اللغة هوية

(1/ 4)

الأربعاء 18 كانون الأول (ديسمبر) 2013

بقلم/ مختار بن الغوث
هُوِيَّة الشيء: حقيقته التي تميزه من غيره، وحقيقته هي صفاته التي لا يشارَك فيها. وهوية الشعب ما لا يشارَك فيه من الصفات المعنوية، والصفاتُ المعنوية التي تتمايز بها الشعوب هي الثقافة، والثقافة هي: اللغة، والمعارف، والعقائد، والفن، والأخلاق، والأعراف، والشرائع، وطرائق التفكير والعيش. واللغة أهم هذه العناصر وألصقها بماهية الإنسان؛ لأنها دليل العقل، ومستودعه الذي يوعي من نتاجه ما لا يوعي غيرُه من وسائل التعبير، كالعمارة، والنحت، والرسم، التي تفتقر كلها إلى اللغة في حلِّ رموزها، وتفصيل مجملها، وليس فيها ما يقوم مقامها، أو يدانيها في وظيفتها. والعقل هو جوهر الإنسان الذي عليه مدار التشريف والتكليف، والاستخلاف والاستعمار، والحرية والاختيار. ولو كانت أصواتا مجرَّدة، تُبِينُ عن الانفعالات الدنيا، من غضب، وألم، وحنان، وشهوة، وانقباض، وانبساط، وتدار بها العلاقات بين النوع، ما كان لها فضل على أصوات سائر الأحياء؛ لأنها لا تختلف عنها في وظيفتها. وهي هويةٌ، من حيث هي صورة الفكر، ووعاؤه الملازم له ملازمةَ العرض للجسم، ولسانُه المبين عن منازعه التي لا يبين عنها غيره؛ إذْ ما تعوَّد الناس أن يَعْرِضوا له من المعاني، إنما يبين عنه ما تعوَّدوا أن يخرجوه فيه من الألفاظ. وهي تاريخ الفكر، والحياة، والعلاقاتِ الحضارية، ومعجم البيئة، وصورتها في وجدان الشعوب؛ فمن دأب اللغة أن تبدأ حسية، ثم تنتقل -بالمجاز- إلى المعنويات، فتوظِّف المعاني الحسية التي لم تكن تَعْرِف غيرَها، في صبح الوجود، في الإبانة عن المعاني غير الحسية، التي تباينها في الظاهر مباينة، تبعِّد -باديَ الرأي- أن تُبِين عنها، لما يبدو من تقطُّع الأسباب بينها، وعدم وجودِ مشترَكٍ، يسوِّغ التعبير بها عنها، فالعقيدة، والشرف، والغيب، والإخبات، والكفر، والنفاق -مثلا- تدل على أمور معنوية، وهي مأخوذة -في الأصل- من كلمات تدل على معان حسية، توسَّل بها العرب إلى التعبير عنها، فالعقيدة من العَقْد، وهو: الشَّد والوثوق، ثم استُعمِلت فيما لا يقبل الشك والنقض من الأحكام، كأن القلب عُقِد عليه كما يُعقَد على ما يُخْشى ذهابه من مُهِمِّ الأشياء. والشَّرَف: الموضع، يرتفع عما حوله، ثم استعير للعلو والمجد، كأنَّ من نزل من المجد منزلة علا غيرَه وارتفع عليه، كما يعلو من حلَّ في شرف من الأرض. والغيب: ما اطمأن من الأرض، كما يبدو من قول المثقِّب العبدي:
عَلَوْن رَباوةً وهبطْن غيبًا+++فلم يَرْجِعْنَ قائلةً لحِينِ
ثم استُعمل فيما يغيب عن الحس من حقائق الوجود الدنيوية والأخروية، تشبيها له بما انخفض من الأرض؛ لأنه يغيب عن العين، ويغيب عنها ما يكون فيه. والإخبات مشتقٌّ من الخَبْت، وهو: ما انخفض من الأرض واتَّسع، وسُمِّيَ الخشوع والتواضع إخباتا لأن فيهما تنزُّلاً بالنفس عما تنزع إليه من التعالي والكبرياء. والكُفر: الستر والتغطية، كما في قول الله -تعالى-: (كمثل غيث أعجب الكفَّار نباته)، أي الزرَّاع، سُمُّوا كفارا لأنهم يكفرون الزرع، أن يدفنونه في الأرض، ثم استعمل في ضد الإيمان، لأنه تغطيةٌ للحق. والنفاق مشتق من النافقاء، وهي: "إحدى جِحَرَة اليربوع، يكتمها ويظهر غيرها"، يقال: نافق اليربوع، إذا دخل نافقاءه، وسمي إظهار الإيمان وإبطان الكفر نفاقا لشبهه بما يفعل اليربوع من إظهار أنه دخل في جحر، وإنما دخل في غيره؛ ليُضِلَّ الصائد عن نفسه.
