عند ما انطلقت ضحي يوم الاثنين الموافق01/04/2013 : من مدينة "كرو" في اتجاهي إلي عاصمة الولاية "كيفه" فكنت خالي البال صافي الذهن أسير بتأنّ وأتمعّن في جميع الكائنات التي أمر بها وكنت كل ما مررت بقرية أخفف السرعة,
وأنظر إليها وأفكر في حال أهلها وكيف يعيشون ولماذا اختاروا هذه الأرض القاحلة البائسة ,لاشك انه خيار القدر , فحال هذه القرى وساكنيها يجعل أمامك صورة حقيقية تقرأ من خلالها مدا الضياع الذي يعيشه هذا الوطن ...!!


طبعا كنت انظر إلي ساكنة هذه القرى بغبطة لأني أري البساطة تملأ الوجود, والبساطة الأخت الشقيقة للسعادة حسب ما أتصوّر :,مهما كانت البساطة فالسعادة بجانبها .. ساكني هذه القرى: يسكنون في بيوت وأعرشة بسيطة كبساطة ساكنيها متناثرة تتخللها شجيرات أعرف مثيلاتها مذو الصغر في أماكن أخري متفرقة من الوطن , ان منظرا ,كهذا يذكّرني مذو نشأة الأولي , إنه لجميل جدا, إن حب الوطن يملأ جميع حواسي ...


ذكرني هذا المنظر عند ما كنت خارج الوطن فكنت اشتاق إلي كل شيء من كائناته. و إلي لوحة جميلة كهذه تمثّل جميع كائنات الوطن , ان مما يشقي البعض يسعد الآخر...!! بداية الحكاية : بدأت الحكاية : عند ما استوقفني دركيّ المرور عند نقطة الدرك في مدخل مدينة " كندره " فبدأ يسألني بالأسئلة المعروفة من أين أتيت والي أين ذاهب فابتسمت وقلت له مسرعا بالجواب لعله يتركني من باقي الأسئلة ( مثل أين أوراق السيارة ...) نعم: أتيت من " كرو" ومتجها إلي "كيفه" فطلب مني أن احمل معي سيّدتان كانتا بجانبه فسارعت بالقبول فناداهن وتقدمتا إليّ وركبتا معي في المقاعد الخلفية فكانت احديهن من شريحة" لحراطين "متقدمة في السن وستقول لي فيما بعد أن اسمها " زهرة بنت أسويد " والأخرى أشبهها بشريحة" لمعلمين " مع أني لم اسألها حتى الفراق وعند ما سرنا وابتعدنا قليلا عن نقطة الدرك التفت إليهن مبادرا بالسلام فردّتا عليّ السلام وبدأت الأسئلة تتهاطل مني صوبهن هل انتن من أهل" كندره" ومن أي الجماعات ؟؟فردت "زهرة بنت أسويد" عليّ قائلة نعم: أنا من أهل "كندره" وأنتسب إلي إدوعيش فسألتها عنهم وعن إمارتهم وكيف كانوا معها فاثنت عليهم بخير وقالت انهم أصحاب عافيّة وسلم وانها لا تعلم عليهم بسوء أبدا ,هي ,ولا باقي أفراد أسرتها فأعجبني ردودها علي أسئلتي وثقتها بنفسها ومنطقها اللافت ومدا حسن تعبيرها كانت متأنية وتعي ما تقول وتخلل كلامها بضحكات يقرأ من خلالها أنها لا تحمل سوءا وتعبر عن أخلاقها وصدرها الرحب ..


أنا كنت في أثناء السياقة لكني كنت التفت إليها كلما سنحت لي الفرصة و أتقاعل مع ما تقول لي وأبدي لها إعجابي واخترق لها أسئلة جديدة وفي أثناء أجوبتها علي بعض الأسئلة حول ما كان يتهاطل مني ,كانت تلقي اللائمة كثيرا علي البيظان وتحمّلهم مسئولية ما هم عليه من جهل وفقر مادي ولا تنسوا ان هذه الشريحة من أهم شرائح المجتمع الموريتاني( أعلم فيهم الكرم المفرط والبساطة وعدم الكبر والأنانبة عند ما كنا صغارا وحتي الآن ..) وقالت انهم ظلموا ردحا من الزمن, لكن مما فهمت منها انها لا تحمل سوءا وإنما أرادت قول الحقيقة فقط.


وعند ما اقتربنا قليلا من دخول مدينة "كيفه "سألتها عن مدينة تسمي الجديدة أين هي؟ قالت لي انها في "كيفة" قلت لها لماذا تسمي الجديدة هل لجمالها أم لحداثتها أم ماذا ؟قالت لي أن السبب هو انها مستحدثة من مدينة أخري تسمي القديمة كان يسكنها جمع من شريحة "لحراطين " أطلق عليه فيما بعد " جانبور " يب سيلا" فقلت لها متجاهلا معني المصطلح ما هو معني" جانبور"؟ فضحكتا جميعا وضحكت معهم فقالت لي ساخرة مني " أنت مانك موريتاني؟"" قلت لها نعم أنا موريتاني فقالت لي ألا تعرف معني "جانبور؟" عدتّ عليها السؤال مرة أخرى فبدأت تشرح وتبسط لي بإسراف معني "جانبور" يب سيلا" فقالت لي ان سبب الاسم وهو أن جمعا كبيرا من شريحة "لحراطين " كانوا في زمن ظلم البيظان يهربون علي أسيادهم إلي" كيفه "وعند ما يقدمون إلي" كيفه" هناك: زنجيا يسمي " يب سيلا " يستقبلهم ويحتضن كل من لجأ إليه من هذه الشريحة ولا يقبل الاعتداء عليه بد ذالك, فكان هذا الزنجي :مناهضا للعنصرية علي حد تعبيرها وقالت لي لقد أصبح هذا الاسم يطلق علي كل من هرب علي أسياده وأصبح هذا الجمع بعد ذالك يقول ساخرا لكل منهم ما زالوا تحت سيادة البيظان :يقول لهم أنتم احراطين البيظان ويرد الطرف الآخر وانتم " جانبور" يب سيلا " فضحكت وضحكتا جميعا واقترب الفراق ووددّت والله لو أن السفر يطول إلي أقصي نقطة في شرق البلاد لكي تطول الحكايات وتزداد المتعة أكثر... , فتجاوزت بهن نقطة اتجاهي إلي أن تركتهن في كفور ميارة وسط مدينة كيفه فدعتني هي إلي زيارة منزلها وقلت لها إن شاء الله , إنهم فعلا كرماء : ألا إن خير الودّ ودّ تطوعت به النفس لا ودّ أتى وهو متعب ومما ختمت به حديثها أن البيظان ظلموا كثيرا شريحة "لحراطين " وان الله قادر علي أن ينتقم منهم, في الحقيقة كانت بعض الحكايات محزنة وينبغي أن تدفن مع أصحابها وألا تتوارثها الأجيال وكل ما من شأنه إثارة العاطفة إلا إذا كان من باب ترويض الأنفس , بالحكايات السالفة كما يبدوا لي من حكاياتها هي للموضوع ..

شبكة فضاء ...