الهوية ثقافة

الأحد 11 آب (أغسطس) 2013


بقلم/ مختار بن الغوث
سرَّني كثيرا ما قرأت من تحاوُر كتَّابنا ومثقفينا الأفاضل، في هوية "البيضان الخُضْر"؛ لأن في الحوار خروجا عما ألفنا من إيثار الصمت في القضايا المهمة، خشية التنازع، وما يستتبع من فتن. والحوار من أمثل الوسائل إلى تجاوز الخلاف؛ لأنه يُظهر ما يَخفى، ويعلِّم، ويقوِّم، ويهدي، ويقرِّب بين المتباعدين، ويعين على التلاقي على رأي أمثلَ من رأي الفرد، الذي لا يبصر من القضية إلا بعضها، وقد يتسم -إلى ذلك- بالبساطة، وقلة الاطلاع، والانقياد للعاطفة، وردِّ الفعل الذي لا ينضبط بعقل أو مصلحة. وقد ألمح الفيلسوف الإيراني، داريوش شايغان إلى أن عاقبة صراع الأفكار الانتهاء بالاعتدال والتجانس اللذين يفضيان إلى قوةٍ وتجدُّدٍ في الحضارة: "في التجاوز المنسجم لكل تحدٍّ، يصبح اعتدال القوى المتنازعة، والتجانس البنيوي بين الأفكار المتصارعة بمثابة أداة انبعاث وتجدُّد ذاتي، وخلْق قوًى جديدة.
إنها ظاهرة، نلحظها -غالبا- في حوار الحضارات، وفي النهضات الناجحة". لكن هذا مشروط بحرص المتحاورين على تجاوز التخالف إلى التوافق على ما ينبغي أن يُتلاقى عليه، والصدق في استجلاء الحق والمصلحة، والتحلي بعفة اللفظ، ولين المنطق، وسلامة الصدر، والتحضر في الخلاف، والعلمية في النقاش، والبعد عن الاستثارة والدعاية السياسية.
أما العزوف عن التحاور، فيصطنع من الحزازات ما لا تستحقه القضية التي يُختلَف فيها، لو قُدِّرت بقدرها؛ فتغدو العلاقات بين المختلفين مجاملات مصطنعة، وتظل وساوس الشيطان وتسويل النفس تعْمَل عملها في إفساد القلوب، وتعظيم الخلاف في النفوس، حتى يستعصي على التجاوز. هذا إلى ما يستنبت كبْت الآراء من سلبيِّ الأخلاق والثقافات، كما قال توماس جيفرسون: "إن القيود يمكنها أن تجعل هذا الشخص مرائيا، ومن ثم أكثر سوءا، ولا يمكن أبدا أن تجعله إنسانا أكثر صدقا، وقد تجعله هذه القيود أكثر ثباتا على أخطائه، فلا يرجع عنها، ولكنها لن تشفيه منها. فالعقل والتساؤل الحر هما الفيصل الوحيد المجدي ضد الخطأ. أطلقْ لهما العنان، وسيساندان الدين الحق بوضع الدين المزيف تحت الاختبار والتمحيص... لقد عانى ملايين الرجال والنساء والأطفال الأبرياء، منذ نشأة المسيحية، أهوال العذاب والتغريم والحبس، ولكننا لم نتقدم خطوة واحدة نحو الأحادية (الوحدة). وما الأثر الملموس للقسر والجبر؟ جعْلُ نصف العالم بُلَهاء، والنصف الآخر منافقين"!.