ويتجلَّى توظيف المعاني الحسية في الإبانة عن المعاني المعنوية، على بعْد ما بينها، في علم العروض، فإن جلَّ مصطلحاته مأخوذ من معان حسية معلومة، كالبيت، والمصراع، والعروض، والسبب، والوتد، والوَقْص، والخَبْن، والعَقْل، والعَصْب، والقبض، والشَّكل، والكَفِّ، والترفيل، والتذييل، والحَذَذ، والصَّلْم، والقافية، والإقواء، إلخ. وإذا كان اعتباط العلاقة بين اللفظ والمعنى يعين مَنْ ليس مِن أهل اللغة على أن يعرف معاني المفردات المجازية، على وجه الإجمال، دون حيثيات نقْلها من الحقيقة إلى المجاز، والعلاقة بين ما نُقِلت منه وما نُقِلت إليه، فإنه يَقْصُر معرفتَه على ظاهرها، ويُفيته الشعورَ بقيمتها الفنية، حين توظَّف في البيان الذي يُتوخَّى فيه التأثير، ولا يقتصر على الإبلاغ، هذا إلى ما يفيته من فقْه بأسرار اللغة البيانية، ومعرفةٍ بتاريخ الألفاظ وتطورها، فلا يزيد علمه بها على معرفة القشرة، وإن كان ذلك القدر من المعرفة قد يعين على الانتفاع بما يُكتَب بها من النصوص التي لا تتغيا أكثر من التعبير القاصد عن الحقائق الموضوعية، كالنصوص العلمية البحت.
ويتأتى نقل اللفظ من الدلالة الحسية إلى الدلالة المعنوية من إلْف الأشياء، وطول صحبتها، فإنهما يقيمان لها في وجدان الشعوب صورا، ويخلعان عليها من المعاني ما ليس فيها حقا، ويجعلانها رموزا لبعضها، كما خلع العرب التذكير والتأنيث على بعض العجماوات، على سبيل المجاز، مع أنهما غير معقولين فيها، في الحقيقة، وجعلوا الشمس والقمر رمزا للبهاء والرفعة، والمَها والظِّباءَ رمزا للجَمال، والنمر رمزا للشراسة، والأسد رمزا للشجاعة، والحمار رمزا للبلادة وصبرِ الذليل العاجز، والوتد رمزا للذل وقلة الناصر، والحبْل رمزا للعلاقة، والجبل رمزا للرزانة، والبحر رمزا للسعة، والسحاب رمزا للعطاء المغني، إلخ. وإنما تستعمل المعاني الحسية مجازا في المعاني المعنوية، لتقريب بعيدها، وإيضاح خفيها، وتشخيص غير الحسي منها، ويُبْنَى ذلك على صورها الوجدانية، التي هي جزء من الثقافة، فيختلف التوظيف باختلاف ما يصنع الإلف بينها وبين الشعوب من علاقات نفسية، فيستعار اللفظ للمعنى، أو يكنى به عنه، في لغة، ولا يستعار له ما يقابله في لغة أخرى، لاختلاف دلالتهما الثقافية في اللغتين، فإذا تُرْجِم ذلك ترجمة حرفية لم يدلَّ على شيء، أو دلَّ على معنى غير الذي يدل عليه في اللغة التي ترجم منها، كالكناية عن الكرم بهُزال الفصيل، وجُبْن الكلب. ويشبَّه الشيء بالشيء في لغة، ولا يُشَبَّه به في أخرى؛ لأن ما يحيل عليه في الثقافتين مختلف، كما يشبه العرب المرأة بالناقة في طول القامة، كقول الشاعر:
تُريكَ إذا دخلْتَ على خلاءٍ+++وقد أمِنَتْ عيونَ الكاشحينا
ذراعَيْ عَيْـطَلٍ أدمـاءَ بِكرٍ +++تربَّعـتِ الأجـارعَ والمتونا

وربما كان هذا التشبيه من أقبح ما يُتَخيَّل في الثقافات الأخرى، وأدلِّه على الجفاء وغلظ الطبع، لبُعْد ما بين الناقة وما يُتَغَزَّل به من معاني الأنوثة. ويشبَّه المرء بالحَمَل، في الثقافة الغربية، إذا أريد وصفه بالوداعة، ولا يشبَّه به في العربية؛ لأن الشاء فيها مما يَرْمُز إلى البلادة، كما يبدو من قول الله -تعالى-: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء). يستثنى من ذلك الكبش والنعجة، فإن الكبش يستعار للبطل القائد، وتستعار النعجة والشاة للمرأة، كما في قول عمرو بن معديكرب:
نازلتُ كبشَهمُ ولم+++ أرَ منْ نزالِ الكبش بُدَّا
وقول كثيِّر عزة:
بِلَيْلَى وجاراتٍ لِليلَى كأنّها+++نِعاجُ المَلا تُحْدَى بهن الأباعِرُ
والبيت المنسوب إلى عنترة:
يا شاةَ ما قنَصٍ لمن حلَّت له،+++حرُمتْ عليَّ، وليتها لم تَحْرُمِ!
