول الله، تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه، فكان مغيث يطوف خلفها في سكك المدينة، ودموعه تسيل على لحيته (صحيح البخاري).فما ينبغي أن تقاس شفاعته في أبي العاص بشفاعة حاكم من حكام الدنيا، يعلم من يشفع إليه أن لا خيار له فيما يريد، ولولا الديبلوماسية، لأمره أمرا، أو أخذ منه من غير استئذان. واختلاف العلاقة عن العلاقة يستوجب النظر إلى القضية نظرة غير النظرة. وكان المنُّ، وأخذ الفدية حقا للآسر، ولم يكونا حقا عاما، يناط بالحاكم، فمن منَّ على أسير، إنما تنازل عن حق خاص، لا مظلمة فيه لأحد. وقد خلى بعض الصحابة سبيل أسراهم، كما خلى أبو أيوب الأنصاري سبيل المطلب بن حنطب، وكان هو الذي أسره.
ولم تكن شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتشفيعه خاصين بأقربائه، ولا بقريش من دون الناس، وإنما شفَّع غير أقربائه، وشفَّع في غيرهم، عونا على الوفاء ومكارم الأخلاق التي كان يحرص عليها، فشفَّع - مثلا- ثابت بن قيس بن شماس في الزبير بن باطا وأهل بيته وماله، وثابت أنصاري، والزبير بن باطا قرظي؛ لأن الزبير كان قد أسره يوم بُعاث، فجزَّ ناصيته، ومنَّ عليه، فأراد أن يكافئه، فشفع فيه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسل، فشفَّعه (سنده مرسل)، وشفَّع سلمى بنت قيس النجَّارية، في رفاعة بن سموءل القرظي، فشفَّعها فيه، فاستحيته.
ولا يخفى ما بين منِّه -صلى الله عليه وسلم- على أبي العاص، وإيثار ذوي القربى بما ليس لهم ولا لمؤْثرهم دون غيرهم، عصبيةً، وامتيازا، واستغلالا للسلطان، وتجاوزا للقانون، كما يفعل الحكام الدنيون. فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يمنن عليه من حيث هو صهر أو قريب، وإنما منَّ عليه من حيث هو أسير معسر، لا يجد ما يفتدي به، فضلا عن الأسباب الإنسانية التي بينا آنفا، ومنَّ على كل معسر مثله. ومن شاء أن يتبين ما بين الأمرين، فلينظر كيف عامل -صلى الله عليه وسلم- أسارى بني هاشم يوم بدر: لقد نهى عن قتلهم؛ لأنهم "أُخرجوا كرها"، ولما تولى عمر بن الخطاب وثاق الأسرى، شدَّ وثاق العباس، فسمعه يئنُّ، فلم يأخذه النوم، فبلغ ذلك الأنصارَ، فأطلقوه، فلما فهموا رضاه بفكِّ وثاقه، سألوه أن يتركوا للعباس فداءه طلبا لتمام رضاه -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "لا تدعون منه درهما" (صحيح البخاري)، وأمر العباس أن يفدي نفسه وابني أخيه، عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وحليفه عتبة بن عمرو، فاعتذر بأنه كان مسلما، وأن قريشا استكرهته، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يعلم أنه مستكرَه، فلم يعذره، واعتذر إليه بقلة المال، فذكر له مالا، كان قد دفنه هو وزوجه أم الفضل، قبل خروجه إلى بدر، لا يعلم به إلا الله، فأقرَّ به. وفي رواية أنه سأله أن يحسب له في الفداء عشرين أوقية، أصابها المسلمون من مال كان معه، فقال له: "لا، ذاك شيء أعطاناه الله منك"، وأن فداء أسرى بدر كان أربعين أوقية من الذهب، فجعلها النبي -صلى الله عليه وسلم- على العباس مائة، وعلى ابن عمه عقيل بن أبي طالب ثمانين. فلو كان محابيا أحدا لقرابة، لحابى عمه، وابني عمه، ولا سيما بن أبي طالب الذي رباه، وحماه، فلم يخلص إليه أذى من قريش حتى مات، وهو -إلى ذلك- شقيق أبيه، عبد الله. وكان -صلى الله عليه وسلم- من محبته للعباس، وتعظيمه إياه يقول: "أيها الناس، من آذى عمي، فقد آذاني، فإنما عمُّ الرجل صنو أبيه"، ويقول: "هذا بقية آبائي"، وورد في بعض المصادر أنه أمره بالبقاء في مكة، فكان يكتم إسلامه، وكان يكتب إليه بأخبار "المشركين، وكان مَنْ بمكة مِن المسلمين يتقوون به، وكان لهم عونا على إسلامهم". وقد حضر معه بيعة العقبة الثانية ليتوثق له من الأنصار، ولم يمنن عليه، مع ذلك، ولا على ابني عمه، ولا خفف عنهم الفدية، ولم يلتمس له مخرجا من إسلامه سرا، واستكراهه على الخروج، ولا بما اعتذر به من الإعدام، وهو صحيح في الظاهر، بل كشف له من أمره ما لا يعلمه إلا الله. ولو كان المن على أبي العاص لزينب لأنها بنته فقط، لمنَّ على العباس، إذ ليس دونها في المنزلة، وعلى ابني عمه، ولا سيما عقيل الذي كان منه بمنزلة الشقيق.ثانيا- هند ووحشي وخالد:وازن المقال بين معاملة النبي -صلى الله عليه وسلم- لهند بنت عتبة، ووحشي بن حرب، قاتل حمزة، لمَّا جاءاه مسلمين، أما هند التي استأجرت وحشيا ليقتل حمزة، وبقَرت بطنه، ولاكت كبده، فدخلت "في الإسلام لتنال اللقب الشهير "عزيزة في الكفر، عزيزة في الإسلام"، أما وحشي، فأمره .. أن يتوارى عن أنظاره عند دخوله الإسلام. هند قرشية، ووحشي حبشي، وإلا فما هو سبب التمييز بينهما، وهم في الجرم -على الأقل- سواء، أو إن شئتم الدقة، فهند هي المذنب الحقيقي، و ما ذنب عبد مأجور؟". ووازن بين وحشي وخالد بن الوليد، فقال إن خالدا "كان السبب الرئيسي في هزيمة المسلمين في "أحد"، وقتل عددا من المسلمين، وعند دخوله الإسلام أخذ اللقب الشهير "سيف الله المسلول"، فلماذا لا يتم استقبال وحشي، ويأخذ مثلا لقب "حربة الله التي لا تخطئ الهدف"؟.وقد عامل النبي -صلى الله عليه وسلم- وحشيا وهندا معاملة واحدة، فقَبِل إسلامَهما، وبايعهما، وجالس وحشيا، وسأله كيف قتل حمزة، وبشَّره بأن الله يغفر الذنوب جميعا، كما ورد في بعض الروايات، وقال له، كما روى الطبراني: "يا وحشي، اخرج، فقاتل في سبيل الله كما قاتلت لتصدَّ عن سبيل الله"، واستقرَّ معه بالمدينة طوال حياته -صلى الله عليه وسلم-، وكان يغشى مجالسه كما يغشاها غيره من المسلمين، كما يبدو من الحديث الذي رواه البيهقي والطبراني، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: "ويحك! غيب عني وجهك"، قال: "فكنت أتجنبه، حتى قبضه الله تعالى، فلما بعث أبو بكر -رضي الله عنه- الجيش إلى اليمامة، خرجت مع الناس"، وآية ذلك ما روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأحاديث الصحيحة، وعن أبي بكر بعده، كقوله إنه "عقد لخالد بن الوليد على قتال أهل الردة، وقال: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: نعْم عبد الله وأخو العشيرة، خالد بن الوليد"، ثم خرج مع خالد إلى العراق والشام، بعد انتهاء معركة اليمامة، وشهد معركة اليرموك، واستقرَّ بحمص. ولم يكن أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- إياه أن يغيب عنه وجهه طردا له، ولا استهانة به، ولا تمييزا له من غيره، ولا بغضا له، وإنما أراد أن يكون حيث شاء، على ألا يراه، كذلك فهم وحشي، كما يبدو من قوله: "فكنت أتقي أن يراني رسول الله -صلى الله عليه و سلم-". وإنما سأله أن يغيب عنه وجهه لئلا يستثير وجده بعمه الذي كان من أحب خلق الناس إليه، وأكرمهم عليه، إذ كان تِرْبَه، وأخاه من الرضاع، وابن خالته (أمه هالة بنت أهيب بنت عم أمه آمنة بنت وهب)، فضلا عن بطولته، ونصرته، وبلائه في الإسلام. ولقد كان في وسعه -لو كان يبغضه- أن يلقاه كما يلقى المنافقين: يحسن معاشرتهم، ويهش في وجوههم، وقلبه يلعنهم؛ لأنه مطَّلع على ما يضمرون من الكفر. على أن البغض -لو أبغضه- شعور، لا ضير منه ماديا على المكروه، إذا لم يترتب عليه هضم، كما قال أبو مريم الحنفي، قاتل زيد بن الخطاب لعمر بن الخطاب -وقد قال له: "والله لا أحبك حتى تحب الأرض الدم المسفوح"- قال أبو مريم: "فتمنعني لذلك حقا؟"