بئر سحرية ملأت الدنيا وشغلت الناس في العاصمة الموريتانية نواكشوط بل في موريتانيا بأسرها لما أشيع حولها من أساطير تفيد بأن مياهها تشفي من الأمراض الجلدية وحتى الأمراض غير المعروفة؛ حيث باتت الوجهة المفضلة لكل الموريتانيين من مختلف الشرائح والأعمار.
“الساحة” زرات البئر السحرية ومكان أسرة محمد المختار ولد اكاي التى تمتلك البئر؛ كما التقت بروادها وبعض جيرانها؛ بل انفردت بمقابلة الرجل الذي قام بحفر البئر قبل ست سنوات من كتابة هذه السطور.
أساطير تروى عن البئر السحرية:
يحكي بعض رواد البئر حكايات غريبة عنها من الصعب أن يصدقها العقل البشري؛ منها أن البئر تشفي من كل الأمراض؛ وأن صخرة وجدت فيه مكتوب عليها اسم الله عز وجل؛ وأن سيدة كانت عمياء شربت من مائها فارتد إليها بصرها؛ وأن مقعدا غسل رجليه من مائها فقام راجلا من عين المكان…
وغير ذلك من القصص والأساطير التى باتت هي حديث زوار البئر الذين يتجمهرون عليها بكثافة وفي شكل طوابير طويلة؛ كل فرد له قصته ويحمل برميلا أو قدحا يريد أن يحصل فيه على بعض ماء البئر السحرية لعل الله أن يشفيه أو يشفي ذويه من الأمراض التى تلم بهم.
الجيران: "مياه البئر لا تنفع ولا تضر":
من أجل اطلاعها على كنه الحقائق قامت “الساحة” بزيارة بعض جيران الأسرة التى تمتلك البئر.المواطن سيدي لمين ولد محمد سالم (وهو أب لأسرة مجاورة للبئر) قال إن أسرته تربطها علاقات طيبة مع أسرة محمد المختار ولد أكاي التى تمتلك البئر؛ مؤكدا أن مياه البئر لا تضر ولا تنفع ويحيط بها مرحاضين؛ مضيفا أنه يستغرب من إقبال الناس على هذه البئر.

سيدي لمين ولد محمد سالم
واستنكر سيدي ألمين ترويج أوساط مقربة من الأسرة لماء البر والضحك على عقول الناس..
وقال سيدي لمين إن الأسرة المالكة للبئر لديها مشاكل كثيرة مع جيرانها وخلافات حول ملكية الأرض مما يعني –وفق نظره- أن فبركة قصة البئر جاءت من أجل الهيمنة على الأرض التى يوجد فيها.
وأضاف سيدي ألمين ان الأسرة المالكة للبئر تمتلك القطعة الأرضية رقم 1526 ويسعون إلى الحصول على القطعة الأرضية 1527 التى توجد فيها أسرة منذ سنوات عديدة تسمى “أهل بابه” وهي القطعة الأرضية التى حفر فيها البئر المذكور حسب التخطيط الجديد..
ولذا –يقول سيدي ألمين- كانت هذه الضجة فقط تهدف إلى شد الانتباه نحو الموضوع لانتزاع تلك القطعة الأرضية.وفق تعبيره
وقال سيدي ألمين إن مياه البئر المذكور مياها طبيعية ومالحة مثل ملوحة مياه البحر مؤكدا أنها قد تفيد في الحساسية الجلدية مثل الاستحمام بمياه البحر المالحة؛ لكنها لا يمكنها أبدا أن تشفي البرص ولا العمى ولا أي مرض آخر معتبرا أنها لو كانت تشفي العمى لشفيت والد الأسرة الذي أجرى عملية لعينه قبل أيام لأنها بصيرة…على حد قوله
جيران آخرون –رفضوا ذكر أسمائهم أو تصويرهم- أكدوا لنا أنه سبق وأن جربوا مياه البئر ونفوا بشدة أن تكون شافية من أي داء واعتبروا أن القضية مجرد “فبركة” قام بها صحفي مقرب اجتماعيا من الأسرة التى تمتلك البئر بالتمالؤ مع بعض أفرادها.
رواد البئر السحرية: "لن نبرح المكان حتى نجد ماء البئر لشربها والاستحمام بها"
بعض رواد البئر السحرية أكدوا لنا أنهم لن يبرحوا الأرض حتى يحصلوا على بعض مياه البئر لشربها والاستحمام بها لعلهم تفيدهم في شفاء أمراضهم المختلفة.
آدم بنت امبارك مواطنة قضت ساعات طويلة في طابور لانتظار قصد الحصول على شربة من ماء البئر قالت إنها سمعت قصصا غريبة عن هذه البئر وقدمت للحصول على بعض مائها لكن لم يسالفها الحظ رغم أنها قضت ساعات طويلة في طوابير الانتظار.