وتشبَّه المرأة بالنعجة لا من حيث هي شاة من الضأن، وإنما من حيث هي مهاة أو ظبية، والمها والظباء تُنزَل -في ثقافة العرب- منزلةَ الضأن، كما تُنزَل الوعول منزلة المعز، كما يبدو من البيت المنسوب إلى امرئ القيس:
فعنَّ لنا سِرْبٌ، كأنَّ نعاجَه+++عذَارى دوارٍ في المُلاءِ المُذَّيلِ
وكذلك إذا شُبِّهت بالشاة، فإنما يراد تشبيهها بالنعجة، بهذا المعنى، أو شُبِّهت بالبقرة، فإن البقر، في مقام الغزل، إنما يراد به المها، في ثقافة العرب. فالتشبيه بهذه الحيوانات -إذن- لا يؤديه التشبيه بما يقابلها في اللغات الأخرى، كـ (ewe - النعجة)، و (cow - البقرة) و (ram - الكبش) في الإنجليزية -مثلا-، بل قد يُفهَم منه الغض من الرجل والمرأة، كما يَفْهَم ذلك مَنْ لا يعرف العربية الفصحى من العرب؛ لأن التشبيه -في ثقافتهم- يؤول إلى التشبيه ببقرة أهلية، وشاة من الضأن، ذكَرٍ أو أنثى، وهما رمز البلادة وقلة الفهم، وليس بينهما وبين البطولة والجمال علاقة تسوِّغ التشبيه، وهو في العربية الفصحى يؤول إلى القائد والبطل، والتشبيه بالمها والظباء التي هي رمز الجمال. والذي جعل الخراف في الثقافة الأوروبية، والإبل في ثقافة العرب على ما هي عليه هو طبيعة البيئة العربية الصحراوية التي صنعت علاقة العرب بالإبل، ولا سيما الناقة، وطبيعة البيئة الأوروبية الريفية التي صنعت علاقة الأوروبيين بالضأن. وكذلك اختلاف إيحاء الكلمة في لغة عن إيحاء ما يقابلها في لغة أخرى، لاختلاف البيئة، فالخريف -مثلا- في اللهجة الحسانية (اللهجة الموريتانية) رمز الحياة؛ لأنه فصل الخصب والتكاثر، والكلمة التي تقابله في الإنجليزية (autumn) رمز الفناء؛ لأن الخريف في بريطانية بعكس الخريف في موريتانية. وقد يحدث مثل هذا في الثقافات الفرعية التي تنتمي إلى ثقافة واحدة، فتكون للفظ، على وحدته، إيحاءات متباينة، فالذئب في نجْد والخليج العربي -مثلا- رمز الفطنة والدهاء، والمرءِ، يَكْفي ما وُكِل إليه، وفي التشبيه به توثيقٌ وامتداح، وفي التسمية به تفاؤل ورجاء، وهو في موريتانية رمز للمكر والاحتيال، وفي التشبيه به ذمٌّ وانتقاص، وكذلك كان في ثقافة العرب الأولين، كما يبدو من أمثالهم: "أَحْوَلُ مِنْ ذِئْبٍ" (من الحيلة)، "أغْدَرُ مِنْ ذئْب"، "أَلأم مِنْ ذِئْبٍ"، "أوْقَحُ مِنْ ذِئْبٍ"، "أخْوَنُ مِنْ ذِئْبٍ"، "أَظْلَمُ مِنْ ذِئْبٍ"، "من استرعى الذئب ظلم". وتصنع المعارف والمأثورات الدينية والأدبية والشعبية معاني للأشياء والمفردات، ما كانت تدل عليها بنفسها، لا حقيقة ولا مجازا، ولمََّا كانت معارف الشعوب ومأثوراتها تختلف، كان لزاما أن يختلف إيحاء المفردات وما يقابلها من اللغات الأخرى اختلافَ الثقافات، فالحمامة -مثلا- رمز للسلام، في ثقافة الغرب، مستوحى من قصة، وردت في بعض الإسرائليات، تقول إن نوحا -عليه السلام- لما تقضَّى الطوفان، بعث بغراب، يستطلع له حال الأرض، فلم يَعُدْ، فبعث بحمامة، فعادت إليه وفي منقارها غصن زيتون؛ فعلِم أنْ قدْ أنبتت، وصلحت للحياة. وهي في ثقافة العرب رمز الفقد، والشَّجا، والوفاء للميت، مأخوذ من أسطورة، تدَّعي أن جارحا اعتدى على فرخ لها، في عهد نوح -عليه السلام-، فقتله؛ فهي تنوح عليه أبدا، كما قال أبو العلاء المعري:
أبناتِ الهديل، أسعِدْنَ، أو عِدْ+++نَ قلـيلَ العَــزاءِ بـالإسـعـادِ
إيـهِ، لله دركـنَّ؛ فـأنْتُنْ+++ نَ اللـواتي تُحْسـنَّ حـفظَ الـودادِ
ما نسيتنَّ هالكًا في الأوانِ الـــــخال+++أوْدَى منْ قبلِ هُلْكِ إيادِ

فما توحيه "الحمامة" من المعاني، في الثقافة العربية، يختلف عما توحيه (pigeon)، في الإنجليزية اختلافَ الثقافتين. ومن هذا القبيل ما يصنع الأدب للأمكنة في النفوس، وما يحمِّلها من المعاني، كما صنع الشعر العربي للعقيق، والحمى، وزَرودَ، واللِّوى، والبان، والعَلَم، وحاجرٍ، وذي سلم، إلخ، ثم تغدو دلالتها على تلك المعاني، وما تشع به من الإيحاءات، دلالة خاصة بها، لا يقوم مقامَها في التعبير عنها غيرُها من ألفاظ اللغة، ولا من ألفاظ غيرها من اللغات، ولا يفهمها، ويستشعر ما فيها من إيحاءات، ويتذوقها وينفعل بها إلا أهلُ اللغة؛ لأن ما تدل عليه جزء من ثقافتهم، وصورة من شعورهم، لا يمكن أن يشعر بها غيرهم، إن أمكن أن يتصورها تصورا نظريا، كما لا يستشعر دلالة "الحمى" وإيحاءاته المعبرة في قول ابن سينا، في قصيدته الرمزية في الروح:
تبكي إذا ذكرتْ عهوداً بالحِمَى+++ بمدامـعٍ تَهْـمي ولمَّا تُقْلِعِ
وتظلُّ ساجِعةً على الدِّمَنِ التي +++دَرَستْ بتَكرارِ الرياحِ الأرْبَعِ
إلا من كان على علم باستعمال "الحمى" في الشعر العربي القديم.