، قال: "لا"، قال: لا ضير، إنما يأسف على الحب النساء". وبغض النبي -صلى الله عليه وسلم- وحشيا -لو أبغضه- شعور طبيعي، فقد "جُبِلَت النفوس على بغض من أساء إليها"، كما قالت عائشة -رضي الله عنها-، وقد غاضب -صلى الله عليه وسلم- ابن عمه وأخاه من الرضاع، أبا سفيان بن الحارث، وابن عمته، وصهرَه، عبد الله بن أبي أمية المخزومي (أخا أم سلمة)، وقد جاءاه مسلمين، وأبى أن يبايعهما، فكلمته فيهما أم سلمة، فقال لها: "لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي، فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري، فهو الذي قال لي بمكة ما قال". فلما خرج الخبر إليهما بذلك، ومع أبي سفيان بنيٌّ له، قال: "والله ليأذننَّ لي أو لآخذنَّ بيد بنيي هذا، ثم لنذهبنَّ في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا"، فلما بلغه ذلك رقَّ لهما، وأذن لهما، فدخلا عليه، فأسلما. ومن وازن هذا بما قال لوحشي، علم أن لا مكان فيه للعنصرية والتمييز.وبايع -صلى الله عليه وسلم- هندا وهي متنقِّبة، كما قال ابن حجر، ولم يأمرها أن تغيِّب وجهها عنه؛ لأنه لم يره، وليس من دأب النساء في زمانه أن يبدين وجوههن للرجال، وهي -إلى ذلك- تقيم بمكة، ويقيم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة، فلم يخش منها ما كان يخشى من وحشي. على أن دعوى المقال أن هندا هي التي استأجرت وحشيا ليقتل حمزة مخالفة لما أجمع ما اطلعت عليه من كتب الحديث، والسيرة، والتاريخ، والتراجم، فإن ما ورد فيها أن جبير بن مطعم، مولى وحشي بعثه ليقتل حمزة بعمه، طعيمة بن عدي، وكان حمزة -رضي الله عنه- قتله يوم بدر، فقال له جبير: "إِنْ قتلتَ حَمزة بعمِّي فأنت حُرٌّ" (صحيح البخاري). وما روى الزهري والواقدي عن وحشي، في قتل حمزة، هو أنه كان يمر بهند، فتقول له: "إيه، أبا دسمة، اشف واشتف"، وأنه لما قتله، مرَّ بها، فأعطته ثيابها وحليها (المغازي، للواقدي، 287، ومرويات الإمام الزهري في المغازي، 380)، ولم يذكرا بقْر البطن، ولا حمل الكبد إليها، ولا ورد في شيء من كتب السنة الصحيحة، ولا ورد فيها تحريض هند إياه على قتل حمزة.ومصدر حديث وحشي في قتل حمزة هو جعفر بن عمرو بن أمية الضَّمْرِيُّ، وعبيد الله بن عدي بن الخيار، عن وحشي، ولم يزد فيه وحشي على وصفه لقتل حمزة: "فأضعها (الحربة) فِي ثُنَّتِهِ حتى خَرَجَت مِن بَينِ وركيه، قَالَ: فكَان ذَاك العَهدَ به"، ولم يرد فيه ذكر لهند، ولا شيء مما ينسب إليها في قتل حمزة. وزاد ابن حبان في صحيحه: "فوقعت في ثنته حتى خرجت بين رجليه، فذهب لينوء نحوي فغُلِب، وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته، فأخذت حربتي، ثم رجعت إلى الناس، فقعدت في العسكر، ولم يكن لي بعده حاجة، إنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكة عتقت". أما كونها بقرت بطنه، فلم يرد في ذلك حديث صحيح. ثم إن الذي يدعي أن هندا مثلت بحمزة يجعل سبب ذلك أنه قتل أباها وعمها، وكونُ حمزة هو الذي قتل أباها عتبة فيه خلاف، فقد قيل إن الذي قتله هو عبيدة بن الحارث بن المطلب، وقيل قتله علي بن أبي طالب وعبيدة. والعارف بتاريخ قريش وأخبارها يعلم أن ما قيل في تمثيل هند بحمزة صورة من صور التاريخ المزوَّر الذي صنعه من يريد تأصيل الخلاف السياسي بين بني هاشم وبني أمية، وأنه ليس بحادث في الإسلام، وإنما بدأ في الجاهلية، منذ ولد هاشم وعبد شمس، وكانا توأمين، فخرج عبد شمس قبل هاشم، وقد لصقت إصبع أحدهما بجبهة الآخر، فلما نُزِعت، دَمِيَ المكان، فقيل سيكون بينهما، أو بين بنيهما دم، على الوجه الذي ذكر المقريزي في "كتاب النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم)، وهو تزوير تكشفه حقائق تاريخ قريش في الجاهلية، والعصبية "المنافية" المعروفة عند قريش بين بني هاشم وبني أمية. وإنما كانت كراهية هند لحمزة وللنبي -صلى الله عليه وسلم- ككراهية كل امرأة موتورة لمن قتل أهلها، وكراهية بعض كفار قريش للنبي -صلى الله عليه وسلم- التي تبدلت بعد الإسلام حبا، فقد روى البخاري "أَنَّ عائشة -رَضِيَ اللَّهُ عنها- قالت: جاءت هند بنت عتبة: قالت يَا رسول اللَّهِ، مَا كَانَ على ظهر الأرضِ مِن أَهل خباء أحب إِلَيَّ أن يَذِلُّوا مِن أَهلِ خِبَائِكَ، ثُمَّ مَا أصبح اليوم على ظهر الأَرضِ أَهلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَن يَعِزُّوا مِن أَهلِ خِبَائِكَ. قَالَ: وأيضا، وَالَّذِي نَفسِي بِيَده"، أي "ستزيدين في ذلك ويتمكن الإيمان في قلبك، فيزيد حبك لرسول الله، ويقوى رجوعك عن غضبه". وأما وصفها بأنها "عزيزة في الجاهلية عزيزة في الإسلام"، فلم يكن من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا أحد من خلفائه وصحابته.أما تلقيب خالد "سيف الله"، فإنه لقب هو به جدير، ولم يعطَه عن عصبية ولا مجاملة. ومن العجيب أن يطالب المقال بتوزيع الألقاب على الأعراق، لا على المناقب والفعال، ويعدَّ عدمَ فعْل ذلك من العنصرية. وما طالب به المقال من تلقيب وحشي "حربة الله التي لا تخطئ الهدف" ليس له معنى، فلم تعرف لحربة وحشي إصابة في ذات الله إلا مرة واحدة، هي التي قتل فيها مسيلمة، ولا تعرف لها إصابة قبلها ولا بعدها، وما عُرِف به من الرمي كان يعرف غيره من المسلمين في زمانه مثله من أساليب القتال، من غير أن يلقبوا بما مهروا فيه، فقد كان صهيب -رضي الله عنه-، وهو مولى، من أرمى الناس، ومن السابقين الأولين الذين أبلوا في الله بلاء، لا يداني بلاء وحشي، ولم يلقب "قوس الله"، أو "سهم الله"، وأسلمت هوازن، "وكانوا رماة لا يسقط لهم سهم" (صحيح مسلم)، وكانوا من أمس الناس رحما برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومنهم مرضعته حليمة السعدية -رضي الله عنها-، ولم يلقبهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "سهام الله"، ولا أعطاهم أعنة الخيل، كما أعطاها خالدا.وما ينبغي أن يساوي منصف بين وحشي الذي لم يُعرَف بنباهة، ولا مهارة قيادية، وخالد بن الوليد القائد العبقري الذي دوَّخ العرب والفرس والروم، وأعز الله به دينه، منذ أسلم، وأعلى كلمته، في جزيرة العرب، والعراق، والشام، وكان له من البلاء في ذات الله ما لم يكن لأحد المسلمين. ولو كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعتدُّ بالقرابة في شيء مما يولي، لولى عليا، أو غيره من بني هاشم، وكان خالد آخر من يفكر في توليته، لما كان بين بني عبد مناف وبني مخزوم في الجاهلية من تنازع الشرف، كما قال أبو جهل: "تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحلمنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه؟". وكان وحشي -إلى ذلك- شريبا، وقد حُدَّ في الخمر، ومات بها، ولا يصلح شريب للقيادة، إن فرض أنه أوتي من مقوماتها ما يكفي.أما كون النبي صلى الله عليه وسلم- لم يوله منصبا قياديا كما ولى خالدا، فإن وحشيا لا يعرف أنه كان ذا موهبة قيادية، ولم يرو عنه من المزايا العقلية والبدنية إلا صفتان: أنه كان ماهرا بالرمي بالحراب، وأنه كان قائفا، وليست القيادة مهارة بالحرب، ولا مهارة بأسلوب من أساليبها، فقد كان علي بن أبي طالب فارسا وبطلا شجاعا، ولم يوله النبي -صلى الله عليه وسلم- ما ولى خالدا، مع أنه ابن عمه، وختَنه، ومكانته في الإسلام لا خفاء بها. والقيادة أكبر من مهارة بالرمي، وبأسلوب من أساليب القتال، وهي تخطيط، وسياسة، ودهاء، وحنكة، ولذلك ولى النبي -صلى الله عليه وسلم- خالدا القيادة منذ أسلم، وأمَّر عمرو بن العاص على أبي بكر وعمر وأبي عبيدة، وهم من هم، سابقة، وفضلا، وعقلا، وعلما. وأمَّر زيد بن حارثة، وهو مولى، على ابن عمه، جعفر بن أبي طالب، في غزوة مؤتة، وأمَّر ابنه زيدا على جيش وجهه إلى فلسطين، فيه أبو بكر الصديق، وكبار المهاجرين (الصحيحان)، وهو ابن ثماني عشرة سنة، "فطعن بعض النَّاسِ فِي إمارته، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن تطعنوا فِي إمارته، فقد كنتم تطعنون فِي إمارة أبيه مِن قبل، وايْم اللَّهِ إِن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إِلَيَّ، وإن هذا لمن أَحَبِّ النَّاسِ إلي بعده"(صحيح البخاري). ولو كان مبنى الأمر على العنصرية، ما ولاهما.لقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أبعد الناس مما ينسب إليه المقال، فقد تبنى زيدا، وكان يدعوه زيد بن محمد، إلى أن نزل قول الله تعالى (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله)، وزوجه بنت عمته، زينب بنت جحش، ثم مولاته، أم أيمن. وكان يرى من حبه له، وحسْن معاملته إياه ما جعله يؤثره على أبيه وعمه، لما خيَّره بين أن يذهب معهما، وقد جاءا في طلبه، أو يبقى معه، فقال له: "ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني مكان الأب والعم"، فقال له أبوه وعمه: "ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وأهل بيتك؟! قال: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا". وقد ولاه -صلى الله عليه وسلم- قيادة عدة غزوات، كغزوة القَرْدة، وغزوة الجَموم، وغزوة جُذام، وغزوة وداي القرى، وغزوة مؤتة. وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: "ما بعث رسول الله -صلى الله عليه و سلم- زيد بن حارثة في سرية إلا أمَّره عليهم، ولو بقي لاستخلفه بعده". وقال في ابنه أسامة: "إن أسامة بن زيد لأحب الناس إلي، أو من أحب الناس إلي، وأنا أرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرا"(مسلم). وروت عائشة أن أسامة عثر "بأسكُفَّة الباب (عتبته)، فشُجَّ في وجهه، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : أميطي عنه، فكأني تقذَّرته، فجعل رسول الله يمصه ثم يمجُّه". ولما فرض عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- للناس، فرَض لأسامة بن زيد خمسة آلاف، وفرض لابنه عبد الله بن عمر ألفين، فقال ابن عمر: فضَّلتَ عليَّ أسامة، وقد شهدتُ ما لم يشهد، فقال له: إن أسامة كان أحب إلى رسول الله منك، وأبوه كان أحب إلى رسول الله من أبيك". وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُنزل أمَّ أيمن منزلة الأم، ويدعوها أمي، وهي أم أسامة، وكانت حبشية، وكان يزورها في بيتها، وتعامله معاملة الأم لابنها؛ لأنها حضنته بعد وفاة أمه. وروى مسلم: "عَنْ أَنَسٍ قَالَ: انطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إِلَى أم أيمن، فانطلقت معه، فناولتْه إناءً فِيهِ شراب، قال: فَلاَ أَدرِى أصادفته صَائِمًا، أَو لم يُرِدْهُ، فجعلت تَصْخَبُ عليه، وَتَذَمَّرُ عليه"، أي تتكلم بالغضب، تدلُّ عليه؛ لأنها ربته. وروى أيضا: "قال أبو بكر بعد وفاة رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لعمر: انطلق بِنَا إِلَى أُمِّ أيمن نزورها، كما كان رسول اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم- يزورها". وأبى عمر بن الخطاب أن يوصى بالخلافة لابنه عبد الله، وابن عمه، وصهره، سعيد بن زيد بن نفيل، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأبى أن يوصي بها لعلي بن أبي طالب، ابن عم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وختنه، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وقال: "لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى". وسالم مولى أبي حذيفة، وتبناه أبو حذيفة كما تبنى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زيد بن حارثة، فكان يرى أنه ابنه، وأنكحه ابنة أخيه، فاطمة بنت الوليد بن عتبة، وهي من المهاجرات، وكانت من أفضل أيامى قريش. أما بلال -رضي الله عنه- فقد أوجز عمر -رضي الله عنه- مكانته عند الصحابة، ولا سيما الخلفاء الراشدين، في قوله: "أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا" (رواه البخاري). وكانوا يحبونه حبا جما، ويأنسون بقربه، ويستوحشون من بعده، فقد أراد مرة أن يخرج إلى الشام، فقال له أبو بكر: "بل تكون عندي، فقال له: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني لله -عز وجل- فذرني أذهب إلى الله -عز وجل-، فقال: اذهب". وفي رواية أخرى أنه جاء أبا بكر، فقال له: "إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه و سلم- يقول : "أفضل أعمال المؤمن الجهاد في سبيل الله "، وقد أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت، فقال له أبو بكر: أنشدك الله يا بلال، وحُرْمَتي، وحقي، ألا تتركني، فقد كبِرت، واقترب أجلي. فأقام معه حتى توفي، فجاء إلى عمر -رضي الله عنه- فقال له كما قال لأبي بكر، فردَّ عليه كما ردَّ أبو بكر، فأبى".هذه هي مكانة الموالي عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعند أبي بكر الصديق، ويدعي المقال أنهما كانا عنصريينِ، وكانت معاملتهما قائمة على التمييز والطبقية!. ولقد كان سيدنا بلال -رضي الله عنه- أولى من وحشي بما أراد له المقال، إن كان لا بدَّ من إشراك الصحابة في المناصب، على حسب الأعراق التي لم يكن "الدين" يعتدُّ بها؛ فقد كان أسبق منه إلى الإسلام، وأتْقى، وأكثر مناقب، وهو -إلى ذلك- حبشي، كوحشي.ثالثا- بنو قريظة:أبدى المقال حرصا على توثيق ما أورد من أخبار بني قريظة، لم يبده فيما سلف من الأخبار، غير أن ما أورد من نصوص نقله من مراجعَ غير التي أحال عليها، أي إنه استغنى بإحالة المقالات التي نقل منها عن الرجوع إلى المصادر التي أحالت عليها، وكثيرا ما يوقع هذا في مثل ما وقع فيه من الخطأ. وادعى صحة ما لم يستوثق من صحته، فقال مثلا: "وقد ثبت أن النبي قال لليهود وهو مشرف على حصون بني قريظة وقد حاصرهم: "يا إخوة القردة والخنازير وعبدة الطواغيت، أتشتمونني؟ قال: فجعلوا يحلفون بالتوراة التي أنزلت على موسى: ما فعلنا، ويقولون: يا أبا القاسم، ما كنت جهولا. ثم قدَّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرماة من أصحابه. وقد ناداهم بذلك لشتمهم إيَّاه". وهو نص منقول من مغازي الواقدي الذي يبدو أن الكاتب لم يطلع عليه، وإنما وجد النص في مقال لمحمد حياتي: منشور في موقع "الحوار المتمدن"، عنوانه "هل يجب محاكمة الرسول في مذبحة بني قريظة؟" ولكن المقال اجتهد في ألا يذكره، على تأثره به، وادعى أن النص السابق منقول من تاريخ الطبري وسيرة ابن كثير، تبعا لما ورد في مقال "الشيخ الزغبي يمسح بكرامة ثائر الدراجي الأرض"، المنشور في موقع "الدفاع عن السنة".
