بسم الله الرحمن الرحيم

زيارتي ل"اتويمرات": مـَشاهد و مـُلاحظات



بقلم: عبد القادر ولد الصيام-أمريكا


ouldsiyam@gmail.com



1


***


كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحا يوم الأحد الخامس عشر من شهر سبتمبر الماضي ( 2013) عند ما انطلقنا من منزل الإعلامي و الأستاذ : محمد الأمين ولد منّي في مدينة قرو ميمّمين وجوهنا شطر "اتويمرات" أو "اتويمرات كلاكه" و لسان حالنا يقول :


:


إلى أرض "كلاكة" سلام له عهد*** و ليس يُلام المرء ما كنّ أن يبدو


بلادٌ عهدنا العلم و الحلم و التقى*** و سـُنةَ خير الخلق فيها تجدد


بلادٌ خصها الله ب"الحاج" مكرما***و الأرض -كما في المثـْلِ- تشقى و تَسعد


كان هدفنا زيارة الشيخ, و إنجاز "فلم وثائقي" عن الشيخ و محظرته و منطقته ....


انطلقنا و كلنا رغبة في لقاء شيخ طالما تناقلت الرواة أخباره و ذاع صيته في العلم و الزهد و الكرم, و في الركـْب طلاب و أبناء إخوة و أخوات للشيخ , و لكن كنت أنا و زميلي "محمدن ولد سيد أحمد" -المصور القدير و الحكيم البصير- من الذين لم يحظوا بشرف رؤية الشيخ أو زيارته قبل هذه المرة .


كان أخونا "الحاج المقري" هاديا خريتا , و كانت سيارته "ال جي اكس" تطوي المهامه بين قرو و طريق "ازريمّايَه" ... مررنا بين "التقـِدِيوِن" و كنا ل"التقادة الواسعة" ( تقادت أهل لبّيز) أقرب , و لم نكن بعيدين من تقادت "إريجي" ...


و رغم أن المسافة بين قرو و "اتويمرات" -عبر هذا الطريق- لا تتجاوز 63 كيلومترا, إلا أنها شاقة و تحتاج سائقا ماهرا و أدلاّء يشبهون القطا في الرؤية و المهارة ..


و يعتبَر الجانب "الصخري" من الطريق الأصعب , و بالرغم من أنه لا يتجاوز اثنا عشر (12) كيلومترا إلا أن السيارة تقطعه في ساعتين و جزء من الساعة !!! مع أنه يحتاج إلى شدة الانتباه و الحذر الشديد, و قد تتسبب غفلة السائق أو ذهوله في ما لا تُحمَد عقباه !


أما المفاوز و المهامه التي قبل هذا الطريق فحدّث عنها و لا حرج , فقد تتعطل السيارة في الوحل -أيام المطر- أو تبتلعها بعض الرمال المتحركة لو ضلّ السائق و خرج عن الطريق المألوف!


بعد ساعتين من السير الحثيث بدأنا "نتسلق" "سن تكانت" سالكين طريق "ازْرَيْمــّايَه" عبر "الجسر الأول" للطريق , و الذي هو من صنع السكان المحليين و في مقدمتهم الشريف : محمد الزين ولد القاسم, الذي يعود له الفضل -بعد الله تعالى- في شق هذه الطريق و تذليلها, كما أن له "محطة استراحة" في وسط الطريق تتوفر على عريش ( امبار) مُغلـَق من الاسمنت , توجد به بعض التجهيزات و الأواني و أدوات الطبخ و إعداد الشاي , و هي المنطقة "الوحيدة" التي يمكن الاتصال منها هاتفيا بين "قرو" و "اتويمرات" حيث تقع على مرتفع شاهق يُقَدّر بمائتي (200) متر , و يمكن مشاهدة "اشقيق" و "اقليب كامور" من هذا المكان الذي توجَد به المحطة.


توقفنا قليلا عند كهف "أكنتور الجماعة" ( الذي تم اكتشافه و تسميته و الكتابة عليه من طرف بعض المشاركين في هذه الرحلة في زيارة سابقة) و قمنا بإعداد الشاي و وجبة خفيفة , ثم صلينا -و المطر ينزل بغزارة- تحت بعض الكهوف و "الحِرف", و بعد توقف المطر واصلنا السير علّنا نكمل المسافة المتبقية من الطريق الجبلي الوعر ( 6 كيلومتر ) قبل حلول الظلام ....