ومعلوم أن أكثر اللغة مجاز؛ لأن المعاني التي لا تتناهى لا تعبِّر عنها المفرداتُ المتناهية إلا بالمجاز والاشتقاق. وقد كانت مفردات اللغة في صبح الإنسان معدودة، لا تزيد على أسماءِ ما في بيئته الأولى من مخلوقات، ثم غدت، بالمجاز والاشتقاق، لا يحيط بها إلا نبي، كما قال الإمام الشافعي -رضي الله عنه-. وكل استعمال مجازي هو صورة وجدانية، وبيان عن علاقة بين أمرين، يورَّثان بالاستعمال، فيغدوان جزءا من فكر الشعوب وشعورها، لا ينوب عنه في البيان إلا ما كان منه بسبيل. من أجل ذلك كانت اللغة مستودعا للشعور والثقافة؛ لأن أكثرها رموز محمَّلة بالإيحاءات الثقافية الدالة على علاقة الإنسان النفسية والوجدانية بالبيئة، وكانت اللغة الأم هي التي تعبر عن الفكر والشعور، دون غيرها من اللغات التي يمكن أن يُقارَب بها المعنى، ويُعَبَّر عن مجمله تعبيرا، يقع دون ما في النفس أبدا؛ إذ ليس في وسع المرء أن يتمثل لغة غيره، من حيث هي ثقافة، كما يتمثلها أهلها، وكما يتمثل هو لغته وثقافته، هذا إلى أن البيئات والثقافات لا تتطابق؛ فحتْمٌ أن تقصِّر اللغة عن الإبانة عن غير المشترك منها، وحتْمٌ -أيضا- أن يقصُر الفهم عن تصوره تصورا دقيقا، إذا عُبِّر عنه بلغة غير اللغة الأم؛ فمن لم يتمثل الثقافة والبيئة كان لزاما ألا يوقع ألفاظ اللغة مواقعها الدقيقة، وألا يفهم دلالاتها كما يريدها أهلها؛ لأن الثقافة هي روح اللغة ومضمونها، وتمثُّلها شرط تملُّك اللغة، والتمكُّن منها. واللغة -إلى ذلك- مَلَكَة، والملكة إذا تسبَّقت إلى محلها ملكةٌ أخرى، "قصَّرت بالمحلِّ عن تمام الملكة اللاحقة؛ لأن تمام الملكات وحصولها للطبائع التي على الفطرة الأولى أسهل وأيسر، وإذا تقدَّمتها ملكة أخرى، كانت منازِعة لها في المادة القابلة، وعائقة عن سرعة القبول، فوقعت المنافاة، وتعذَّر التمام في الملكات الصناعية كلها على الإطلاق ...، وانظر من تقدَّم له شيء من العجمة كيف يكون قاصرا في اللسان العربي أبدا، فالأعجمي الذي سبقت له الفارسية لا يستولي على ملكة اللسان العربي، ولا يزال قاصرا فيه، ولو تعلَّمه وعلَّمه، وكذا البربري والرومي والإفرنجي، قلَّ أن تجد أحدا منهم مُحْكِما لملكة اللسان العربي، وما ذلك إلا لما سبق إلى ألسنتهم من ملكة اللسان الآخر". وهذا سبب أن المرء إذا تكلَّم بلسانين "عَلِمْنا أنَّه قد أدخلَ الضيمَ عليهما؛ لأنَّ كل واحدةٍ من اللغتين تجذب الأخرى، وتأخذُ منها، وتعترضُ عليها، وكيف يكونُ تمكُّنُ اللسان منهما مجتمعين فيه كتمكُّنِه إذا انفرد بالواحدة، وإنَّما له قوَّةٌ واحدة؟". ومما يصدِّق هذا ما قال جورج سانتيانا -وهو فيلسوف إسباني، هاجر إلى أمريكة، وهو ابن تسع سنين- من أنه لم يجد لغة تقوم له مقام الإسبانية في التعبير عما في نفسه، على قِصَر ما لبث في إسبانية، وعلى إجادته الإنجليزية، وأنه تعلَّمها وعلَّم بها في جامعة هارفارد، ثلاثة وعشرين عاما، وكان -إلى ذلك- شاعرا، وروائيا، وكاتبا، وكان يكتب ويقرض الشعر بالإنجليزية. كما يصدِّقه ما قال عبد الفتاح كيليطو في تجربته مع الفرنسية، وقد درسها، ودرَّس بها في جامعات فرنسة، وألَّف، وظل -مع ذلك- يشعر بأن معرفته بها محدودة، وأنها دون معرفة الفرنسيين بها: "كنا ننجز إملاءات صحيحة، وإنشاءات لا تخلو من جودة، إلا أننا كنا لا نستطيع التحدث باللغة الفرنسية بطلاقة، ...، فقد كنا عاجزين عن التكلم مثل الفرنسيين. وقد استمرت الحال... على هذا النحو حتى اليوم، لا أستطيع أن أتكلم الفرنسية كما أكتبها". وما أدري هل كان جاك دريدا صادقا في قوله: "أنا أشعر بالضياع خارج اللغة الفرنسية، في حين أن اللغات الأخرى، كتلك التي أستطيع أن أقرأها، ولكن بصعوبة بالغة، أو تلك التي أحاول فك رموزها، أو أن أتكلمها أحيانا، فإنها لغات لا أستطيع أن أتكلمها أبدا؛ ذلك أن مقرَّ السُّكنى يعني -بالنسبة لي- البداية الحقيقة لإمكانية القول، وسأبقى كذلك. إنني، وأنا خارج الفرنسية، لا أشعر فحسب بأنني تائه تماما، خائر القوى ومذموم، ولكن أشعر أيضا بأنني أعمل على تشريف أو خدمة كل الألسن المتكلمة"؛ فقد كان يهوديا من يهود الجزائر، هاجر إلى فرنسة، وهو شاب، وليست الفرنسية لغته الأم، وإنما لغته العربية أو العبرية، كذلك يفهم من قوله: "أنا لا أملك إلا لغة واحدة (الفرنسية)، ومع ذلك فهي ليست لغتي".
