الإخلاص في العمل



وهذا يقتضي من الإنسان أن يؤدي ما أمر به من الإخلاص لله سبحانه وتعالى فيقصد وجه الله والتعبد له بكل أموره فيجعل هذه الدنيا محرابا كبيرا للتعبد، فيحتسب في نومته ما يحتسب في قومته، ويؤدي حقوق الله جل جلاله خالصة له ليس فيها رياء ولا سمعة ولا طلب مصالح دنيوية، وهكذا في كل أعماله، وسيقسم عمله إلى قسمين إلى حسنة للمعاد ودرهم للمعاش، أما حسنة المعاد فهي ما يريد به تثقيل موازين حسناته الأخروية، ولا بد فيه من معرفة حكمه أولا قبل الإقدام عليه ثم بعد ذلك إلى تطبيق حكمه على نحو ما شرع، فلا يحل للإنسان أن يفعل فعلا حتى يعلم حكم الله فيه، ومن هنا كان العلم سابقا على العمل.

والقسم الثالث ما هو نافع في الآخرة دون الأولى، أي ينفع في الدار الآخرة ولا ينفع في الدنيا، وهو العمل الذي تحقق فيه الإخلاص ولكن نقصت فيه المتابعة، كمن صلى بغير وضوء ناسيا مثلا، أو خالف بعض أحكام الصيام جاهلا بحكمها، فيكتب له أجر هذا العمل في الآخرة ولكنه يلزمه قضاؤه، فمن صلى على غير طهارة ناسيا فإنه يلزمه الأداء إذا كان في الوقت والقضاء إذا كان الوقت قد خرج، وكذلك من صام من غير نية جهلا مثلا ولم يتناول مفطرا ولكنه نسي تبييت النية أو جهلها فهذا العمل مكتوب له أجره عنه الله سبحانه وتعالى في الآخرة ولكنه لا يجزئه في الدنيا فلا بد من قضائه لأنه لم يؤده على الوجه الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.

وكذلك في كل مجالات العبادة كالدعوة مثلا فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن رجلا كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيجاء به يوم القيامة فيرمى في النار، فتندلق أقتابه أي أمعاؤه فيد
وكذلك من مظاهر الإخلاص عدم التمدح بها وعدم حب الإنسان لأن يحمد بما لم يفعل، فحب الإنسان لأن يحمد بما لم يفعل مناف للإخلاص، وكذلك عدم المن بها، فمن كان من أهل المن إذا قدم خيرا م
فهذا في غاية الإخلاص ونكران الذات والتفاني في العمل، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإتقان كل عمل وليه الإنسان، قال: رحم الله امرأ إذا ولي عملا أتقنه، فكل عمل يتولاه الإنسان سواء أخذه بأجرة أو بغير أجرة من نصيحته لله ولرسوله وللمؤمنين أن يتقنه، وقد أخرج مسلم في الصحيح من حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله قال: الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وأخرج البخاري في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة فشرط علي: والنصح لكل مسلم.
ولا تصدقنا ولا صلينا

وكذلك فإن من مظاهر الإخلاص لله سبحانه وتعالى ما يظهر على صاحبه عند تحققه لحصول خطإ فيه من الانكسار والخوف أن لا يتقبل الله منه، فكثير هم أولئك الذين يؤدون كثيرا من الطاعات، ولكنهم لا يخافون من عدم قبولها، فيجزمون بالقبول ولا يخشون الرد، وهؤلاء إخلاصهم ناقص، أما الذين يؤدونها وهم يخافون خوفا شديدا ألا يتقبلها الله منهم هذا دليل على إخلاصهم،

وللإخلاص كذلك أثر كبير في صلاح الذرية وصلاح الأهل، فمن كان مخلصا لله سبحانه وتعالى جمع له شمله وأصلح له ذريته، وفيه أثر كذلك على الإنسان في استغنائه عن المخلوقين وإبداء فقره لله وحده، وعدم تعلقه بالمخلوق أيا كان، نسأل الله تعالى أن يرزقنا الصدق والإخلاص وأن يتقبل منا صالح الأعمال وأن يجعل ما نقوله ونسمعه حجة لنا لا علينا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.