قد لا تكون فكرة سيئة أن يهرب الفقراء معهم

الاثنين 31 كانون الأول (ديسمبر) 2012


د. بدي ابنو/ ’ كاتب وأكاديمي مقيم ببروكسيل

أضعتُ آخر قطار مسائي يربط باريس ببروكسيل أو أضاعني. علي إذا أن انتظر الصباح في هذه المدينة الجميلة التي صَبرتْ عليَ سنوات يوسفية.
أوضحتْ لي عاملة قطار ’تاليس’ باقتضاب ولباقة أنها ستحاول أن تُغير التذكرة مجانا لأن شركة القطار تتحمل مسؤولية الخلل الذي حصل في الإعلان عن الرحلة. ألقتْ نظرةً إضافية إلى جواز سفري وابتسمتْ. تاريخ ميلادي ’الرسمي’ يصادف الغد أي يصادف عيد ميلاد سيدنا المسيح في التقويم الغريغوري. دخل زميلها وتمنى لها ’نويلا’ سعيدا. ثم التفت إليَ وإلى عجوز يقف جنبي وأعاد لنا نفس التمني.


بدا العجوز غاضبا من شركة ’تاليس’ ولم يعبأ بمعايدة العامل المهذب بل زادتْه غضبا. قال بلهجة قروية مفكّكة إن الشركة تتحمل مسؤولية ضياع ’نوويله’. كان ينبغي أن يمضي الليلة في امستردام تحضيرا للعشاء العائلي للغد. وبدأ يستفيض في الحديث عن أبنائه وأحفاده في أمستردام الذين سيحضرون غدا مساء عيد الميلاد.
أجاب عامل المحطة : ’أنت محظوظ لأنك تستطيع أن تسافر غدا. تخيلْ كم في العالم ممن يموتون بالجوع والحروب...’. لم يـبد العجوز مقتنعا بل ازداد انفعالا. وأخذ يتحدث بإسهاب عن وضعيته المالية : ’مع كل ما تربحون معنا... لا يبقى لنا ما به نربط طرفي الشهر.’
ابتسم العامل بهدوء ولا حظ : ’نحن كعمال لا نربح. رواتبنا بائسة. ولكن حين نرى ما يحدث في العالم نشعر أننا محظوظون.’
أضاف العجوز : ’لن تتأخر عنا الكوارث. ستنفجر الأوضاع هنا في باريس... يكفي أن نحدق في هذه القطارات المشؤومة...’. رمقني بنظرة ذات معنى وتفحص ملامحي قليلا. سألني :
ـ ’تقيم في بروكسيل؟ مدينة هؤلاء الذين يعملون على تدمير أممنا العتيقة.’
قال العامل مازحا : ’قد تكون أمستردام أفضل...’


ـ ’ حتى في أمستردام لم نعد نستطيع أن نحتفل بتقاليدنا المسيحية. أولادي أمهم هولندية كالاشتراكيين الذين يدمرون هذا البلد.’ ثم أضاف بلهجة تزداد صخبا : ’الاشتراكيون يأتمرون بأوامر المتطرفين المسلمين.’ لم يخف عامل المحطة انزعاجه وحاول إيقاف هذيان العجوز : ’هذا لا يقال سيدي ...’
ـ ’أقول ما أريد. لن تحدد لي ما علي قوله واحتفظْ بالتذكرة إن شئت. سأرفع شكوى ضدّك ’ تضاعف انفعال العجوز وبدأ صوته يرتفع : ’فرنسا خربها الهولنديون ... وقبلهم دمرها المجريون’ ضحك فجأة ضحكة مجلجلة وعاد مقطبا في رمشة. لم يعلق العاملان أما العجوز فواصل وظل صوتُه يزداد صخبا وغرابة حتى كِدتُ أحسب الأمر لعبة كاميرا تلفزيونية خفية : ’ في هذا القطار يهرب الأثرياء : برنار أرنو، جيرار دبارديي. قد لا تكون فكرة سيئة أن يهرب الفقراء معهم.’ ابتسم العاملان وبعض ممن حولنا، وبدا العجوز منتصرا.


وضعتْ عاملة قطار ’تاليس’ ختمها على التذكرة بعد أن غيرتْ تاريخها على عجل.
ـ عيد ميلاد سعيد...

أقلام حرة