خصيات 2012 .. خالد باباه ..بين نظريات الطب ورؤى الشعر
خالد باباه
ت



تسكن روح الدكتور الشاب خالد ولد باباه نزعة لتوسيع دائرة الانزياح الشعري، يتقن استنطاق النوارس، ومحادثة الأصداف على ضفاف أنهار باريس، وفي المقابل يمنح ولد باباه الكثير من وقته للبحث العلمي، ولذلك سجل في بحثه للدكتوراه قبل أشهر أهم كشف علمي منذ 20 سنة في تخصصه المتعلقة بسرطان الرحم.ولد باباه شاب موريتاني ينتمي إلى ولاية تكانت يتعامل بحرفية بالغة مع اللغتين العربية والفرنسية، يعتبرهما مجداف حياته العلمية، يحرك بهذه زروق الطب إلى أبعاد أوسع عمقا وقدرة على تقريب الشفاء من المرضى.

وفي الشعر والثقافة يمنح خالد مساحة أكبر من الخيال، لصناعة أخيلة جديدة، ومع كل صباح يجد نفسه في سبح جديد مع لغة الضاد والأدب والشعر.
خالد باباه أحد شخصيات العام 2012 في تصنيف السراج، وعبر المقابلة التالية يتحدث خالد باباه عن أشياء مهمة في مسيرته العلمية وفي مساره الثقافي والأدبي.
السراج- حبذا لو شرحت بشيئ من التبسيط والتوضيح بحثك الأخير وطبيعة الاكتشاف العلمي الذي توصلت إليه.
خالد باباه : بسم الله الرحمن الرحيم و صلي الله و سلم علي محمد سيد الأولين والآخرين
أود في مستهل هذا الحوار أن أتقدم بشكري الخالص وامتناني الجزيل للإخوة القائمين على مؤسسة السراج المحترمة لاهتمامهم بهذا العمل الأكاديمي.
قبل الإجابة علي سؤالكم أرى من الواجب علي التنويه بشخصيتين موريتانيتين ساهمتا كثيرا في إنجاز هذا البحث والإعداد له، الشخصية الأولى هي أستاذي الدكتور أحمدو ولد حميده مدير مختبر الكيمياء الحيوية في كلية العلوم والتقنيات بنواكشوط الذي ساهم في تأطيري بشكل متميز وكان عضوا في لجنة نقاش الأطروحة.
أما الشخصية الثانية فهي الدكتور عبد الله ولد محمد ولد سيدي الرئيس الحالي لجمعية الدكاترة العلميين الذي تخرج قبلي من نفس الوحدة وساهمت أبحاثه بشكل كبير في تذليل الطريق نحو هذا الإنجاز.
أمابالنسبة للبحث فهو ثمرة جهد جماعي انطلق منذ سنوات لمجموعة من الباحثين في فريق البروتينات المسرطنة (Oncoprotéiens) بالمدرسة العليا للبيوتكنلوجيا التابعة لجامعة استراسبورغ (Ecole supérieure de Biotechnologie de Strasbourg) وكان لي الشرف أن ساهمت في مراحله الأخيرة في إطار التحضير لشهادة الدكتوراه.
كان الهدف الرئيسي هو الحصول على جميع المعلومات الممكنة عن أحد البروتينات الفيروسية المنتجة من طرف فيروس البابيومافيريس (HPV) وهو البروتين E6الذي يلعب دورا رئيسيا في عمليات التحول الخلوي المصاحبة لسرطان عنق الرحم. وقد سمحت التجارب المخبرية التي أجريتها مع بعض الزملاء بالحصول علي البنية الفراغية لهذا البروتين.
السراج - برأيك أي إسهام سيضيفه هذا الاكتشاف إلى حقل العلوم الطبية اليوم.