وقد ادَّعى المقال دعوى تخالف ما أجمعت عليه مصادر التراث الإسلامي، من نقض بني قريظة العهد بتأثير من بني النضير، فقال: "بنو قريظة هموا بالتمالؤ -والأمر لم يحدث- مع قريش من أجل القضاء على محمد و دعوته. فتم العفو العام عن قريش، ونفذ الإعدام في بني قريظة، سيان من همَّ بنقض العهد، أو من لم يهم بذلك". ثم ختم بأن: "بني قريظة فقط هموا بالتحالف مع المشركين فكان جزاؤهم القتل الجماعي. أين راحت الرحمة؟"، أم أن للأخوة و"أَتْبَنْعِيمَه" دورها في "العقل الشامل/المطلق".
والعبارة التي وردت في مغازي الواقدي لا تصح نسبتها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لأسباب، منها:
1- أنها لم ترد في شيء من كتب السنة الصحيحة، وإنما وردت في مصنف عبد الرزاق مرسلة عن سعيد بن المسيب، وفي مستدرك الحاكم، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فإنهما قد احتجا بعبد الله بن عمر العمري في الشواهد ولم يخرِّجاه، وقال الذهبي في التلخيص: "على شرط البخاري ومسلم". غير أن هذا الحكم إنما هو في السند وليس في المتن، فإنه يعارض أحاديث صحيحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، سوف نراها بعد قليل. وإذا أضيف إلى ذلك أن عبد الله بن عمر العمري يضعفه بعض المحدثين، ويرى بعضهم أنه "صويلح"، و"يكتب حديثه ولا يحتج به"، كان هذا مما يشكك في صحة الحديث.2- أن مصدر هذه العبارة بطولها هو مغازي الواقدي، فقد وردت فيه بالنص الذي نقل محمد حياتي ونقل عنه الكاتب، ومعلوم أن الواقدي كان غير ثقة عند المحدثين، ويذهب أكثرهم إلى أنه كذاب، ولا يُعتدُّ بما قال، وإذا خالف قوله صريح الأحاديث الصحيحة، كان جديرا بألا يقبل.3- أن ظاهر العبارة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يشتم اليهود لأنهم شتموه، وما انتقم النبي -صلى الله عليه وسلم- لنفسه قط، وما بينه وبين بني قريظة هو خيانة، كانت ستنتهي باستئصال المسلمين، لو تحقق لهم وللأحزاب ما تمالؤوا عليه، وليس مجرد شتيمة وأذى، كان يتجرع منهما أكثر من هذا فيصبر.
4- ما ورد في أحاديث صحيحة من نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة -رضي الله عنها- عن سب اليهود بهذا اللفظ، كما في مسند أحمد، وصحيح ابن خزيمة: "عَن عائشة قالت: بينا أَنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ استأذن رجل من اليهود، فأذن لَه، فقال: السَّامُ عليك، فقال النبي -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم-: وعليك. قالت: فهممت أَن أتكلم، قالت: ثُمَّ دَخل الثانيةَ، فقال مثل ذلك، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: وعليك. قالت: ثم دخل الثالثة، فقال: السَّامُ عليك، قَالَت: فقلت: بَل السَّامُ عليكم، وغضب اللَّهِ، إخوانَ القردة والخنازير! أتحيون رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بما لم يُحَيِّهِ بِهِ اللَّهُ؟! قالت: فنظر إِلَيَّ، فقال: مَهْ! إِنَّ الله لا يحب الفُحشَ، وَلا التَّفَحُّشَ، قالوا قولا، فرددناه عليهم، فلم يَضُرَّنَا شيء ولزمهم إِلَى يوم القيامة". وفي رواية أخرى: "عَن أنس بن مالك، أَنَّ اليهود دخلوا على النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: السَّامُ عليك، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "السَّامُ عليكم". فقالت عائشة: السام عليكم يا إخوان القردة والخنازير، ولعنة اللَّهِ وغضبه. فقال: "يَا عائشة، مَهْ! فقالت: يَا رسول اللَّه، أما سمعتَ ما قالوا؟ قال: "أو ما سمعتِ مَا رددتُ عليهم؟ يا عائشة، لم يدخل الرفق فِى شيء إِلاَّ زانه، ولم يُنزَع من شيء إلا شانه".
وما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لينهى عائشة عن شيء ثم يفعله، والله -تعالى- يقول: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون).
أما كون نقض بني قريظة العهد لم يحدث، وإنما هموا به فقط، فمخالف لما أجمعت عليه كتب الحديث، والسير، والتاريخ، ومخالف للقرآن الكريم، كقول الله -تعالى-: (إن شر الدّوَابِّ عند اللّهِ الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون)، فقد قال المفسرون إنها نزلت في بني قينقاع، وبني النّضِير، وقريظة. وإنما قتلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- امتثالا لقول الله -تعالى-: (فَإِمّا تَثْقَفَنّهُمْ فِي الحرب فَشَرّدْ بهم من خلفهم). وهذا هو معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حكم سعد بن معاذ فيهم: "حكمتَ فيهم بحكم الله"، ومعنى إشارة أبي لبابة إلى حلقه، لمَّا استشاره بنو قريظة في حكم النبي -صلى الله عليه وسلم-، يريد أن حكمه فيهم هو القتل، وإنما علم أبو لبابة ذلك من الآية التي غزا النبي -صلى الله عليه وسلم- بني قريظة امتثالا لها. وفي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود: "أن كفار قريش كبتوا إلى ابن أُبَىٍّ ومن كان يعبد معه الأوثان مِن الأَوسِ وَالخَزرج، ورسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يومئذ بالمدينة، قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لَتُقَاتِلُنَّهُ أَو لَتُخْرِجُنَّهُ، أَو لنسيرنَّ إليكم بِأَجْمَعِنَا، حتى نقتل مُقَاتِلَتَكُم، وَنَسْتَبِيحَ نساءكم. فلما بلغ ذلك عبد اللَّهِ بن أُبَىٍّ ومن كان معه من عبدة الأوثان،ِ اجتمعوا لقتال النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-، فلما بلغ ذلك النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم-، لَقِيَهُم، فقال: لقد بلغ وعيدُ قريش منكم الْمَبَالِغَ، مَا كانت تكيدكم بأكثر مِمَّا تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم؟. فلما سمعوا ذلك من النبي -صلى الله عليه وسلم- تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الْحَلْقَةِ والحصون، وإنكم لَتُقَاتِلُنَّ صاحبنا، أو لَنَفْعَلَنَّ كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خَدَمِ نسائكم شيء، وهي الخلاخيل، فلما بلغ كِتَابُهم النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أجمعت بنو النضير بالغدر، فأرسلوا إلى رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: اخرج إلينا فِى ثلاثين رجلا من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حَبْرًا، حتى نلتقي بمكان المَنْصَف، فيسمعوا منك، فإن صَدَّقُوكَ وآمنوا بك، آمَنَّا بك، فقصَّ خبرهم (تتبعه ليعرف حقيقة ما أرادوا)، فلما كان الغدُ غدا عليهم رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بالكتائب فَحَصَرَهُمْ، فقال لهم: إنكم وَاللَّهِ لا تأمنون عندي إِلاَّ بعهْد تعاهدونني عليه، فأبوا أن يعطوا عهدا، فقاتلهم يومهم ذلك، ثم غدا الغَدَ على بني قريظة بالكتائب وترك بني النضير، ودعاهم إلى أَن يعاهدوا فعاهدوه، فانصرف عنهم، وغدا على بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء". وفي الصحيحين وسنن أبى داود عن عبد الله بن عمر: "حاربت النضير وقريظة رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فأجلى بني النضير، وأقَرَّ قريظة، ومَنَّ عليهم، حتى حاربت قريظة بعد ذلك، فقتل رجالهم، وقسَمَ نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إِلا بعضهم، لحقوا بالنبي -صَلَّى الله هليه وسلم-، فآمنهم وأسلموا".