وقد رأيت أن أدلي بدلوي في هذا الحوار، لعلي أعين على تبيين خاف، أو تنبيه غافل، أو توافق على كلمة سواء. وقد آثرت في هذه المقالة أن أستعمل "البيضان الخُضْر" على المصطلح الدارج في الحسانية وبعض اللهجات المغربية (الحراطين)، لا تعجُّلا لنتيجة، لمَّا أقدِّمْ بين يديها ما يسوِّغ التسليم بها، وهو خلاف ما ينبغي في الحوار، ولا مصادرةً لرأي مَنْ قد يخالفني فيما سأقول؛ وإنما تنكُّبًا لما قد يُشعر من الألفاظ بدونية أو تمييز؛ فإن بنا حاجةً إلى تجاوز ما يحيل من لغتنا إلى غير الإيجابيِّ من ثقافتنا. لقد كافحنا حتى اطَّرحنا مفردات كانت تسيء إلى بعضنا، تعوَّدنا أن نستعملها في مثل هذا المقام، ويجب أن نتمادى في الكفاح حتى ننقي لغتنا من كل لفظ يشعر بتمييز، أو نبْز بأصل أو مهنة؛ فإن نقاء اللغة من ذلك دليل على أن ثقافتنا تتماثل من بعض العلل، وأننا نتقدم إلى تمثُّل ما أُمِرنا به من اعتماد الدين نسبا بيننا وصهرا: (إنما المؤمنون إخوة)، (ملةَ أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا).
ومعنى "الأخضر"، في العربية الفصحى، هو معناه في الحسانية (مَنْ ليس بأبيض (أصفر)، سواء أكان أسود، أم كان أسمر (بين السواد والبياض)، كقول الفضل بن العباس اللهبي:
وأنا الأخضر ما بينهمُ أخضرُ الجلدة في بيت العربْ
وليس فيه نبز أو تلميح إلى أصل، وهو يطلق في الحسانية على الموريتانيين جميعا، كائنة ما كانت أعراقهم ومنازلهم؛ فهو ألطف من كل لفظ، تعوَّدنا أن نستعمله في هذا المعنى. ولعل استعمالنا له يكون مؤقتا، ريثما تزول دواعي التمييز من حياتنا وثقافتنا، ويستيقن البيضان جميعا أنهم مجتمع واحد، وأن الهوية ثقافة، وأن اللون ليس من الهوية؛ فما ينبغي أن يبنى عليه شعور باختلاف. وآثرت "البيضان" على "العرب" -على اعتقادي أن البيضان كلهم عرب-؛ لأن بعضنا ما يزال -بتأثُّر من ثقافته، وعدم علمه بحقيقة الأعراق، وسببِ ما يكون بين الشعوب من تباين- يظن أن العروبة عرْق، وليست بثقافة. وسأعرض للهوية من حيث حقيقتها العلمية فقط، وأتمنى على القارئ أن يقرأ ما أكتب من تلك الناحية أيضا؛ لأن السياسة مواقف مرهونة بغايات تتبدَّل، أما العلم، فثابت ثبوتا مطلقا أو نسبيا؛ لأنه مبني على حقائق، وما يُظَنُّ أنه حقائق، والحقيقة تُستكشَف، ولا تُستحدَث، أي إنها ذات وجود موضوعي خارج ذهن الإنسان، قبل أن يهتدي إليها. هذا إلى أن العلم ينبغي أن يسبق السياسة، وأن تبنى عليه، ولا يبنى عليها، إذا أريد لها السداد؛ لأنه حق، وثابت، والسياسة متغيرة، ومقيدة بالنفع، والحق والثابت، بأن يكونا مرجعا، أولى من المتغير والنافع.
وإذا بُنِي الرأي على مقتضيات السياسة النفعية المتقلِّبة كان هوى، يُضِلُّ عن الحق: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن). ولن أعرض للهوية من حيث عرض لها كتابنا تنكبا لتكرار لا يفيد؛ ولأن ما عرضوا له إما حقوق، لا خلاف فيها، وإما أمور سياسية، وليست السياسة مما أعتمد في هذه المقالة. وأنا -إلى ذلك- أرى أننا إذا استيقنا وحدة هويتنا، كان للحوار، في الشأن الوطني العام، وجهة غير وجهته قبل أن نستيقن. وسأقتصر على هوية البيضان دون سائر الموريتانيين؛ لأنها هي التي دار حولها ما كتب.