خالد باباه : من المعلوم أن سرطان عنق الرحم لم يزل يشكل معضلة في الصحة العامة علي المستوي العالمي ويعتبر أكثر السرطانات فتكا بالنساء في بلدان العالم الثالث ويحتل المرتبة الثانية عالميا على لائحة السرطانات الأكثر انتشارا بين النساء. ولأهمية هذا الموضوع تم تخصيص جائزة نوبل للدراسات الطبية لعام 2008 للباحث الألماني الدكتور هارالد تسور هاوزن لتمكنه من إثبات الإرتباط بين سرطان الرحم وفيروس HPV.
وكما ذكرنا آنفا فإن التجارب المخبرية التي أجريتها أثناء الإعداد لشهادة الدكتوراه ساهمت في الحصول علي البنية الفراغية للبروتين E6الذي يتم إنتاجه من طرف فيروس HPVالمسؤول المباشر عن هذا السرطان وهو أمر قد يمكن الباحثين في هذا المجال من تصميم علاجات فعالة ضد سرطان الرحم تقوم بالتعرف علي البروتين E6والقضاء عليه أو تحييد مفعوله في جسم الإنسان.
ثم إن المعطيات العلمية المستخلصة من تلك التجارب قد تفيد في فهم ومحاربة السرطانات الأخري سواء المرتبط منها بفيروسات أو المرتبط بأسباب أخري وذلك لوجود عوامل مشتركة بين جميع أمراض السرطان. وقد تم قبول هذا البحث كجزأ من مقال علمي للنشر قريبا في واحدة من أشهر الدوريات العلمية في العالم.
السراج - تعيش غربة علمية في فرنسا منذ سنوات كيف تجد النمط الدراسي الذي تعيشه فيه، وليكن السؤال غير طبيعي ماهي مآخذك على أساليب دراستك هنالك.
خالد باباه : بالتأكيد النظام الدراسي في فرنسا لاغضاضة عليه ويعتبر من أحسن الأنظمة عالميا سواء في مجال الدراسة النظرية أو البحوث العلمية لكننا معاشر الطلبة الموريتانين ندخل التعليم العالي في فرنسا أوغيرها ونحن نجرورائنا ذيل مرط من الثغرات المعرفية والمنهجية المتراكمة بسبب القصور أو التقصير في نظامنا التعليمي مما يقلل من إستفادتنا من الأنظمة الدراسية الحديثة.
وإذا كان لابد من الحديث بلسان الناقد للنظام الأكاديمي الفرنسي فإننا نقول أنه هناك فعلا بعض الهنات والمشاكل المرتبطة أساسا بأسلوب العمل والتقويم المعرفي وربما بالبعد الإنساني من قبيل البرود في العلاقات والمجاملات داخل الحيز العلمي والعملي وتضييع بعض الوقت في البيروقراطية الزائدة وتقديس الإلتزامات الشكلية علي حساب الإنتاجية. لكن هذه الملاحظات تبقي رهينة التجربة القصيرة والمحدودة لذا قد لاتصلح للتعميم.
السراج - خالد باباه الشاعر كيف يمزج بين الشخصية العلمية الصارمة في البحث والتحليل وبين روح الشاعر المحلقة.
خالد باباه : أنا ممن يؤمنون بأن روح الشعر تسكن حيث تجد مستقرها ولاتبالي في أي إهاب كانت، وأن ليس هناك ارتباط محسوس أو متخيل بين الشعروالمهنة. وإن كان بعض النقاد يري أن شعر المتخصصين وأصحاب المهن هو شعر باهت متكلف فإن ذلك قد يصح علي بعضهم لكنه لا يصلح للإطلاق، فلو صدقت مثلا قولة ابن قتيبة في وصفه لشعر الخليل الفراهيدي المتخصص في علوم اللغة بأنه '' متكلف لم يأتي عن إسماح وسهولة ''، فإن رأي طه حسين في شعر إبراهيم ناجي المتخصص في الطب بأنه '' شعر صالونات لايحتمل أن يخرج إلي الخلاء فيأخذه البرد من جوانبه '' لرأي يجانفه الصواب و تكذبه طلاوة الأطلال وأخواتها من روائع إبراهيم ناجي.