عندما انتهت السلسلة الجبلية -التي يمر منها طريق "ازريمايه" استقبلتنا سهول ذهبية اللون مليئة بالعشب و النبات و كانت تلك بداية "اتويمرات"..


***


2


***


واصلنا سيرنا باتجاه منزل العلامة لمرابط الحاج ولد فحفُ و توقفنا أمامه -بينه و بين المسجد-


نزلنا و مررنا للسلام عليه في عريشه ( امبار من الاسمنت) و كان الوقت حارا -و في الحر يكون الشيخ في غيبوية- لكنها لا تمنعه من تلاوة القرآن و ذكر الله تعالى, و في الأوقات الباردة يكون بمقدور الشيخ -الذي قارب المائة سنة - أن يُحدّث الناس و يَدعو لهم - و قد حدث ذلك لبعضنا في بعض الأوقات الباردة -, و قد امتنعتُ عن تصوير الشيخ نظرا لظروفه الصحية , و أسأل الله تعالى أن يُديم عليه نعمته و عافيته و يجعلنا وإياه ممن طال عمره و حسُنَ عمله...( آمين).


.. ثم توجهنا إلى "دار الضيافة" حيث غمرنا الأهل و الأحباب بالإكرام و الإحسان و الترحيب .


و لمرابط الحاج هو الحاج بن السالك بن الشيخ ولد عبد الرحمن ( المعروف ب"باكّ" و "فحفُ"...) الأمسمي, و قد درس "فحفو" على العلامة سيدي عبدُ الله ولد الحاج ابراهيم العلوي و الذي أجازه في كل مروياته , و حَلـَفَ له بأنه عالِم -كما تواترت بذلك الروايات-


و محظرته من أعرق المحاظر في تكانت و لعصابه, حيث تعاقب عليها أربعة أجيال من العلماء و عمرها يزيد على قرنين و نصف (+250 سنة ) . و يصدق على الشيخ لمرابط الحاج و أجداده قول ذي الرمة في "بلال بن أبي بردة" بن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-:


بنى لكم المكارمَ أوّلوكم*** فقد خلدت كما خلدَ الجبالُ


وصلنا الساعة الرابعة و كان وقت العصر قريبا .. اتجهنا للمسجد و صلينا فيه , و كان المشهد جميلا -و لا غرابة- حيث عشرات الطلاب بين تالٍ للقرآن و مردّد للأنظام الفقهية و أنظام "علوم الآلة" , و بين متأبط لوحه يكرر و يردد ما قرأه في "كهف المراجعة"- ويتخذ معظم الطلاب من الكهوف المحيطة بالقرية مكانا للحفظ و المراجعة بعيدا عن صخب القرية و عيون الناس-


و بين طالب يراجع مع صاحبه (الدولة) و آخر يعلم صغيرا أو مبتدئا ....إلخ


طلاب كثر -و لهم ما يزيد على سبعين عريشا - و من مختلف أنحاء البلاد ( و هناك عريش خاص للطلاب الأجانب و له مرافق و تجهيزات خاصة بهم ) , و عميد الطلاب هو السيد : سعد بوه ولد انجاي ولد الصيام -القلاوي- من قرية "ابرودَه" القريبة- و قد أمضى أكثر من أربعين (40) عاما في طلب العلم في هذه القرية و لم يشغله أهل و لا مال عن مرافقة الشيخ لمرابط الحاج -و رغم أنه تزوج قبل سنتين- إلا أن ذاك لم يدعه إلى هجر الشيخ و مرابع العلم و الإيمان , فالوقت الذي يمضيه مع الشيخ -في اتويمرات- أكثر من الوقت الذي يمضيه مع الأهل و العيال في "ابرودَه"!


عند حلول الظلام تزدان القرية بأنوار القمر و العفاف و الإيمان, و يُنعم الله على الجميع بالصلاة خلف الإمام محمد الأمين ( الملقب) حد أمين ولد عبد الرحمن -شيخ المحظرة و ابن عم الشيخ المرابط الحاج- و هو شيخ مسن -أدام الله عليه نعمة الإيمان و العافية- يذكّرك ب"السلف الصالح" حيث الزهد و التقوى و الورع, و حيث تشعّ من وجهه أنوار الهداية و الصلاح ..علم غزير, و تواضع جم , و زهد بيّن, و عبادة لا يُنكرها إلا أعمى البصر و البصيرة.