وثمَّ شبه قريب بين اللغة والنَّغَم (الموسيقا) في هذا، فالنغم، لمَّا كان محاكاة لأصوات الطبيعة، تُبِينُ عن أثرها في النفس، وعن المعاني والتجارب الشعورية التي لم يقدر اللسان على استخراجها، فاستخرجتها "الطبيعة بالألحان على الترجيع، لا على التقطيع"، كان لكل شعب نغَمُه الذي لا يقوم مقامه نغمٌ آخر في التعبير عن تلك المعاني، والمشاعر، والتجارب. وكذلك النبر، فلكل لغة ولهجة نبرها، الذي هو بصمة صوتية شعبية لا يشارَك فيها أهلُها، ويعسر على غيرهم تمثلها، كما يعسر على أهلها أن يتخلصوا منها، كما يعسر عليهم أن يفلتوا من اللغة، بعد أن استحكمت أنظمتها في عقولهم، فنحن "لا نتحرر من لغتنا التي تربينا عليها في أسرتنا والتي اعتدناها وألفناها، فهي، حتى إن كانت في حالة كمون، فإنها تظل متربصة في المناسبات جميعها. على هذا النحو، فإن كل متكلم يعبر باللغات الأجنبية انطلاقا من لغته التي يمكن التعرف عليها عن طريق نبرة شاذة، أو لفظ أو تركيب، وأيضا عن طريق النظرة، وسمات الوجه"، وهو ما عبر عنه فرانز كافكا إذ قال: "أترون؟ إنني أتكلم اللغات جميعها، لكن بالييديش"، وحذا عليه عبد الفتاح كيليطو إذ قال: "مهما كانت الكلمات الأجنبية التي أتلفظها، تظل العربية مسموعة من خلالها، كعلامة لا تَمَّحي. أتكلم اللغات جميعها، لكن بالعربية". وحقيقة ذلك أن نظام اللغة الذي يسبق إلى عقل الإنسان يتملكه، ويتمكن منه تمكنا لا يبلغه نظام آخر؛ فيغدو كل شيء يقوله أو يكتبه بلغة أخرى إنما هو مترجم إليها من اللغة التي تتملكه، فهو يقيس إليها ما تعلم من اللغات، ولا يفهم منها أسلوبا، أو كلمة إلا بعد أن يوازنهما بنظيريهما من أساليبها وكلماتها، فيعلم أن يقعا منها. ولما كانت اللغات لا تتطابق، ولا يقوم بعضها مقام بعض في التعبير، كان حتما أن يترجم من لغته ترجمة حرفية، حين لا يجد في اللغة الثانية التعبير الذي يطابق ما في نفسه، على الوجه الذي عهد في لغته الأم، فتظهر آثار لغته للبصير باللغة الثانية، فيما يؤنس في كلامه من نبر، وتطريز صوتي، ولحن، وضعف تركيب، وغموض تعبير، وعدم دقة في إيقاع اللفظ موقعه، وتعبير غير معهود في اللغة وآدابها، ومعان غير مألوفة في البيئة وثقافتها. ومن أمثلة ذلك ما يقع فيه المستعربون من الخلط بين المذكر والمؤنث؛ لأن لغاتهم تخلو من التذكير والتأنيث، أو يخالف نظامها فيهما نظام العربية، فيجدون مشقة كبيرة في إيقاع كل منهما موقعه الصحيح الذي لا يستطيعه -من غير روية وتكلف- إلا من يتكلم العربية بالسليقة. وكذلك الأصوات، وإشارات الوجه وسائر البدن، فإنها تؤدي بعض ما تؤديه اللغة من المعاني، ولا تقوم مقامها في التعبير أصوات لغة أخرى، ولا إشاراتها.

- أقلام حرة .