ولكنني أومن مع ذلك بأن روح الشعر متمردة، ملول، حرون، متقلبة، ذات ألوان، تكره التكرار و تستعذب الإكتشاف وارتياد المجهول وتلك سمات منها مايتماشي مع البحث العلمي كحب الإستطلاع ومنها ماقد يناقضه إذا لم يروض مثل كراهية التكرار وعدم الصبر علي الروتين ... ثم إن الشاعر ليس بشعر يمشي علي الأرض وإنما تتلبسه الحالة الشعرية بين الفينة والأخري وتقوله القصيدة أكثر مما يقولها هو، فالشعر '' أرض الإنفعال '' كما يعرفه نزار قباني.
السراج - برأيك متى ستصل تطبيقات نتائج بحثك إلى المشافي الموريتانية.
خالد باباه : إني وإن كنت من المتفائلين أري أن المشافي الموريتانية مع الأسف قد لا تستفيد بسرعة من مثل هذه الدراسات وذلك لسبب بسيط وهو أن الكثير من الأمراض لازالت تفتك بشراسة في موريتانيا رغم وجود علاجاتها منذ أمد بعيد بسبب تأخر التشخيص وضعف الغطاء الصحي.
السراج - كيف يعيش الطالب البحاثة، المسلم الملتزم في بلاد الأنوار ..حدثنا عن يومياتك هنالك.
خالد باباه : حسب تجربتي الشخصية وحسب مالمسته من بعض الإخوة فإن تجربة العيش و الدراسة في فرنسا لا تخلو من فوائد جمة فبالإضافة إلى التقدم العلمي والتسهيلات المتوفرة للطلبة والباحثين فإن المهتم يستفيد من المناخ العام الذي يوفر تكوينا مهما في الكثير من الميادين مثل حرية الفكر والوعي بالمسؤوليات والحقوق وتجاوز النظرة الشكلية والسلبية في تقويم الذات والآخر والأشياء ، وماأعنيه هنا ليس الفهم النظري وإنما الممارسة الفعلية بشكل يومي كما يتيح هذا المناخ الإطلاع علي آداب القوم والإستفادة من تجاربهم في الحياة.
بالتأكيد تشتمل هذه البلاد علي الكثيرمن السلبيات والنقائص لكنني لم أحبذ الخوض فيها هنا فهي مشهورة مستفاضة بين الناس .
السراج - اذكر لنا بعض المواقف الطريقة والمحرجة وتلك المؤثرة التي عشتها في غربتك هنالك
خالد باباه : لنبدأ بالمواقف المؤثرة وهي كثيرة في هذه البلاد، فكثيرما أتأثر حين ألتقي ببعض المسلمين الجدد وألاحظ حرارة إيمانهم واجتهادهم في العبادة والدعوة وأشاهد تقصيري وتفريطي ... وربماأتأثرحين أناقش في شأن الدين من أري في عقله حصافة وفي فهمه دقة وأرثي لحاله حين أراه يصر علي إنكار خالقه.
أما المواقف المحرجة فأعلقها بذهني أنني حينما أعتذر لسيدة أو فتاة من القوم عن المصافحة أعاني دائما حرجا شديدا، فقد تتصورأن ذلك استعلاء وتكبرا، وقد تسمك بالرجعية والتخلف أوحتي بالتمييز ضد المرأة وكثيرا ماكان يحصل لي ذلك، و حصل لي مرة مع عميدة الجامعة لكنه وللأمانة لم يؤثر يوما في مشواري الدراسي ولله الحمد والمنة.