يجلس الشيخ "حد أمين " مِن صلاة الفجر حتى شروق الشمس يَذكر الله تعالى و يدرّس الطلاب, ثم يصلي ركعتين يذهب بعدهما لبيته المجاور للمسجد ( جنوب المسجد) حيث يجلس في مكتبته .... يدرّس الطلاب ... ثم يعود للمسجد و يصلي الظهر بالناس ثم يجلس يدرّس الطلاب علوم الفقه و اللغة و العقيدة ,,,,, فبارك الله فيه و نفع به و متّعه بالصحة و العافية ...


كنا عشرة رجال, و في القوم فقهاء و أدباء, منهم الشاعر محمد ولد سيدي عبدَ الله , الذي هو أحد خريجي محظرة "كلاكة" و فيها و فيها شيخها لمرابط الحاج يقول :


1-أ ذاتَ الغضا, أرضَ السماحة و الوفا*** سقاكِ من السحب الهطيلة والفُ...


4-معاهدُ غنّت بالمديح و بالثنا*** و كان لها مجد تليد و طارف


5-معاهد أضحت للنفوس مناهلا***مكارعها لذّت و طاب المراشف


6-معاهد آداب و علم و سؤدد*** و للجود فيها و العلوم تآلف


7-فكم أمّها باليوم راج تعلّماً*** و كم زارها بالليل ساع و طائف


14-إلى شيخنا الحاجي إمام الهُدى*** و مَن له الفضل فينا و المعارف


15-أخي الكرم الفياض و المَددِ الذي***يُؤَمّ, و مَن بالله كم هو عارف


16-و من ظلّ بالإحسان مـُكرمَ جاره*** و من ظـِله ظل ظليل و وارف


17-مكارم لا تُحصى, فمن رام حصرها*** تبدّت له أمثالها تتضاعف


و معنا الأخ محمد الزين ولد محمد ولد باكّ ( فحفو) خريج المحظرة و أحد الفقهاء الشباب , و الذي روى لنا هذه القطعة الجميلة للفقيه


محمد ولد عبد العزيز ( تلميذ المرابط الحاج , و شيخ محظرة في انتاكات-):


1-أ هاجك ومضُ البرق وهنا على بُعد*** فحرّك مافي الصدر من كامن الوَجد ...


4-إذا ذكر الطلاب وقت فراغهم***مآثر للأشياخ في ساحة المجد


5-فذكرك شأنَ الحاج أمر محتّـَمٌ***فصرّحْ, و لا تكنّ , و حدّث بلا حدّ..


6-هو الغيث إن عمّ الأنام بسَيبه*** و سحّ على الأوهاد و الغـُور و النّجد


7-هو البدر بدر الدين, يهدي الذي سرى*** في عيهة نير الجهل لمَسلَكِ الرشد


8-هو القارئ المُقري لضيف و طالب***غريبَين حلاّ في الزمان بلا وعد


9-و إن تلقَه في العلم يا حبذا اللقا*** فـُكاهته في العلم أحلى من الشهد


11-ترقـّى عن الأقران شيخا و يافعا***و لم تُلهِه الدنيا بزخرفها المُرْدِ


12-إذا أخذ الأقوام بالليل مضجعا*** و ألصق ماء الشنّ من شدّة البرْد


13-تراهُ في ذلك الوقت لله قانتا*** يُكابد في الأسحاربالحزم و الجدّ


14-حفاظا على عهد الإله و وعده*** و ما أعدّ من جزاءٍ لمَن قام بالعهد


15-و ورّثه "فحفُ" الكريمَ علومه*** و هل ورّث الأجداد كالعلم و الزهد


***


3


***


بدأنا في الصباح الموالي -يوم الاثنين- تسجيل القسم المتعلق بالمحظرة و تاريخها و شيوخها و الفنون التي تدرّس فيها , و في المساء ذهبنا باتجاه "اكليتْ المانَه" و رغم أن المسافة بينها و بين "اتويمرات" لا تتجاوز خمسة عشر (15) كيلومترا إلا أننا قطعناها في ساعتين و نصف ( من الثالثة و النصف حتى السادسة عصرا!!) و الطريق بينهما أصعب من الطريق التي قبلها , و أقل وضوحا و أكبر صخورا و حِرَفا, و قد أرسلنا من يُعلم القوم بزيارتنا -و ذلك لعدم وجود تغطية للهاتف بالمنطقة و هو أمر مُحزن سأعود لذكره في نهاية المقال بحول الله-


و قد كان لسائقنا ( الحاج) و سيارته "ال جي اكس" الدور الأكبر في إنجاح المهمة , و قد علّق الشيخ محفوظ على ذلك بأبيات طريفة منها :