والهوية هي: "حقيقة الشيء المطلقة المشتملة على صفاته الجوهرية"، وعرَّفها "معجم أكسفورد" بأنها: "حالة الكينونة المتطابقة بإحكام، والمتماثلة إلى حدِّ التطابق التام، أوالتشابه المطلق"، وعرَّفها "معجم روبير" بأنها: "الميزة الثابتة في الذات". والتعاريف الثلاثة متطابقة في المضمون، وإن اختلفت في اللفظ، لكن تعريف روبير أوجزها وأحكمها؛ فسوف نقتصر عليه؛ لأنه يفي بما نريد. ونعني بالهوية -هاهنا- هوية الجماعة، لا هوية الفرد، فهوية الجماعة هي: الميزة الثابتة فيها، التي يتفق فيها أفرادها كلهم. والهوية عند علماء الاجتماع "تتعلق بفهم الناس، وتصورهم لأنفسهم، ولما يعتقدون أنه مهمٌّ في حياتهم, ..., ومن مصادر الهوية هذه الجنوسة (السمات التي يسبغها المجتمع على الرجولة والأنوثة)، والتوجه الجنسي، والجنسية، أو المنطلقات الإثنية (العرقية)، والطبقة الاجتماعية". وفهْم الناس، وتصورهم لأنفسهم، ولما يعتقدون أنه مهم في حياتهم, من الثقافة، أما مصادر الهوية، فيراد بها الأشياء التي تُستمَدُّ منها.
والهوية، في الحق، ثقافة وليست بعرق، ولا طبقة، ولا بإقليم. أما العرق، فلا وجود له، ولا حقيقةَ معلومة، وإنما هو شيء يتوهمه العنصريون وبعض الباحثين، فالناس كلهم لآدم، "وآدم من تراب"، وهم يتساوون في هذا الأصل تساويا مطلقا، وإنما يأتي تخالفهم من قِبَل الثقافات، وليس فيهم جنس له خصائص حيوية (بيولوجية)، تميزه من غيره، وذات تأثير في عقله وسلوكه، بها يكون جنسا رفيعا أو وضيعا، كما يدَّعي العنصريون، بل لا يكاد يوجد جنس من البشر، ينتمي إلى سلالة نقية، فقد امتزجت الأعراق بالهجرات والتزاوج. ولم يستطع واحد من القائلين بتمايز الأعراق وتفاضلها، من علماء الإناسة (الأنثروبولوجيا)، أن يقيم دليلا علميا على صحة ما يدَّعي. يقول عالم الإناسة الفرنسي، كلود ليفي شتراوس: إن علماء الإناسة الجسدية، وهم يناقشون حقيقة العرق: ما هو؟ منذ نحو قرنين، لم يتفقوا على شيء ألبتة، ولا دليلَ على أنهم اليوم أقرب من ذي قبل إلى التوافق على جواب هذا السؤال؛ من أجل ذلك أقلع كثير منهم عن هذه المقولة جملة وتفصيلا. إن تاريخ مقولة العرق هو تاريخ الإخفاق الذريع الذي مُنِيت به بحوث علماء الإناسة مرارا وتكرارا، ولم يسفر الغوص في أعماق الجسد إلا عن الخيبة.