فهم إذن بدؤوا بنقض العهد، وهو عهد المدينة الذي كتبه النبي -صلى الله عليه وسلم- بين سكان المدينة جميعا، ومنهم اليهود، ثم عاهدوه مرة أخرى، فنقضوا العهد، وأعانوا قريشا على حرب المسلمين، وكان ذلك في غزوة الأحزاب. وذكر ابن هشام كيفية النقض وسببها، فقال: "وخرج عدو اللّهِ حُيَيُّ بن أَخْطَبَ النّضَرِيّ ، حتى أتى كعب بن أسد القُرَظِيّ، صاحب عَقْدِ بَنِي قريظة وَعَهْدِهِم، وكان قَد وادع رسول اللّهِ -صلى الله عليه وسلم- على قومه، وعاقده على ذلك وعاهده،...، فلم يزل حُيَيّ بِكَعبِ يَفْتِلُه فِي الذّروَةِ وَالغَارِب، حَتّى سَمَحَ له، على أن أعطاه عهدا من اللّه وميثاقا: لئن رجعت قريش وَغَطَفَانُ، ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك فِي حصنك حَتّى يُصِيبَنِي مَا أصابك. فنقض كعب بن أسد عهده، وبَرِئ مِما كان بينه وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-". وكان عمل حيي بن أخطب جزءا من خطة لاستئصال النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، دبرها هو وطائفة من بني النضير، روتها كتب المغازي والسير، ووردت في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق، على هذا الوجه: "حدثني يزيد بن رومان، مولى الزبير بن عروة بن الزبير، ومن لا أتَّهم، عن عبد الله بن كعب بن مالك، ومحمد بن كعب القرظي، والزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق، وبعضهم يحدِّث مالا يحدث بعضٌ، قالوا: "إنّهُ كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود، منهم سلام بن أَبِي الحَقِيقِ النَّضَرِي، وَحُيَي بن أَخْطَبَ النّضرِي، وكنانةُ بن أَبِي الحَقِيقِ النّضرِي، وَهَوْذَةُ بنُ قيس الوَائلي، وأبو عَمّارٍ الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حَزَّبُوا الأحزَابَ عَلى رسول اللّهِ -صلى الله عليه وسلم-، خرجوا حتى قدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقالو: إنا سنكون معكم عليه حتى نَسْتَأْصِلَهُ، فقالت لهم قريش: يَا معشر يَهودَ، إنكم أهل الكتاب الأوّلِ، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق، ...، فَلَمّا قالوا ذلك لقريش، سَرَّهم ونَشِطوا لِمَا دعوهم إليه من حرب رسول اللّهِ -صَلّى الله عليه وسلم-، فاجتمعوا لذلك وَاتّعَدُوا له. ثم خرج أولئك النفر من يَهُودَ حتى جاؤوا غَطَفَانَ، من قيس عيلان، فدعوهم إلَى حرب رسول اللّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وأخبرهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه". ولما انتهى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- نقضُهم العهدَ، بعث إليهم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن رواحة، وخوَّات بن جبير؛ ليعرفوا صحة ما بلغه عنهم، فقالوا لهم: "لا عهد بيننا وبين محمد، ولا عقد"، وشاتموهم، ونالوا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وهذا يدل على تثبته -صلى الله عليه وسلم-، وحرصه على أن يرجع بنو قريظة عما أقدموا عليه من الغدر. ثم بعث الزبير بن العوام -كما ورد في صحيح البخاري-، فكان يختلف إلى بني قريظة، يراقبهم، حتى تحقق من أمرهم. فحُكمه -صلى الله عليه وسلم- بأنهم نقضوا العهد مبني على إقرار منهم، شهد به أربعة من الأنصار، منهم سيدا الأوس والخزرج، وعلى متابعة ميدانية، قام بها حواري النبي -صلى الله عليه وسلم-، الزبير بن العوام.
على أن هنالك ما يغني عن هذا كله، هو أن من غير المنطقي أن يحرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على قتل بني قريظة لغير سبب، وقد منَّ على بني قينقاع لما نقضوا العهد، وأذن لهم ولبني النضير بالجلاء من المدينة، فما كان ليخصَّ بني قريظة من دون سائر اليهود بالقتل إلا لجرم اقترفوه، أكبر من جرم إخوانهم، وهذا أمر بديهي. فإن كان بنو قريظة ليسوا من أبناء عم النبي -صلى الله عليه وسلم-، فما كان بنو قينقاع ولا بنو النضير من أبناء عمه، وإن كان الذي يبغضهم إليه أنهم يهود، فكذلك كان بنو قينقاع وبنو النضير:
وليس يصحُّ في الأفهام شيءٌ، إذا احتاج النهارُ إلى دليلِ!
وإذا كان منطق العلم يقضي أن يستعان على تفسير عمل المرء بما عُهِد منه، فينبغي أن يفسر قتل النبي -صلى الله عليه وسلم- نبي قريظة بأنه مبني على فعل فعلوه، لم يقدم عليه أحد ممن حاربه أو عاداه، من العرب واليهود، إذ لم يؤثَر عنه في تاريخه كله أنه قتل جماعة على الوجه الذي فعل ببني قريظة، مهما اقترفوا في حقه وحق المسلمين، فلمَ استأصل بني قريظة من دون من حاربوه؟ الجواب واضح: لأنهم أرادوا استئصاله، ولم يكن يثق بعهد يعاهدونه بعد ما نقضوا العهد مرتين، كما صرحت بذلك الآية الكريمة: (الذين ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون).
ولم يذكر المقال ما يدل على خلاف ما أجمعت عليه المصادر الإسلامية، ولو كان يستنتجه استنتاجا، أو وجده في مصادر يهودية، أو رومانية، مثلا. وعلى هذا يبقى نقض بني قريظة العهدَ صحيحا، ويكون تكذيبه تكذيبا لحقائق التاريخ بغير برهان.
وقد انتقد المستشرقون قتلَ النبي -صلى الله عليه وسلم- بني قريظة انتقادا شديدا، تابعهم فيه بعض ملحدي العرب في السنوات الأخيرة، ومَن يقنعون بما يقرؤون باديَ الرأي، ولا يحققون. لقد كان بقاء بني قريظة في المدينة بعد غزوة الأحزاب غير ممكن، فقد أبوا أن يكونوا مواطنين، بنقضهم ما نصت عليه صحيفة المدينة، خوفا من قريش، أو استرضاء لها، وأبوا أن يكونوا جيرانا يوثق بهم، ويؤمَن شرهم، حين نقضوا المعاهدة الثانية، ومالؤوا قريشا وغطفان على استئصال النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة الأحزاب، بتدبير من حُيَّي بن أخطب. وليس من الممكن أن يتجاور شعبان متعاديان، أحدهما حرٌّ في عهوده، ينقضها كلما شاء، وهو يتربص بالآخر الدوائر، وكلما عنَّت فرصة لاستئصاله اهتبلها، ولا يتردد في محالفة من يعاديه، إذا علم أن في محالفته عونا له على إبادته. وهذا وحده مسوغ لنفيهم من المدينة، وهو سبب نفي بني النضير وبني قينقاع، وكان نفيهم دليلا على رغبة النبي -صلى الله عليه وسلم- عن دمائهم، وأنه إنما أراد تأمين دولته وشعبه. لكن بني النضير، إذ أبوا أن يعاهدوا النبي -صلى الله عليه وسلم- مرة أخرى، كان أكرم من بني قريظة الذين عاهدوه، ثم لم يفوا بالعهد، فعاملهم معاملة تختلف عن معاملة بني النضير وبني قينقاع. أما ما أرادوا بالمسلمين في غزوة الأحزاب، فتبينه هذه الآيات من سورة الأحزاب: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا). لقد أحاط الأحزاب بالمسلمين من كل مكان، وكادوا يستأصلونهم، وبلغت الشدة من المسلمين مبلغا، حتى همَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يصالح عيينة بن حصن والحارث بن عوف المري على ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه. وكان المقاتلون من المسلمين -في إبان حصار الأحزاب للمدينة- لا يأمنون على النساء والذراري في الحصون، واليهود يتجسسون عليهم ليدلوا على عوراتهم، ولا يدرون متى يباغتون نساءهم وأطفالهم ويفتكون بهم. والذي يقتضيه هذا في الفطرة البشرية، والأعراف الإنسانية، والقوانين، مذ كانت، أن يعاملوا بالمثل فيستأصلوا، وأن يجازوا بمثل ما عملوا، فـ(جزاء سيئة مثلها)، (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به). لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- خص البالغين بالعقوبة، دون النساء والأطفال؛ لأنهم لم يكونوا مقاتلين، ولم يتردد في العفو عمن جاءه تائبا، واستثنى