أحاجينا من سوقه في الكدى زحف**ومن جده مـنِّ ومـن عمه فحــــف


و "في اكسه " كحلاء نجلاء خلقة*** و في عينها اليسرى انكسار و لا "تطفُ"


تسير سير السلحــــفاة وتنثني**تثني الأفاعي فوق هــامتها كهـــــــف


أقلت إلى كَلَّاكّة وفـدا شـعــــاره ** وما الأرض إلا الأهل والعهد والإلــــف


و قد ردّ عليه الأستاذ محمد الأمين ولد منّي بقوله :


تخيرت في الأشعار يابن بني فحف**ولا غرو أن تملاَ بأشعارك الصحف


وحمّلت صفوَ القول من درك الـذي ** بـواطـنـه مـدح و ظاهره "نتف"!


و عند ما اقتربنا من نهاية الطريق الجبلي المؤدي إلى الوادي "وادي قلاقة" -شمال السد- استقبلنا رجلان كانا ينتظران منذ الصباح!! و قاما بإرشادنا إلى القرية ...


كان الاستقبال حافلا, و قد ذكّرني ب"أيام معاوية" و كانت طريقة تنظيمه رائعة .. زرابي منوعة و ملونة وُضعت في تناسق شديد و خيام ملتصقة ببعضها البعض و أسرّة مرتفعة, و وجوه باسمة و مدافع ترفع عقيرتها ترحيبا بالوفد القادم ... أما أهل القرية و شيخ المحظرة و طلابه -السبعون- فحدّث و لا حرج .. مثلهم مثل راكبي الخيل المسومة و الإبل المترَفة ...


تقع القرية شمال السد "اقليق كلاكة" و هو سد يزيد عمره عن مائة (100) سنة و له أكثر من أربعين (+40) رافدا ( مصب) ....


***


4


***


بعد حفل العشاء و تسجيل المداخلات و المقابلات سرنا -في الوادي- باتجاه قرية "كلاّكة" -عند الحافة الجنوبية للسد- حيث وصلنا بعد ساعة و كان الاستقبال رائعا ..


عيارات نارية و زغاريد و خيل و إبل و فرسان و "رقصات فلكلورية" كتلك التي استقبلتنا في "اقليتْ المانه"....


كان إمام القرية و مدرس محظرتها -و هو أحد خريجي محظرة لمرابط الحاج و معهد "اقرأ للتكوين المهني" سميرَنا و نعم السمير...( الإمام محمد الامين ولد محمد خطري )..


فتى درس القرآن والفقه , و تعلم الكهرباء و الميكانيكا في معهد "اقرأ" و دخل "الحرس الرئاسي" أيام معاوية- و له قصص غريبة قبل هروبه من الخدمة و عَـمله في التجارة في غينيا بيساو...


أديب يروي لك طريف الشعر و تالده , و يذكرك بأيام العرب و تاريخها و أنسابها , و يحدثك عن الفقه المالكي و مدارسه و تلاميذ مالك ...


في الصباح ذهب الجميع إلى السد -حيث حُشر الناس ضحى- و تزينت جنباته بالخيام البيضاء و الزرابي الملونة ,, و توالى وصول الشباب و الشيوخ -بيضا و سمرا- و لم يخل الجمْع من نساء كان لهن دور كبير في الضيافة و الخدمة الرائعة...


كان "طبيب" القرية ضمن الحاضرين ( و هو ممرض دولة ), و كان يلبس قميصا لفريق كرة القدم الأمريكي" اكليفلاند براونز" -بولاية أوهايو-( و هي مدينة سكنتها قبل عشر سنوات) و سألته إن كان يعرف شيئا عن الفريق و المدينة و ربما "العداء التاريخي" بين "أخيه" فريق ( سنسناتي بينغلز) ؟ و قد أسسهما مارك بروان! فأخبرني بما أعلم!


و قد كان ذلك بداية لحوار عن الوضعية الصحية في القرية, حيث أخبرني أن "النقطة الصحية" بالقرية لم تكن تتوفر على ممرض منذ سنة 2004 و حتى مرض الشيخ المرابط الحاج العام الماضي, فالمُمرض الذي تم تعيينه ذهب و لم يعد!!! و قد تم تعيينه خلفا له و طـُلب منه العناية بالشيخ و ساكني القرى المحيطة به!