وهذا هو ما استقرَّ عليه كثير من علماء الإناسة قبله وبعده، فقد أثبت بواس، عالم الإناسة الفرنسي، الذي كان آخر علماء الاجتماع تخليا عن مفهوم "العرق" وأثرِه في تفسير سلوك البشر، في دراسة لـه، قدَّمها عام 1910 م، جمع فيها 17821 موضوعاً، أثبت، بالاعتماد على المنهج الإحصائي، سرعةَ تغير السمات الصورية للإنسان، ولا سيما صورة الجمجمة، بتأثير من البيئة الجديدة، إذ يتم ذلك في جيل واحد. وهذا يعني أنْ ليست هنالك سمات ثابتة، تميز عرقا من عرق، وإنما مردُّ الفروق الجسمية بين الشعوب إلى التكيف مع البيئة. وعدَّ مفهوم العرق مفهوما ضعيفا، لا يثبت للبحث العلمي، فلا "عرق"، في الحقيقة، ولا صفاتِ عرقيةً طبيعية ثابتة، ولو لجأنا إلى ما يسمى منهج المعدَّلات الوسطية moyennes، فإن خاصية الشعوب، من الناحية الطبيعية (البيولوجية)، هي المرونة، والتغير، والاختلاط، على عكس ما يرى العنصريون. ثم بيَّن عبثية القول بوجود علاقة بين السمات الطبيعية والسمات العقلية، وقال إنه لا يوجد اختلاف طبيعي بين البدائيين والمتحضرين إلا في الثقافة، وهو اختلاف مكتسب، وليس بغريزي. وقال إن التفسير الثقافي هو الذي يقدِّم أكثر الأجوبة إقناعاً عن سؤال الفرْق بين الشعوب، وطبيعةُ الإنسان يمكن تفسيرها كلها من الثقافة.
من أجل هذا عدَّ أكثر علماء الاجتماع والإناسة الإنسان كائنا ثقافيا، لا يملك شيئا طبيعيا (بيولوجيا) خالصا، واعتمدوا مفهوم الثقافة ورأوا أنه هو الأصلح لبيان تنوع البشر. وممن خلصوا إلى هذا أيضا كلود ليفي شتراوس، الذي قال: "إننا نعلم ما الثقافة، ولا نعلم ما العرق".
ومن طريف ما انتهى البحث من وهمية "العرق" وتفاضل الأعراق ونقائها أن تحليل حمض هتلر النووي أثبت أنه لا ينتمي إلى العرق النازي، فقد نشرت صحيفة Knack البلجيكية، يوم الأربعاء 18 من أغسطس 2010 م مقالا، هو خلاصة بحث جيني، مبني على تحليل الحمض النووي لأناس من أهل بيت هتلر، انتهى إلى أنه كان يحمل الهابلوغروب b1b1E، وهو محدِّد وراثي، أكثر من يحمله الأمازيغ، والصوماليون (أكثر من 80 %)، ثم اليونانيون والصقليون (25 %)، واليهود الأشكناز (من 18 إلى 20 %)، وقال خبير المورِّثات (الجينات)، الأستاذ بجامعة لوفن البلجيكية Ronny Decorte: "إن نتائج البحث مفاجئة، وإن هتلر ما كان ليسْعَد بها؛ فقد كان مغرما بالقول بنقاء العرق الآري، وعدوًّا لليهود".
على أننا لو فرضنا فرْضًا أن في الأعراق ما هو نقي، وأن للأعراق خصائص حيوية تتمايز بها، فليست الأعراق بالتي تحدد هوية الشعوب، وإن كان لها أثر في نباهتها أو خمولها، وجدها أو كسلها، وذكائها أو غبائها، فهذه كلها ليست من الهوية، وإنما الهوية شيء آخر، فالشعوب التي تنتمي إلى العرق الآري -مثلا- ليس بذات هوية واحدة، فهوية الفرس تباين هوية الألمان، وهوية الهنود تختلف عن هوية الروس، وكلهم آريون، وليست هوية البريتوريين هي هوية الماليين، ولا هوية التنزانيين هي هوية السنغاليين، وكلهم حاميون. فإن تنزَّلْنا من الأعراق إلى ما تحتها من الشعوب والجماعات، لم نجد لتقارب النسب أثرا في الهوية، فالكرد والطاجيك -مثلا- فُرْس، في الأصل، ولكن الشعوب الثلاثة متباينة في هويتها. وأكبر الظن أن الأحباش الذين يتكلمون الجعزية وما تفرع منها من اللغات يمنيو الأصل، هاجروا إلى الحبشة قبل الميلاد، كما يبدو من موافقة لغتهم للعربية، في كثير من مفرداتها وخصائصها، ومن قرْب الأرض من الأرض، ومن التلاقي في بعض الثقافة.