عشرات النسوة وهن صامدات في الطابور حتى يحصلن على ماء البئر

أما المواطن يعقوب ولد سالم قال إنه سمع بوجود صخرة في البئر مكتوب عليها "شفاء من كل داء" فبادر إلى عين المكان للتزود من ماء البئر وأضاف أن كثرة الزحام على البئر منعته من الحصول على مبتغاه.
في حين صرح المواطن محمد ولد سيدي أنه مقتنع بأن البئر شافية من الأمراض رغم كونه لم يجد شخصا بعينه شخص تم شفاؤه نهائيا بعد شربه لمائها أو استحمامه به غير أن كل الناس –يقول محمد- تواترت على أن مياه البئر شافية من كل داء.
أبناء الأسرة هم من ينظمون الطوابير:
يتعاقب أبناء أسرة أهل سيدي المختار ولد اكاي (الأسرة التى تمتلك البئر) على تنظيم طوابير المواطنين الذين توافدوا من كل حدب وصوب للتزود من مياه البئر؛ وترفض الأسرة أخذ مقابل مادي من الراغبين في الحصول على ماء البئر؛ كما حذرت رواده من بيع مائه مؤكدة أن من باعه لن ينفعه.
"الساحة" تنفرد بلقاء الرجل الذي حفر البئر:
في اطار تحقيقها الرامي إلى كشف الحقيقة أمام الرأي العام الوطني قامت “الساحة” بالبحث المضني عن الرجل الذي حفر البئر قبل ست سنوات.
وهو عامل بناء يدعى يرب ولد سيدي (42 سنة)؛ ويقطن في “حي بوحديدة” بمقاطعة توجنين وينتمى اجتماعيا لقبيلة نفس الأسرة المالكة للبئر (قبيلة تجكانت) روى القصة كاملة للساحة قائلا:
يرب ولد سيدي الرجل الذي حفر البئر السحرية قبل ست سنوات “في سنة 2007 أبلغني رجل يدعى سيدي المختار ولد اكاي أنه حلم بحلم غريب يتمثل بكونه قام بحفر بئر وإذا بالناس تتجمهر حولها للحصول على مائها الذي فيه شفاء للمؤمنين؛ وطلب مني أن أقوم بحفر بئر له في منزله بـ”حي اصويله” في بوحديده مقابل مبلغ 60000 أوقية.
فوافقت على طلبه لأنني تربطني معه الكثير من العلاقات الأخوية والاجتماعية؛ فناديت على زميلين لي أحدهما يدعى “أحمد” والآخر يدعى “ماقه” وطلبت منهما مساعدتي في حفر البئر.
وباشرنا بالفعل في حفر البئر –يقول يرب- وبعد أن حفرنا حوالي أزيد من 30 مترا في الأرض وجدنا صخرة مكتوب عليها “اسم الجلالة” لكن لم نبالي بها كثيرا وواصلنا العمل حيث قمنا بتحطيم الصخرة بصعوبة، لنجد حاجزا من “المحار” وبعد إزاحته تدفق الماء بكثرة.
وقال يرب إن مياه البئر تكون في بعض الأحيان صالحة للشرب في حين تنتابها ملوحة شديدة.وأضاف يرب أن أسرة أهل اكاي كانت تستخدم مياه البئر لسقي مزرعة صغيرة في منزلها تحتوي على النخيل والعنب بالإضافة إلى زراعة الخضروات..
وحول بداية اكتشاف أسرار البئر قال يرب إن البداية كانت مع خادمة لأسرة أهل اكاي كان جلدها مليئ بالحبوب الجلدية وبعد استحمامها عدة مرات من مياه البئر لوحظ اختفاء الحبوب التى كانت بجلدها تماما..وفق تعبيره
وأضاف أن أحد أبناء أسرة أهل اكاي –أيضا- كان مصابا بحساسية في جلده وفور استحمامه من ماء البئر انقرضت عنه.وأكد يرب أنه شخصيا حمل بعض ماء البئر إلى والدته التى كانت لا تبصر كثيرا من إحدى عينيها وحين غسلها لوجهها بماء البئر تم تماثلها للشفاء وأصبحت عينها تبصر بشكل طبيعي.

يرب ولد سيدي الرجل الذي حفر البئر السحرية قبل ست سنوات
على حد قوله
وقال يرب –أيضا- إنه شاهد على شفاء صديق له يدعى عبد الدائم كان مصابا -هو الآخر- بقرحة شديدة في جلده وتعافى منها على اثر استحمامه من ماء البئر المذكور.
وفيما يتعلق بالصراع الدائر بين أسرة أهل اكاي وبعد جيرانها قال يرب إن هناك فعلا صراعا قويا بين الأسرة وبعض جيرانها سبب التنازع على ملكية الأرض (الكزرة)، وأن يخشى من أن يقوم أحد من أعداء أهل اكاي بتسميم مياه البئر وتتحول القضية إلى كارثة كبيرة..وفق تعبيره
وختاما فإن “الساحة” قامت بهذا الجهد تلبية لرغبة قرائها الكرام ووفاء بعهدها لهم بالتحقيق في الموضوع؛ إلا أن حقيقة البئر لم تظهر بعد لأن هناك من يقتنع بها تماما وهناك من يشكك في الرواية برمتها..
ويأتي هذا الجدل في ظل غياب السلطات المعنية بالتحقيق في الموضوع لمعرفة الحقيقة؛ خاصة السلطات الصحية المطالبة بالحفاظ على سلامة وصحة المواطنين.
يذكر أن الأسرة مالكة البئر منعت طاقم “الساحة” من دخول منزلها لكننا حصلنا على معلومات تفيد بأن والد الأسرة محمد المختار ولد اكاي رجل مسن طيب يحافظ باستمرار على صلاة الجماعة في المسجد ويعمل حارسا لحانوت “دكان التضامن” الموجود عند بوابة منزله؛ ووالدة الأسرة منة اركيبي هي سيدة ناشطة في المجتمع المدني؛ ولدى الأسرة بنين وبنات.
تحقيق: موقع الساحة