من القتل من عَرف منه الوفاء بالعهد، كعمرو بن سعدى القرظي الذي قال: "لا أغدر بمحمد أبدا"، فخلى محمد بن مسلمة سبيله، وقد مرَّ به، وهو يحرس؛ لِمَا علم من وفائه، ورفضه الغدر، ولما بلغ خبره إلى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، قال: "ذاك رجل نجاه الله بوفائه". وهذا يختلف عما كان بنو قريظة سيفعلون، فإن الأخبار تدل على أنهم ما كانوا ليستحيوا النساء ولا الأطفال، كما يدل عليه ما جاء في شرعهم من معاملة نساء الأعداء وأطفالهم ودوابهم، إذا ظفروا بهم، ففي الإصحاح الخامس من سفر التثنية: "اُذْكُرْ مَا فَعَلهُ بِكَ عَمَالِيقُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ خُرُوجِكَ مِنْ مِصْرَ. كَيْفَ لاقَاكَ فِي الطَّرِيقِ وَقَطَعَ مِنْ مُؤَخَّرِكَ كُل المُسْتَضْعِفِينَ وَرَاءَكَ وَأَنْتَ كَلِيلٌ وَمُتْعَبٌ وَلمْ يَخَفِ اللهَ. فَمَتَى أَرَاحَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ جَمِيعِ أَعْدَائِكَ حَوْلكَ فِي الأَرْضِ التِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيباً لِتَمْتَلِكَهَا تَمْحُو ذِكْرَ عَمَالِيقَ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ. لا تَنْسَ". وفي الإصحاح الخامس عشر من سفر صموئيل أن الرب قال لشاول (طالوت): "وَالآنَ فَاسْمَعْ صَوْتَ كَلاَمِ الرَّبِّ. هَكَذَا يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنِّي قَدِ افْتَقَدْتُ مَا عَمِلَ عَمَالِيقُ بِإِسْرَائِيلَ حِينَ وَقَفَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ صُعُودِهِ مِنْ مِصْرَ. فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً, طِفْلاً وَرَضِيعاً, بَقَراً وَغَنَماً, جَمَلاً وَحِمَاراً». وفي الإصحاح العشرين من سفر التثنية: "حِينَ تَقْرُبُ مِنْ مَدِينَةٍ لِتُحَارِبَهَا اسْتَدْعِهَا لِلصُّلحِ فَإِنْ أَجَابَتْكَ إِلى الصُّلحِ وَفَتَحَتْ لكَ فَكُلُّ الشَّعْبِ المَوْجُودِ فِيهَا يَكُونُ لكَ لِلتَّسْخِيرِ وَيُسْتَعْبَدُ لكَ. وَإِنْ لمْ تُسَالِمْكَ بَل عَمِلتْ مَعَكَ حَرْباً فَحَاصِرْهَا. وَإِذَا دَفَعَهَا الرَّبُّ إِلهُكَ إِلى يَدِكَ فَاضْرِبْ جَمِيعَ ذُكُورِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ وَالبَهَائِمُ وَكُلُّ مَا فِي المَدِينَةِ كُلُّ غَنِيمَتِهَا فَتَغْتَنِمُهَا لِنَفْسِكَ وَتَأْكُلُ غَنِيمَةَ أَعْدَائِكَ التِي أَعْطَاكَ لرَّبُّ إِلهُكَ. هَكَذَا تَفْعَلُ بِجَمِيعِ المُدُنِ لبَعِيدَةِ مِنْكَ جِدّاً التِي ليْسَتْ مِنْ مُدُنِ هَؤُلاءِ الأُمَمِ هُنَا. وَأَمَّا مُدُنُ هَؤُلاءِ الشُّعُوبِ التِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيباً فَلا تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَا بَل تُحَرِّمُهَا تَحْرِيماً". وفي الإصحاح الثالث عشر منه: "إِنْ سَمِعْتَ عَنْ إِحْدَى مُدُنِكَ التِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَسْكُنَ فِيهَا قَوْلاً:...، فَضَرْباً تَضْرِبُ سُكَّانَ تِلكَ المَدِينَةِ بِحَدِّ السَّيْفِ وَتُحَرِّمُهَا بِكُلِّ مَا فِيهَا، مَعَ بَهَائِمِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. تَجْمَعُ كُل أَمْتِعَتِهَا إِلى وَسَطِ سَاحَتِهَا وَتُحْرِقُ بِالنَّارِ المَدِينَةَ وَكُل أَمْتِعَتِهَا كَامِلةً لِلرَّبِّ إِلهِكَ، فَتَكُونُ تَلاًّ إِلى الأَبَدِ لا تُبْنَى بَعْدُ. وَلا يَلتَصِقْ بِيَدِكَ شَيْءٌ مِنَ المُحَرَّمِ لِيَرْجِعَ الرَّبُّ مِنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ وَيُعْطِيَكَ رَحْمَةً". ومن الطريف أن الانتقام في شريعة اليهود لا تستثنى منه الدواب، ليس الدواب التي تكون في المدن التي تمحى من الوجود بالقتل، أو الإحراق، وإنما الدواب التي يعتدي أحدها على المرء بالنطح مثلا، كما في هذا النص من الإصحاح الحادي والعشرين، من سفر الخروج: "وَإِذَا نَطَحَ ثَوْرٌ رَجُلاً أَوِمْرَأَةً، فَمَاتَ، يُرْجَمُ الثَّوْرُ وَلاَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ. وَأَمَّا صَاحِبُ الثَّوْرِ فَيَكُونُ بَرِيئاً. وَلَكِنْ إِنْ كَانَ ثَوْراً نَطَّاحاً مِنْ قَبْلُ، وَقَدْ أُشْهِدَ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَمْ يَضْبِطْهُ، فَقَتَلَ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً، فَالثَّوْرُ يُرْجَمُ، وَصَاحِبُهُ أَيْضاً يُقْتَلُ". وليس الطريف في قتل الثور، وإنما في التنكيل به بالرجم!
فما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ببني قريظة بعض ما كانوا سيفعلون بالمسلمين، فلم يَحُل بينهم وبينه إلا ما فعل الله بالأحزاب، وهو أرحم وأكرم مما تأمر به نصوص شرعهم، كالنصوص السابقة، فقد قبل -النبي -صلى الله عليه وسلم- إسلام من أسلم منهم، ولم يرزأه شيئا من ماله، ولم يقتل النساء ولا الأطفال. وإذا عُدَّ بنو قريظة مواطنين، فما الذي يمكن أن يفعله رئيس دولة بفئة من مواطنيه شاركت في احتلال وطنها وتدميره وإبادة مواطنيها؟ أليس هذا في القوانين الدولية المعمول بها اليوم خيانة، يعاقب عليها بالإعدام؟ وإن عُدُّوا دولة مجاورة، فما الذي يمكن أن تعمله دولة بجارة أعانت على احتلالها وإبادة شعبها؟. "ينبغي أن يسأل الناقدون أنفسهم بعد هذا: ماذا كان مصير المسلمين لو ظفر بهم الأحزاب؟ فالقَضاء الذي قَضاه النبي في بني قُرَيظة عدلٌ وحكمةٌ وصَوابٌ، وما من أحدٍ يَقضِي غير ذلك القضاء، وهو مُؤتَمَنٌ على مصير أمة، يرحمها من غرَر أعدائها، ومن لدَدِهم في خُصومتها، ومن استباحتهم كلَّ منكرٍ في التربص والوثبة بعد الوثبة عليها. وإنََّ حملةً تأديبيَّة واحدةً من حملات العُصور الحديثة يحمِلُها قومٌ مُسلََّحون على قومٍ عُزل يَذُودون عن أوطانهم وحُقوقهم لفيها من البطش والتعذيب ما لم يحدُث قطُّ نظيرٌ له في عِقاب بني قريظة، ولا في جميع الحروب التي نشَبَتْ بين النبي -عليه السلام- وبين أعداءٍ له ولدِينه، هم المتفوِقون عليه في العدد والثروة والسِّلاح" (عبقرية محمد، 85).
ودعونا بعد هذا نفكِّر في الاحتمالات التي كان يمكن أن يعامل بها النبي -صلى الله عليه وسلم- بني قريظة غير القتل: لقد عاهدهم، فنقضوا العهد، فحاربهم، فانتصر عليهم، فمنَّ عليهم، ثم عاهدهم ثانية، فنقضوا العهد، وأعانوا عليه مَن أراد استئصاله، فهل يمكن أن يأمنهم، أو يثق بهم، فيجدد العهد معهم مرة ثالثة؟ وهل يمكن أن يُبقِي عليهم بالمدينة وهم أعداء، يتربصون به الدوائر؟ وأي دولة في التاريخ رضيت بواحد من هذين الخيارين، أو يمكن أن ترضى به الآن؟ وأي حاكم ركن إلى معاهدةِ مَن بلاه، فألفاه لا عهد له ولا ذمة؟ أما أن يجليهم عن المدينة كما أجلى بني النضير وبني قينقاع، فغير ممكن أيضا؛ لأن يهود خيبر أهل عدد وجلد، وبنو النضير وبنو قريظة أشرف منهم؛ لأنهم من بني هارون، فإذا انضموا إليهم قويت شوكتهم، ووجدوا فيهم شعبا جلدا ذا عدد، فصاروا له قادة، وتفرغوا لحرب المدينة كما تفرغ لها بنو النضير قبلهم، وأعان بعضهم بعضا على حرب المسلمين والكيد لهم.
لقد كان بنو قريظة محاربين، ولم يكونوا أسرى، وظلوا مصرين على ما هم عليه حتى آخر لحظة، فقد خيَّرهم سيدهم، كعب بن أسد بين ثلاثة أمور، منها أن يتابعوا النبي -صلى الله عليه وسلم-، بعد ما تبين لهم أنه هو النبي الذي يجدونه في كتابهم، فقالوا "لا نفارق حكم التوراة أبدا"، ولم يعتذروا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- من الغدر ونقض العهد، فكيف يعامَل من هذه حاله إلا معاملة المقاتل؟.
