أين هي أموالنا المنهوبة ؟

سيد احمد ولد ابراهيم
قبل أن أدخل في سياق التفاصيل على صعيد محاولة استكناه مصير أموالنا الهائلة التي رأينا قدومها رأي العين ولا ندري شيئا عن مصيرها، أريد أن أناقش مع مصممي ميزانية الدولة العامة لسنة 2013 طبيعة الأسباب التي جعلت ميزانية النفقات العمومية تستحوذ على 70 بالمائة أي ثلاثة أرباع الموازنة العمومية في حين أن أي دارس للاقتصاد أو أي محاسب مبتدئ يرفض مثل هذا التبويب إلا إذا كانت الأوامر تصدر إليه قاطعة في هذا الشأن.

المعروف أن نظام "موريتانيا الجديدة" قد سارع غداة ممارسة سلطاته إلى إعلان تحجيم وضبط النفقات من خلال الحد من الميزانيات الداخلية لكل هيأة من هيئات الدولة دون استثناء على أن توجه المبالغ المُوفرة من هذا التصرف نحو ميزانيات الاستثمار وإنشاء مصالح خدمية جديدة، فكيف حدث هذا الانقلاب الفجائي الذي تم من خلاله حتى كسر أبسط قواعد المالية العمومية والاقتصاد الكلي؟

أترك الجواب للمتخصصين في تبرير و"شرعنة" عمليات الاختلاس التي سيكون على الجيل المقبل والأجيال التي تليه دفع ثمنها الفادح.

وسأضع هنا بين أيديكم هذه التساؤلات المشروعة حول مواردنا المنهوبة:

- وفقا للأرقام الحكومية وهو اعتراف رسمي – وكما يقول فقهاء القانون فإن الاعتراف سيد الأدلة – بلغت مبيعات شركة اسنيم للسنة المنتهية أكثر من 15 مليون طن، وبحساب السعر الحالي للحديد في السوق الدولي فإن الشركة لا بد أن تكون قد حصلت بعد خصم التكاليف على أرباح صافية تتجاوز الثلاثمائة مليار أوقية أي ما يقترب من حجم الميزانية العامة للدولة، فأين ذهب هذا المبالغ، ولا أريد أن أقول إنه ذهب إلى جيوب المتنفذين وسدنة الفساد.

- حصلت شركة "الموريتانية للطيران" على مبلغ 80 مليون دولار أي نحو 25 مليار أوقية، وبما أن رواتب موظفي الشركة متدنية وخدماتها أكثر تدنيا فيحق لنا التساؤل عن الوجهة التي آلت إليها مثل هذه المبالغ الضخمة، ولا أريد أيضا أن أقول إنها ذهبت إلى جيوب المتنفذين وسدنة الفساد.

- شركة ATTM، وهي احدى فروع شركة اسنيم كسبت خلال العام المنتهي مبالغ ضخمة من خلال الصفقات العمومية ومع ذلك فهي – للغرابة – مرتهنة للمؤسسات الدائنة لها، فأين ذهبت متحصلاتها من المال العام؟ ولا أريد كذلك أن أقول إنها ذهبت إلى جيوب المتنفذين وسدنة الفساد.

- شركة سونمكس هي الأخرى حصلت عل دعم حكومي وغيره من أنواع الدعم وصلت إلى 100 مليون دولار أي ما يوازي 30 مليار أوقية، ومع ذلك هي تتخبط في الفشل والارتباك المفضيان إلى الإفلاس المالي، فأين ذهب هذا المبلغ الهائل؟ ولا أريد أيضا أن أقول إنه ذهب إلى جيوب المتنفذين وسدنة الفساد.

- شركة صوملك حصلت على دعم من البنك الإسلامي للتنمية ب 70 مليون دولار أي ما يعادل نحو 24 مليار أوقية ولا يزال الفشل معششا في مكاتبها ومحطاتها ومراكزها على عموم التراب الوطني فأين ذهب هذا المبلغ الضخم؟ ولا أريد مرة أخرى أن أقول إنه ذهب إلى جيوب المتنفذين وسدنة الفساد.

- سنضيف إلى كل ذلك تساؤلا ربما يكون أكثر مشروعية رغم عدم شرعية العملية ذاتها وأعني بذلك ثمن تسليم مدير المخابرات الليبي الأسبق السنوسي الذي سٌلم إلى السلطات الجديدة في بلاده في صفقة استمرت المفاوضات الشاقة حولها لعدة أشهر، ومن الطبيعي أن تدفع هذه العملية المشينة إلى المقارنة بين تنظيم القاعدة الذي يختطف الأوربيين لتسليمهم مقابل فدية مالية مكلفة والدولة الموريتانية التي تؤوي لاجئين عرب لتسلمهم إلى أنظمة حكم معادية لهم ومقابل فدية لا شك أنها أكبر وأكثر قيمة، فأين ذهب هذا المبلغ ؟ ودعوني أذكركم للمرة الألف أنني لا أريد أن أقول إنه ذهب إلى جيوب المتنفذين وسدنة الفساد.

قل الشيء ذاته عن جملة من الشركات والهيئات والأجهزة الحكومية القديمة والمستحدثة حظيت إما بتمويلات ضخمة وإما تتمتع بمداخيل هائلة وفي بعض الأحيان يكون الاثنان مع، ومع ذلك لا يُرى لها أثر سوى على مستوى مديريها ومسيريها و"من يقف وراءهم، وسنأخذ مثالا على ذلك كلا من :

- شركة SNAF للمعدات الزراعية ورغم تمويلاتها الضخمة إلا أنها لا تزال عاجزة عن إنهاء الطريق الزراعي إلى كرمسين رغم أنه لا يكاد يتجاوز مسافة 30 كلم.
- شبكة الصناديق الشعبية للادخار والقرض تكاد تصبح ذكرى من الماضي،

- صندوق الإيداع والتنمية الذي خصصت له الدولة ميزانية ضخمة عبر توجيه الحسابات المالية الخاصة بالمؤسسات العمومية إليه وهو لا يزال "كسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءا"

- المعدات الطبية مثل أجهزة اسكانير والرنين المغناطيسي ما زالت بقية ما وٌعدنا به منها في الانتظار، وبالتزامن مع ذلك يتعطل ما هو موجد منها كل فترة وأخرى.
وقبل أن أختم هذه العجالة أتمنى أن تتأملوا معي في مصير عاصمتنا الاقتصادية التي سيُقضى على كل نشاط اقتصادي فيها بمجرد أن يبدأ تطبيق نظام المنطقة الحرة فخناك حيث سيتدمر كل نشاط اقتصادي خصوصي وستصبح الغلبة للقوي وسنتحول من القطاع الخاص أو القطاع العمومي إلى القطاع "شبه العمومي" أي حفنة من السماسرة الخصوصيين يعملون لصالح قيادات عمومية.

فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

الأخبار إنفو