و قد علمتُ أن طالبا توفي قبل رمضان الماضي بعد ما لدغته أفعى و لم يتوفر له علاج في القرية , و قبره مشهور عند مدخل "اتويمرات" -رحمه الله و تقبله في الشهداء و رحمنا إذا صرنا إلى ما صار إليه- ..


***


5


***


كان اليوم الثالث -الثلاثاء- متميزا, حيث التقت جموع كبيرة على جَنَبات السد, و حيث تم تسجيل مقابلات عديدة تضمنت مطالب سكان "اتويمرات-اكليت المانه-كلاكه-" و التي تراوحت بين المطالبة بفك العزلة و دعم السد و القطاع الزراعي و الرعوي و توفير هوائيات للاتصال الهاتفي, و توفير مضخات و آبار ارتوازية لتوفير الماء الصالح للشرب ....


و من زار هذه المناطق يعلم أن قرية "اتويمرات" -وحدها - هي التي تتوفر على مضخة و بئر ارتوازية, و قد تتعطل -أحيانا- مما يضطر السكان إلى جلب الماء من "كلاكه" و هي تبعد أكثر من عشرة (10) كيلومترات -عبر طريق "أقيار"-و هي طريق وعرة, و في القرية عشرات الطلاب و الأسر التي لا يوجد لها مصدر مياه غير هاتين القريتين!!!


أما القرى الأخرى فماؤها ماء غدير متلوث تخاله مخلوطا بالحناء......


و هو ما يتطلب من الدولة و المنظمات الخيرية و أهل الخير فعل شئ عاجل لتوفير ماء صحي صالح للشرب لسكان هذه القرى و المنطقة ...


أما التغطية الخلوية -للهاتف- فهي منعدمة و توجد تغطية ضعيفة ل"موريتل" على رؤوس بعض الجبال البعيدة من القرية , و قد أمضينا أربعة أيام دون اتصال بالعالم الخارجي, و تم تغيير الحكومة ( 12 وزيرا) دون أن نعلم حتى عُدنا لقرو مساء الخميس 19 سبتمبر!!


و هو ما يتطلب من شركات الاتصال و المنتخبين و السلطات الإدارية العمل على توفير تغطية جيدة لسكان هذه القرى في أسرع وقت ممكن ..


كما أن الخدمة الصحية ضعيفة, و تحتاج هذه المنطقة إلى بناء مراكز صحية تتوفر على بعض أجهزة الفحص الطبي و طرق تخزين الأدوية و أدوات الجراحة ....


كما تحتاج هذه القرى دعما للقطاعين الزراعي و الرعوي و الذان يشكلان عصب الحياة لساكنة هذه القرى ....


تلك مطالب مشروعة و عاجلة لسكان هذه المنطقة تتطلب من السلطات و الفاعلين في المجتمع العمل على تحقيقها بأسرع وقت ممكن


***


6


***


انفض الجمع بعد صلاة العصر و رجعنا إلى "قرية كلاكه" و قضينا ليلتنا الثانية -و قد شهِدنا ثاني عقد زواج في مسجد القرية- و هي سُنة حميدة غابت عن كثير من القرى و المدن, و في الصباح توجهنا نحو "كلاكه" -في اليوم الرابع / الأربعاء و وصلناها ظهرا , و نزلنا عند السيد: محمد ولد عبدي ولد الشيخ , و قد أحسن ضيافتنا ككل من نزلنا عندهم في هذه المناطق التي يشتهر أهلها بالكرم و حسن الضيافة و الأخلاق.


و توجهنا بعد العصر إلى "ديار الأولين" و هي ديار بُنيت في العصور الخوالي, و تتميز بكثرتها و صِغرها , و تختلف الروايات حولها, فبين من يرى أنها كانت منازل سكنية في العصور الحجرية الأولى -للإنسان القزم- و بين من يرى أنها كانت مخازن للذهب و الميرة...و تقع على "اشقوقة" و تحتاج وقتا للتسلق نحوها .....


ثم تجاوزناها نحو "أبنق".. حيث توجد جداول مياره رقراقة و صافية بين جنبات صخور ملساء تعرف -محليا- باسم "إبـِنقان"! و واحدها "أبـِنـْق" و قد سبح فيها بعض الشباب و الشيوخ!