أما عفو النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قريش لمَّا فتح مكة، على ما لقي من أذاهم، وعدم استباحة مكة وسبي نسائها وقتل رجالها، فإن المقال لم يميز نبي الله -صلى الله عليه وسلم- من البشر العاديين الذين يميلون مع الهوى، وتتحكم فيهم العصبية، وشأن النبي -صلى الله عليه وسلم- غير شأن البشر العاديين، فهو إنما يحب لله، ويبغض له، ويوالي فيه، ويعادي فيه، وهواه مع شرعه، أينما ولى، وما كان ليتأسَّى إلا بمن أمره الله -تعالى- أن يتأسى به: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده). وهذا الفهم الذي لا يتجاوز المعهود في الحياة القبلية، وحياة الناس العاديين كان قد فهمه بعض الأعراب، فقال للنبي -صلى الله عليه وسلم- وقد رآه "أعطى الأقرع بنَ حَابِس مِائَة من الإبل،ِ وَأعطَى عيينة مثلَ ذَلِك، وأعطى أناسًا مِن أشراف العرب، وآثرهم يومئذ فى القسمة"، قَال له: "والله إن هذه لقسمة مَا عُدِلَ فيها، وَمَا أُرِيدَ فيها وجه الله" (متفق عليه)؛ إذ كان إعطاء السادة والكبراء والإهداء إليهم إنما يراد به الاعتزاز بهم، واصطناع منزلة عندهم، ولم يكن يعرف مقصد النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- الذي لم يرد إلا تأليف قلوبهم، واستدراجهم إلى الإسلام، لإنقاذهم من النار، وتقوية المسلمين بهم، وكان له رأي في المال غير رأي البشر العاديين، وسياسة في إعطائه غير سياتهم المعهودة، كما يبدو من قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إني أعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، أعطي أقواما لما في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكِل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير" (رواه البخاري)، وفي رواية: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكبه الله في النار" (متفق عليه). كما فهمه بعض الأنصار، لما رأوه -صلى الله عليه وسلم- يعطي المهاجرين والطلقاء (مسلمة الفتح من قريش) ولا يعطيهم، فقالوا: "إذا كانت شديدةٌ، فنحن نُدعَى، ويعطى الغنيمةَ غيرُنا". ولم يكن إعطاؤه الطلقاء والمهاجرين عن ميل لقريش، ولا إيثار لهم على الأنصار، فما كان ليؤثر أحدا على الأنصار، وإنما هو كما قال -صلى الله عليه وسلم- مبيِّنا للأنصار ما أراد: "إِنَّ قريشا حَدِيثو عهد بجاهلية وَمُصِيبَة، وإني أردتُ أَن أجبرهم وَأَتَأَلَّفَهُم، أما ترضون أَن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إلى بيوتكم؟ قالوا: بلى. قال: لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شِعبًا لسكت وَادِيَ الأنصار أو شِعبَ الأنصار".
وكتابات الغربيين والملحدين والمرتدين الناقمين على الإسلام لا تفسر أعمال النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا بما تعرف من أعمال البشر العاديين الذين ليس لهم أرب وراء الأهواء والمنافع المادية الخاصة؛ لأنهم لا يؤمنون بما وراء المادة، ولا يؤمنون بالنبوة، ومن كان كذلك، فهو معذور ألا يفهم فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا بما عهد من نفسه. لقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يؤمل أن يهتدي قريش، ويعلم أن ذلك كائن، كما يبدو من قوله لعمر بن الخطاب، لما قال له: "دَعْنِي أَنْزِع ثَنِيّتَي سُهَيلِ بن عَمرٍو، وَيَدْلَعُ لسانه؛ فَلا يقوم عليك خطيبا فِي موطن أبدا"، فقال له: "إنه عَسَى أَن يقوم مقاما لا تَذُمّهُ"، "فكان ذلك المقام أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما توفي ارتجت مكة؛ لِمَا رأت قريش من ارتداد العرب، واختفى عتاب بن أسيد، أمير مكة، للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقام سهيل بن عمرو خطيبا، فقال: يا معشر قريش، لا تكونوا آخر من أسلم، وأول من ارتدَّ، والله إن هذا الدين ليمتدُّ امتداد الشمس والقمر، من طلوعهما إلى غروبهما، في كلام طويل...، وأُحضِر عتاب بن أسيد، وثبتت قريش على الإسلام". وكما يبدو من بعض الآيات، كقول الله -تعالى-: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة)، (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما). هذا إلى قرائن أخرى بينة، تجعل دخولهم المستمر في الإسلام دليلا على أن ليس هنالك تمنُّع، وإنما هي عماية جهل، كانت تتقشع مع الأيام، وآية ذلك من آمن من قريش في أثناء صلح الحديبية، ومن آمن منهم بعده، وقبل فتح مكة، كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان. وكان -صلى الله عليه وسلم- مكاشفا بكثير مما يكون بعده، كما عبرت عن ذلك الأحاديث الصحيحة، كقوله: "لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ الليل والنهار وَلا يترك اللَّهُ بيت مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا أدخله الله هذا الدين، بِعِزِّ عزيز أو بِذُلِّ ذليل، عِزًّا يعزُّ الله به الإسلام، وذلا يذل الها به الكفر"، وفي صحيح البخاري: "والله لَيَتِمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه". وقوله في تفسير قول الله تعالى: (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم): "لو كان الإِيمان عند الثُّرَيَّا لناله رجال، أَو رجلٌ مِن هؤُلاءِ" (متفق عليه)، يعني الفرس، أي إنهم يبلغون من الإيمان والعلم مبلغا، وقوله: "إنكم ستفتحون مصر".
ولم تكن رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم- رسالة انتقام، وإنما كانت رسالة رحمة وهداية، فلم يكن يعتدُّ بما فعلت به قريش، ولا غيرها من الناس، إذا تحقق له ما يرجو من هدايتهم، فإنه -صلى الله عليه وسلم- لما جاءه جبريل -عليه السلام-، مرجعَه من الطائف، فَقَال له: "إن الله قد سمع قول قومك لك، وما رَدُّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال، لِتَأمرَه بما شِئتَ فيهم، فناداني ملك الجبال، فَسَلَّمَ علي، ثم قال: يا محمد: ذلك فيما شِئت، إن شئتَ أن أُطبِقَ عليهم الأَخْشَبَينِ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: بل أَرجو أن يُخرِجَ اللَّه من أصلابهم مَن يَعبد اللَّه وحده لا يشرك به شيئا"(متفق عليه). ولم يكن يرجو هداية اليهود، في الجملة، فقد كانوا يستيقنون في أنفسهم بأنه رسول الله، ويجحدون به عمدا، كما ثبت في الأحاديث والأخبار الصحيحة، ونطقت به الآيات الصريحة التي نكتفي منها بقول الله -تعالى-: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)، (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون). وكان مبعث هذا التكذيب الحسد، والكبر، كما قال الله: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسكم من بعد ما تبين لهم الحق).
كل العداوة قد ترجى مودتها إلا عداوة من عاداك عن حسد
وكان اليهود يحقدون على النبي -صلى الله عليه وسلم- حقدا غير عادي، ويسعون في القضاء على دولته، كما يبدو من قول حيي بن أخطب، وهو يتقدم ليقتل: "أما والله، ما لمتُ نفسي في عداوتك"، ومن أمر المرأة التي قالت عائشة -رضي الله عنها- إنه لَم يُقتَل مِن نساء بني قريظة غيرها، فقد كانت تدخل عليها وتجالسها، "تحَدثُ، تَضحَكُ ظَهرًا وبَطنًا، ورسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم يقتل رجَالهم بِالسيوفِ"، حتى إذا "هَتَف هَاتِفٌ بِاسمِها: أَينَ فلانَة؟ قالت: أنا، قلتُ: وما شأنك؟ قالت: حَدَثٌ أَحدثتُه"، وتصف عائشة جلَدها ورضاها بما يصيبها: "فَانطلَق بها، فَضُرِبَت عنقها، فَمَا أَنسَى عَجبًا مِنهَا أَنَّهَا تَضحَكُ ظَهرًا وَبَطنًا، وَقَد عَلِمَت أَنَّهَا تُقتَلُ"، وإنما ذلك من أنها صاحبة رسالة، تموت من أجلها، ولا تبالي ما يصيبها فيها. نضيف إلى ذلك ما دبرت له زينب بنت الحارث، أخت مرحب اليهودي بخيبر من الشاة المسمومة، فلما سألها، لمَ فعلت، قالت له: "أَرَدتُ لأقتُلَك". فهي أمة جادَّة في استئصال أمَّة أخرى، يستوي في ذلك رجالها ونساؤها. وكل ما كان يرجى منهم أن يكونوا مواطنين عاديين، يستمسكون بدينهم، ويتعاونون مع الدولة والمجتمع الذي هم فيهم، ويُأمَن شرهم، ولكن التجربة أثبتت أنهم لا يصلحون لذلك، فلم يكن بدٌّ من إخراجهم، وقتْل من قاتل منهم.