ويذهب نسابو قبيلة البرنو الإفريقية إلى أنها هاجرت من اليمن على أثر انهدام سدِّ مأرب، ولكن هوية الأحباش والبرنو -اليوم- غير هوية أهل اليمن. ويرى بعض المؤرخين أن الأرنؤوط من نسل الغسانيين الذي هاجروا إلى الروم مع جَبَلة بن الأيهم، بعد ردَّته عن الإسلام، في زمن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وأن أصل الكلمة أنهم كانوا يتعاهدون على ألا يعودوا إلى بلاد الإسلام، فيقول بعضهم لبعض: "عارْ نَعود"، ثم تطورت العبارة إلى: أرنؤوط، وإذا صح هذا، من الناحية التاريخية، فإنه لا يغير شيئا من هوية الأرنؤوط الألبانية. وفي الهند وباكستان وإيران وأفغانستان وتركية من العرب خلق كثير، هاجروا إليها واستقروا بها منذ الفتح الإسلامي، ولكنهم اليوم هنود، وباكستانيون، وإيرانيون، وترك، وليسوا بعرب.
وقد تتباين أعراق الشعب، وتكون هويته واحدة، لا ينال منها التباين، فهوية الشعب المصري واحدة، مع أنه ينتمي إلى أعراق كثيرة، منها: القبط، والعرب، والنبط، والبربر، والزنج، والترك، والكرد، والأحباش، والروم، والشركس، واليونان، والسلاف، والألبان، إلخ. وكذلك هوية أهل الشام والعراق، مع أنهم يتألفون من مركَّب من الأجناس، لا تقل عناصره عن عناصر المركب المصري. واختلطت بعرب الجزيرة شعوب، هاجرت إليها منذ الجاهلية، من الهند، وفارس، وإفريقية، والعراق، والشام، منها أسر وقبائل معروفة في الجاهلية، يقول النسابون إنها رومية الأصل، أو فارسية، ثم هاجر إلى الجزيرة، في الإسلام، أضعاف من كان بها من الأعراق، في الجاهلية، لكن هؤلاء اليوم عرب، لا مطعن في عروبتهم، ولا في هويتهم، ولا فرق بينهم وبين الذين ينتمون إلى العرق العربي.
وقد حدثني، منذ نحو عامين، صديق، يدرس في كندا، أن صديقا له أجرى تحليلا لحمضه النووي، ليعرف جانبا من تاريخ أسلافه، فكانت نتيجته أنه ينتمي إلى جماعة هاجرت إلى الشام من جنوب إفريقية، منذ آلاف السنين، ثم ذهب بعضها إلى الجزيرة، وبعضٌ إلى روسية، ولا يُعرَف في الجزيرة -اليوم- من هو أعرق في العروبة من قبيلة صاحب الحمض. فالعروبة وغيرها من الهويات -إذن- ثقافة، وليست بعرق.
ومقولة العرق -فضلا عن أنها خرافة- هي التي بُني عليها أن الشرف والضعة قدَر، لا حيلة فيه إلا الرضا والتسليم، كما لا حيلة للمرء في خلقته، فالعرق العظيم عظيم، على ما كان من أهله، والعرق الوضيع وضيع، مهما عمل أهله، والمرء يولد رفيعا أو وضيعا، ويموت على ما وُلِد، ويجب أن يكون كل من العرقين في المنزلة التي أنزلته إياه الطبيعة، فيسود العظيم، ويُستَتبَع الوضيع. وقد ترتب على هذا من الظلم والعسف ما لا يعلمه إلا الله.