و قد تم فيها تصوير مشاهد و مقابلات متنوعة , و أثناء عودتنا قمنا باتصالات سريعة و مختصَرَة بالأهل و الأحباب, و هي من المناطق القليلة التي توجَد بها تغطية للهاتف ( من موريتل)..
نزلنا من الجبل "اشقوقه" باتجاه السهل و ركبنا سيارتنا و عدنا لقرية اتويمرات بانتظار صباح الخميس -آخر أيام الزيارة-



***


7


***


بعد صلاة الصبح في المسجد و طلب الدعاء من الشيخ حد أمين -و بعد الإفطار توجهنا نحو المرحلة الأخيرة من الزيارة , إلى "أكنتور ولد اعلي بابي" و هو كهف ذو طابقين , نُسب إلى رجل من رجالات المقاومة الوطنية, قيل إنه كان مختبئا فيه عن المحتلين الفرنسيين أثناء إصابته بجروح....


عند الاقتراب من الجبل يدهشك منظره و كأنه شخص فاغرٌ فاه , و بين طابقيه توجد صخرة كبيرة تفصل بينهما ....


في داخل الكهف توجد نقوش و كتابات و رسوم -بعضها أمازيغي و بعضها قد يكون قديما ( دون القدرة على تحديد تاريخه) و بعضها حديث...


نقوش و كتابات بعضها "وجداني" و بعضها يخلد أسماء و تاريخ زيارة بعض الأشخاص , و في بعضها رسوم و آثار لحـُفـَر تشبه حفر اللعبة المحلية المعروفة ب"اكرور".....!


مناظر سياحية جميلة -سبحان من خلقها- و رؤية السهول القريبة من الجبل ( شماله) تمنح القلب سعادة غامرة و إحساسا لا يمكن وصفه ....


و يقع الكهف عند النهاية الشمالية ل"اشقوقه" و من تسلـّقه -أو تسلّقها- فإنه يرى المناطق المحيطة به , و كأنه في بعض الأبراج العالية...


***


8


***


عدنا إلى القرية قُبيل الزوال, و بعد استراحة قمنا بتوديع العلامة لمرابط الحاج ولد فحف و بعض أبنائه و طلابه , و قد كان من بينهم حفيده : عبدُ الله ولد أحمد فال ولد أحمدنَ... و ابنه محمد الطاهر وحفيده السالك ولد الشيخ


ثم توجهنا إلى منزل الشيخ حد أمين لوداعه و وجدناه في مكتبته ( و كان يقرأ في بعض كتب العقيدة المقارنة)


و كانت لحظة فراق عصيب ..تمنيتُ عندها أن لا أغادر , و علمت أن "يوم الفراق أصعب يوم" و لكني تمنيت و سألتُ الله أن لا يكون ذلك آخر عهدي ب"اتويمرات" و بالشيخ لمرابط الحاج , و بالرفقة الطيبة التي تعرفت عليها كالشاب : يحي المسومي و الفقيه محمد الزين ولد محمد ولد باكّ و الفقيه محمد محفوظ ولد سيد أحمد ولد الشيخ ولد فحفُ و السالك ولد أحمدو ولد خطري و الإداري عبد القادر ولد محمد ....إلخ ....


, وتذكرتُ -حينها- أبياتا من قطعة الشاعر محمد ولد سيد عبدَ الله الواردة في بداية المقال :


9-فكم عاقني طول البعاد عن الحِمى*** و كم شاقني ركب إلى الحي آزف..


10-أهيم إذا ما حاجز حال بيننا*** و أصحو إذا ما قابلتني المشارف


11-يعاودني فرط التشوف للحـِمى***و ذكرَى لها جُرْحٌ من الشوق نازف


12-تعبـّر عما في ضلوعي مدامعي***و تُعرب عمّا في الضمير العواطف


13-عواطف جاشت بالغرام كأنها***لواعج وَجدٍ بالحنين هواتف...


14-إلى شيخنا "الحاجي" إمام الهدى*** و مَن له الفضل فينا و المعارف


17-لنا الفخر أن نلنا بقدرك رتبة*** لقد عمّنا إنعامها و اللطائف ...


كان بوديّ أن أزور قرى "عين الخشبة" حيث محظرة الشيخ : أحمد فال ولد أحمدنَا, و "أقراف الخير" حيث يقيم الشريف: محمد الزين ولد القاسم, و لكن لا بد من الذهاب عبر طريق "لـَوْتْ" و هي طريق تمر عبر "اشقيق" شمال كامور , و لم نسلكها هذه المرة..


و لعل الله ييسر عودة قريبة لاتويمرات و ضواحيها, و إلا فالمؤمل أن نزورها في "مهرجان كلاكة 2015" و الذي يأتي تتويجا ل "مهرجان إريجي 2013" و بعد "مهرجان القـِرد 2014" بإذن الله ....


........


=