ولنختم هذه المواقف بهذا الموقف الطريف، حدث ذلك في جنوب إيطاليا حيث كنت أحضر أحد المؤتمرات العلمية وفيما كنت واقفا أمام عرض عن أحد البحوث تقدمت نحوي مجموعة من الطلبة وبدأت في طرح بعض الأسئلة بالإنكليزية حول بعض التجارب المستخدمة في الدراسة فتلعثمت قليلا ثم استجمعت ثقتي بنفسي وبدأت الشرح بهذه اللغة الكؤود مع عناء واضح لضعف مستواي فيها آنذاك، وبعد نهاية هذا الشرح المضني تفاجأت أن أحد الطلبة طرح علي سؤال باللغة العربية لأكتشف أن كل المجموعة تنتمي لأصول عربية فضحكت حينها وبدأت الشرح بلغة الضاد بسلاسة وعفوية وكان هذا الموقف فاتحة للتعارف مع هؤلاء الإخوة و لحديث ذي شجون عن لغة القرآن .
السراج : - هل ستواصل الهجرة أم ستعود إلى بلاد " المهاجرين" موريتانيا
خالد باباه : قد لاأوافقك علي هذه التسمية علي الأقل بالنسبة للهجرة الدائمة فحسب تجربتي البسيطة فإن أغلب من التقيت بهم من أبناء هذا الوطن لا يفكرون مطلقا في الإقامة بشكل دائم خارجه، وإن كانوا يجدون فيه من الضيم مالا يجدون في غيره. أما أنا فلست نشازا عن هذا الرأي وأرغب في العودة إلي ربوع الوطن اليوم قبل الغد وإن كنت أفكرفي استكمال هذه المغامرة العلمية واكتساب المزيد من الخبرة في مجال تخصصي حتي لاأعود من منتصف الطريق ولكنني أرجو ألا تطول غيبتي عن أرض الوطن.
السراج - اختر لنا نصا من نصوصك الشعرية للنشر
خالد باباه : في الوقع أنا أحتارفي الإختيار بين مرثية جبال في النعوش في رثاء الشيخين عدود وبداه ، وبين أسراب النوارس،، فلك أحيل الإختيار أخي الكريم
جبال في النعوش
شرقت بسيل الدموع الأجاج ... وضاقت علي عراض الفجاج
وحيدا أبث همومي لنفسي ... وأرنو لليل السماء أناجي
وكم بك ياليل ضجت صدور ... بخطب مهيب وفجع مفاجي
كرزء ربوعي بأسبوع حزن ... لشيخي شيوخ ونوري سراج
فعدود كان يضيء الدروب ... بعلم وحلم وسد لحاج
كذا ابن البصيري علما وحرصا ... علي الدين من كل زور اعوجاج
مضي النعش يتلوه نعش بركني ... بلادي فرجت وأي ارتجاج
أسراب النوارس
أأسراب النوارس قافلات ،،، إلي الأرض الجنوب صباح عيدي
بآ فاق السماء حباك ربي ،،، بأمن والنجاة من المصيد
وعافاك الإله بكل حين ،،، من اللئواء والضنك الشديد
ولا فوجئت بالنسر المخوف ،،، ولا صدتك أسلاك الحدود
إلي أن تبلغي الوطن المفدي ،،، وتوفي بالتحية للجدود
لمن نحتوا فصول الحق قِدما ،،، بأطراف الأسنة والبرود
لمن وقفوا إزاء الشر سدا ،،، و أوفوا بالأمانة والعهود
()()()()()
أأسراب النوارس قافلات ،،، إلي الأرض الجنوب صباح عيدي
سألتك قبل بينك آنسيني ،،، من اللحن المغرد بالمزيد
فقد هيجت مادفن الزمان ،،، بأفناء الحشاشة من تليد
وذكرت الصبابة والتصابي ،،، وأيام التلاقي والصدود
فنصف تحيتي للمجد أهدي ،،، ونصفٌ للملاحة والخدود
ولاعدم الغريب طيور جو ،،، كمثلك يانوارس من بريد
ولا عدم الغريب طيور جو ،،، كمثلك يا نوارس من بريد

السراج : شكرا لكم