ومما يُبنى على وهمية العرق أن اللون ليس من ماهية الإنسان، وليس من عناصر الهوية، وإنما هو عرَض من الأعراض، قد تشترك فيه شعوب، لا أنساب بينها، كما يشترك العرب والهنود في اللون، ويشترك كثير من عرب السودان وزنجه في السواد، وقد يختلف فيه الشعب ذو الهوية الواحدة، كما يختلف عرب السودان في اللون، ويختلف النوبي المصري الأسود، والمنصوري المصري الأشقر. وهو أثر من تكيف الجسم مع البيئة، وليس خصيصة من خصائص العرق. وليس الإقليم أيضا عنصرا من عناصر الهوية، فقد يجمع أمما لا نسب بينها، كما تجمع إيران وأفغانستان وتركية -مثلا- قوميات شتى، لا تجمعها هوية، كالعرب، والكرد، والترك، والبشتون، والتاجيك، والفرس، والآذاريين (أهل أذربيجان)، والأرمن، واليهود، واليونانيين. وقد يتوزع الشعب في أقاليم شتى، وتبقى هويته واحدة، لا ينال منها التباعد، كما هي حال العرب في آسية وإفريقية، وحال الطاجيك في باكستان، وأفغانستان، وإيران، وطاجيكستان، وأوزبكستان، والصين.
إن الناس أوعية من الصلصال (خلق الإنسان من صلصال كالفخار)، تختلف ألوانها وصورها، والمادة واحدة، وإنما تتفاضل فيما توعي من المعاني، كما تتفاضل أكواب الزجاج بما يكون فيها من الأشربة، لا بمادتها التي هي واحدة، ولا بالألوان، فإنها عرض خارج عن ماهيتها. والمعاني التي تتفاضل بها الشعوب، وتحدد هوياتها هي تلك التي اصطلح علماء الاجتماع على تسميتها ثقافة، كما قال أحد الباحثين: "الثقافة والهوية مفهومان، يحيلان إلى الواقع نفسه، منظورا إليه من زاويتين مختلفتين". والثقافة، كما عرَّفها علماء الاجتماع، هي: "ذلك المجموع المعقد الذي يتضمن المعارف، والمعتقدات، والفن، والحقوق، والأخلاق، والأعراف، وسائر القابليات والعادات التي يكتسبها الإنسان بصفته عضوا في مجتمع ما". والثقافة هي التي تجمع وتفرِّق، وتدني وتباعد، وتصنع العلاقات بين الناس والأشياء، وتوجه السلوك، وتشعر بالوحدة والتوافق والتميز، وتحمي من التفكك. واللغة من أهم عناصر الهوية، فهي أهم وسائل التواصل، وأهم وسائل نقل الثقافة وتطورها والمحافظة عليها.
وتكون مع الثقافة الرئيسة ثقافات فرعية، لا تخالفها في الجوهر، تتعلق بجوانب جزئية من الحياة، كبعض الأعراف، والعادات، والطباع، واللهجات. ومن الثقافات الفرعية ما يسمى "الثقافة الشعبية"، وهي: "الثقافة العادية لأناس عاديين، أي إنها ثقافة تتشكل تبعاً للواقع اليومي، ومن خلال النشاطات العادية المتجددة كل يوم"، ومنها ثقافة الطبقات، وثقافة الجماعات ذات الاهتمام المشترك، كالعمَّال، فكثيرا ما يكون لهؤلاء خصوصيات تتعلق بعملهم وحياتهم الخاصة، لا يشاركهم فيها غيرهم، مع موافقتهم لسائر المجتمع فيما عداها.