وقد منَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على بني قريظة يوم ظفر بهم أول مرة، ولم يكن منُّه مدفوعا بقرابة، وكذلك منُّه على أهل مكة، لم يكن مدفوعا بقرابة، ولا بما سماه المقال "اتبنعيمه". فماذا أثمر المنُّ على قريش، وماذا أثمر المنُّ على قريظة؟ أسلمت قريش كلها، فحسن إسلام جلها، وكان منها الأبطال المجاهدون الذي دوَّخوا العالم، وضربوا المفتونين عن دينهم، حتى ردوهم إليه، ووحدوا العرب في الجزيرة، وفتحوا الفتوح، ومصَّروا الأمصار، وأداروا الدولة خير إدارة في عهد الخلفاء الراشدين، فطويت صفحة الكفر والجاهلية، وفتحت صفحة التقوى والصلاح والتفقه في الدين، والجهاد في سبيل الله من أجل التكفير عن ذلك التاريخ الذي غدوا يستحيون منه، واعتذروا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتبدل بغضهم له حبا، كما قد رأينا في كلام هند بنت عتبة. واشتغل اليهود بالمكر والكيد والتحريض، ومناصرة الوثنية والوثنيين على التوحيد الذي يفرض أنه أقرب إليهم من الكفر، كما قال الله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا). ولم يعادوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وحده، بل عادوا من آمن منهم، كما عادوا عبد الله بن سلام. فهل يلوم النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في عملين، هاتان عاقبتاهما منصفٌ؟ أو يدَّعي أنهما عملان مدفوعان بعنصرية وتعصب؟!.
لقد أهدر النبي -صلى الله عليه وسلم- دم بعض قريش، ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة، ودعا الأنصار يوم فتح مكة إلى لقاء سري، خصهم فيه بوصية من دون قريش، كما قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يوم الفتح، ...، فقال: يا أبا هريرة، ادعُ لِى الأنصار، فدعوتهم، فجاؤوا يهرولون، فقال: يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟ قالوا: نعم. قال: انظروا إذا لقيتموهم غداً أن تحصدوهم حصدًا،...، قال فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه، ...، فجاء أبو سفيان فقال: يَا رسول اللَّه، أُبِيدَت خضراء قريش، لاَ قريش بعد اليوم! قال أبو سفيان: قال سول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: من دَخَدخللَ دار أبي سفيان، فهو آمن، ومن أَلقَى السلاح، فهو آمن، ومن أغلق بابه، فهو آمِنٌ" (صحيح مسلم). لقد أمر أن يوضع السيف فيمن تصدى لجيش المسلمين من قريش، ووكَّل بذلك الأنصار، دون قريش مخافة أن تعطفهم عليهم عواطف الرحم، فأعمل فيهم الأنصار السيف، فهل يفعل هذا عنصري أو قبلي، يتعصب لأهله؟!. ولم يكن ما أمر به الأنصارَ من قتل من أشرف لهم من قريش انتقاما منها، ولا ثأرا لمن قُتلوا من أصحابه في الأيام التي كانت بينه وبينهم، ولا كان ما فعل ببني قريظة انتقاما، وإنما فعل ما فعل بقريش دفاعا عن النفس، أما بنو قريظة، فكان قتله إياهم تأمينا لشعب أن يستأصل، وحفظا لدولة أن تُزَال. والانتقام إنما هو إنزال الضر بالمرء على سبيل التشفي والثأر، وليس له غاية وراء ذلك، والدفاع والتأمين دفْع للضر قبل وقوعه، أو رفع له بعد الوقوع. لقد أهدر النبي -صلى الله عليه وسلم- دم هبار بن الأسود، لأنه كان شديد الأذى للمسلمين، وعرض لزينب بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لما هاجرت إلى المدينة، فنخس بعيرها، فأسقطت، ولم يزل ذلك المرض بها حتى ماتت، وقد أغضب فعله النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما أعلن بإسلامه، قبلَ منه، وقال له: الإسلام يجبُّ ما قبله، فلما قدم المدينة، جعل الناس يسبونه، فذكر ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال له: "سُبَّ من سبَّك". وحسبك من عدم الانتقام أن يجيئه وحشي، قاتل عمه حمزة، فيبايعه، ثم لا يزيده على أن يقول له: "غيِّب عني وجهك"؟.
أما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سبى نساء بني قريظة وذراريهم ولم يفعل ذلك بمكة، فإن المقال يعطي أمرين متباينين حكما واحدا، من أجل أن يصل إلى حكم، قرره سلفا، فإن لم يجد ما يستدل به، فسَّر الحوادث تفسيرا لا تحتمله، إذا هي وضعت في سياقها الصحيح. فمكة ما نقضت عهدا، كما نقضته قريظة، وإنما كانت تعادي عداوة صريحة، وتحارب حربا معلنة لا هوادة فيها، ولما خرقت الهدنة التي بينها وبين النبي -صلى الله عليه وسلم-، غزاها نصرةً لحلفائه من خزاعة، أي إنه حارب عشيرته من أجل حلفائه، على وجه يدل على أن ما سماه الكاتب "اتبنعيمه" لم يكن لها اعتبار عنده، ولا مكان في نفسه، على الوجه الذي فهم الكاتب، وإنما تحركه أصول (مبادئ)، وقيم، وشرْع. ولما أراد أبو سفيان أن يجدد العهد بعد ما نقضته قريش، لم يستجب له النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما استجاب لقريظة لما نقضت عهدها الأول، بل كان هو الذي حضها على تجديد العهد. فلما دنا من مكة، تلقاه بعض سادتها، فأسلم، فلما دخلها نهى عن قتال أهلها إلا أن يبدؤوا المسلمين بقتال؛ لأن مكة بلد حرام، من دخله كان آمنا، ولا يحل القتال فيه، وإنما أحله الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم- ساعة من نهار، فقصر إباحة القتل فيها على الدفاع عن النفس، فلما تعرض لجيشه بعض أهلها بالقتال، قتلهم، فسأله أبو سفيان أن يكف عن قتل قريش، وتوسل إليه بالرحم، فقال لهم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح، فهو آمن ومن أغلق بابه، فهو آمن"، وإنما هذا تأكيد لما كان قد عقد عليه العزم، وأمر به أمراءه "ألا يقتلوا إلا من قاتلهم"، وهو حضٌّ لقريش على الاستسلام، وترك القتال، حتى يتيسر دخول مكة سلما.
أما لماذا لم يسْب النساء، ويسترقَّ المقاتلين، فلأنه أمَّن أهل مكة كلهم، رجالا ونساء، على أن يتركوا القتال، ويلزموا المنازل. أما عدم قسْمة الأرض، فإن أكثر البلاد المفتوحة فُتِحت عنوة، فلم تقسم، وكان ذلك في عهد عمر، وعثمان، مع وجود أكثر الصحابة، "وقد زادت مكة عن ذلك بأمر يمكن أن يدَّعى اختصاصها به، دون بقية البلاد، وهي أنها دار النسك، ومتعبد الخلق، وقد جعلها الله -تعالى- حرما سواء العاكف فيه والباد"، "والإمام مخيَّر في قسمة الأرض بين الغانمين، إذا انتزعت من الكفار، وبين بقائها وقفا على المسلمين" (فتح الباري، 7/ 605 وما بعدها). ولم يضرب عليها الخراج؛ لأنها لم تكن أرضا زراعية، وإنما هي واد غير ذي زرع، كما قال سيدنا إبرهيم -عليه السلام-.
على أن هنالك أمرا، لم يفطن إليه المقال، هو أن عصبية العرب في الجاهلية كانت في قريش، وكانت إليها وجهتهم، وهم لها تبع فيما تقرر من أمر الدين، وآية ذلك أنهم ظلوا محجمين عن الإسلام، حتى إذا أسلمت قريش، دخلوا في دين الله أفواجا، ومن كان يفكر في إقامة دولة يقودها العرب لا بد أن يعلم أن قريشا هي القبيلة التي يجمعون عليها، من دون القبائل، كما قال أبو بكر الصديق يوم السقيفة: "لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش"، فلا بد من الحفاظ على بيضتها، واحتلال مكة وسبي نسائها، وقتل رجالها تمزيق لروابط العرب، وتركهم فوضى، لا سراة لهم، وهو إلى الإفساد أدنى منه إلى الإصلاح.

- أقلام حرة.