وإذ قد عرفنا ماهية الهوية، فيمكن الآن أن نقول إن البيضان كلهم (أخضرهم وأصفرهم) متفقون في الثقافة: المعتقد (الدين)، والأخلاق، والمعارف، واللغة، والقيم (الأفكار التي تحدد ما هو مهم ومحبذ ومرغوب في المجتمع)، والعادات، والأعراف، وطرق التفكير والعيش، والذوق، والفن (الموسيقى، الرقص، الشعر). فإن فتَّشنا عن فروق ثقافية بين الفريقين، أو خصوصية ثقافية لأحدهما دون الآخر، لم نجد ما يمكن أن يبنى عليه القول بأن هويتهما ليست بواحدة. أما شعور بعضهم بالتميز، فما من شعب من شعوب الأرض قديما وحديثا إلا وفيه من هذا الشعور، وهو يبنيه على أمور شتى، كالدين، والنسب، واللون، والإقليم، والمهنة، ومنهم من يبنيه على أمور مقدسة، كما يفعل الهندوس الذين يزعمون أن منهم مَنْ خُلِق من رأس الآلهة، ومنهم من خلق من صدرها، ومنهم من خلق من أرجلها، وعلى حسب منزلة العضو الذي خلقت منه الجماعة من الجسم تكون منزلتها من المجتمع، التي لا يجوز أن ترفع فوقها، أو تنزل دونها. ونعرف ما في قبائل البيضان من تقسيمات وطبقات، وما بين أهل الأقاليم في موريتانية وغيرها من البلاد من الشعور بالتمايز والتفاضل في الدين، والعقل، والأخلاق، واللغة، وما يسبغ أهل كل إقليم على غيرهم من الصفات التي تنم على استخفاف بهم، واستصغار لهم، كما يرى في الرسالة المدعوة "الفيش بين كسكس والعيش"، وفي نوادر أهل الوجه البحري بمصر وحكاياتهم الساخرة من أهل الصعيد، الرامزة إلى تحميقهم، ونسبتهم إلى البخل. وكان مثل ذلك معروفا بين قبائل العرب، منذ الجاهلية، كما قال الجاحظ: "وشعراء مُضَرَ يحمِّقون رجال الأزد، ويستخفون أحلامهم، ... ويدخلون في هذا المعنى قبائل اليمانية". وإذا لم تجد الجماعات ما تنبز به غيرها التمست نبزه بالطعام الذي يأكل، والمهنة التي يمتهن، كما كان بعض العرب يلقب قريشا "سخينة"، وهي طعام كانت تأكله في القحط، وكما نبز بعضهم الأنصار بأنهم أهل زراعة، وهي مهنة يأنف منها الأعراب.
وكلما أوغل الشعب في البداوة والجهل اشتد حرصه على تتبع الخلاف وتصنيف الناس عليه؛ لأن العلم محدود، والعقل ليس بذاك، والفخر، والتيه، والاعتداد بالنفس والقبيلة، واحتقار الغير، ثقافة غالبة، و"أغلبية الشعوب المسماة بـ"البدائية" ترى أن البشرية تتوقف عند حدودها العرقية أو اللغوية, ولهذا فهي تطلق على نفسها صفةً عرقية ethnonyme تعني, تبعاً للحالة, "البشر", "الرائعين" أو "الحقيقيين"، وذلك مقابل الأجانب الذين لا تعترف بأنهم كائنات بشرية مستقلة". وكلما نزع الشعب إلى العلم والتحضر تخفف من هذا، وأحدث معايير، أكثر واقعية ونفعية، وإن لم يكن لزاما أن تكون أكثر أخلاقية، فيغدو العلم، والمال، والجاه، وما يكون منها بسبيل، هي المعيار في قدْر الناس، وتبنى العلاقات على أسس جديدة، غير النسب الذي هو أساس العلاقة بين الشعوب البادية.
إن الهوية هي ما شهدت به الثقافة، لا اللون، ولا الحمض النووي، ولا المنزلة الاجتماعية. وهوية البيضان كلهم واحدة، والتعلم والتحضُّر زعيمان بأن يمْحُوَا من سلبيات ثقافتنا ما محَوا من ثقافات غيرنا، وسيبقى فيها -مع ذلك- ما في أفرادنا من السلبيات، ولا تكمل الثقافة أو يكمل الإنسان، لكن الطموح، إن لم يبلِّغ الغاية، ، جدير بأن يُدْني منها.
- المصدر: أقلام حرة.