محمد ولد عبد العزيز
لم تكن الرصاصات الصديقة الحدث المثير الوحيد في حياة الرئيس محمد ولد عبد العزيز، ففي مراحل كثيرة من حياة الرجل كانت الإثارة والعفوية والشعبوية أكثر سمات الرجل.
يتحدث الرجل الذي يدلف بشكل عاصف إلى عقده السادس بثرثرة كثيرة، يقدم وعودا متزايدة وينجز في الغالب جزء ضئيلا من تلك الوعود، ليقوم بعد ذلك باستغلالها أبشع ما يكون الاستغلال، وهو لذلك يملك فريقا إعلاميا متمرسا ووفق ما يقول أحد كبار معارضيه.

أما أنصار الرجل فيرددون " احمدت الله اسلامتك واطلبتو يجمع لامتك"، حيث يرون في الرجل ابن موريتانيا البار الذي أنقذها من الويلات والفقر والجوع والتبعية وسمى بها إلى مصاف الدول المؤثرة.

وبين الموقفين يحافظ الرجل على الإثارة، يحتكر الأضواء عن أغلب وزرائه ومسؤوليه، ضمن ما يحتكر عنهم من سلطات المبادرة في القرار والصرف المالي والتأثير.العلم في الرأستصدق السيرة الذاتية المنشورة للرجل المثل القائل " العلم في الراس ليس في فاس ولا مكناس" حيث يبدو أن تميز الرجل لم يكن وليد دراسات معمقة، ولا فترات تحصيل علمي طويل، لكنه كانت بسبب " الممارسة والتكوين البدني" ضمن مؤسسة الجيش.تقول السيرة الرسمية إن الرئيس محمد ولد عبد العزيز ولد في 20 /12/1956 في مدينة أكجوجت، فيما تقول مصار أخرى إن الرجل ولد في ذات التاريخ ولكن في اللوكة السنغالية التي مثلت لسنوات طويلة حاضنا اقتصاديا واجتماعيا للمجموعة القبلية التي ينتمي إليها الرجل، ومن اللوكة عاش الرجل سنوات طويلة بين روصو وقرية بغداد الشاطئية على نهر السنغال قبل أن يدخل الجيش الوطني في العام 1977، وبين الميلاد ودخول الجيش لا توفر الحفريات التاريخية حول الرجل معلومات كثيرة، سوى أحاديث متضاربة تقول إن الرئيس السابق اعل ولد محمد فال أراد انقاذ ابن عمه من حياة التكسع في أزقة وحواري نواكشوط وأدخله الجيش الوطني، باعتبار ذلك الوسيلة القصوى حينها لتعديل مزاج المراهقين المشاغبين في نواكشوط.تلقى ولد عبد العزيز تكوينات مكثفة في مجال الميكانكا منذ دخوله المؤسسة العسكرية،إلى حين تحويله مرافقا عسكريا للرئيس السابق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع.حيث تلقى من 1977 إلى 1980، تلقى تكوين ضابط مختلف-أسلحة في الأكاديمية العسكرية الملكية بمكناس.

وفي سنة سنة 1980 حصل الشاب ولد عبد العزيز على رتبة ملازم، ليواصل خلال العامين التاليين التكوين العسكري في مجال للوجستيك بالجزائرليتولى لاحقا في العام 1984 وظيفة المرافق العسكري للرئيس معاوية ولدسيدي أحمد الطايع كان حينها أطوع له من نعله وأتبع له من ظله، قبل أن يترقى لاحقا إلى رتبة نقيب بعد سنتين من التدريب في أطار، ليعود بعد ذلك إلى وقفته خلف الرئيس ولد الطايع مرافقا عسكريا قليل الكلام.واصل ولد عبد العزيز ترقيه في الخدمة العسكرية، قبل أن
يصل إلى قيادة كتيبة أمن الرئاسة، مساعدا لقائدها السابق المرحوم اوداعة، وقبل عام واحد من وصوله إلى سدة الحكم، حصل ولد عبد العزيز على رتبة عقيد.
تقول مصادر عسكرية إن الرئيس محمد ولد عبد العزيز لم يشارك في مهمة الدفاع عن القصر الرئاسي أثناء المحاولة الانقلابية لفرسان التغيير لكنه في المقابل كان أحد قادة التحقيق مع الجناحين العسكري والمدني للانقلابيين، ليحمل حينها عقدة خوف وتشاؤم ضد " زعيم المحاولة صالح ولد حننا ورفاقه من القوميين والإسلاميين"في 3/8/2005 أطاح ولد عبد العزيز بالرئيس السابق معاوية ولد سيد أحمد الطايع، وبدأت صفحة جديدة تفجر فيه الرجل الكتوم عن عاصفة من المواقف المتسارعة، كان الجميع يعرف أن عزيز هو رجل الظل الأقوى، حتى وإن ظهر اعل ولد محمد فال على الواجهة لمدة سنتين أو أقل وسيدي ولد الشيخ عبد الله لمدة مماثلةبوابة الرصاص الصديقيدخل ولد عبد العزيز العام 2013 بعد أن نقص وزنه الجسمي بأكثر من 20 كلغ، ترى كم نقص وزنه السياسي، بين فريقه الحاكم وعند المواطنين.ما هو مؤكد جدا أن وزن ولد عبد العزيز ضئيل جدا في ميزان المعارضة، أما في ميزان الأغلبية فلا يزال الرجل صانع المعجزات.لكن ولد عبد العزيز يغادر 2012 بسجل حافل من الإنجازات والإخفاقات والوعود المكذوبة،وفي جو معيشي خانق لا يزال الرئيس محمد ولد عبد العزيز وفريقه الحكومي يصر على أن البلاد قطعت أشواطا كبيرة في سبيل " رفاهية المواطن".وخلال العام المنصرم، تراجعت بشكل كبير حمى " التجريد من المناصب" وانهزمت بسرعة كتائب الحرب على الفساد، ولم يجد الرئيس محمد ولد عبد العزيز غضاضة في التصريح لبعض ضيوفه بأنه " غير قادر على محاربة الفساد".خلال العام 2012 واصلت شركات المعادن التهام ثروات الوطن، ليتجاوز الأمر إلى قتل المواطنين، وليكون الشهيد محمد ولد المشظوفي أيقونة النضال الوطني في هذا المجال.على صعيد آخر، التهمت نيران الفساد والتقصير أرواح شهداء الجيش الوطني حيث سقطت طائرة عسكرية كانت تستغل لنقل الذهب من تازيازت، وارتقت أرواح الشهداء بعد أن تفحمت أجسادهم دون منقذ.بالنسبة لولد عبد العزيز فإن العام 2012 كان الأكثر سخونة بين أعوامه الثلاثة منذ وصوله إلى السلطة في انتخابات 2009، ففي هذا العام صعدت المعارضة من أنشطتها السياسية، ورفعت شعار " الرحيل"، وفي هذا العام أيضا تضاعفت الأزمات الاقتصادية للمواطنين، وواصلت أسعار الوقود تحليقها المستمر، ترافقها في ذلك أسعار المواد الغذائية، وفيما كان الجفاف يحصد أكثر من نصف الثروة الحيوانية، كان ولد عبد العزيز يقول إن " الجفاف عند المعارضة " فحسب.على المستوى الأمني يواجه النظام أزمة حادة على الحدود مع مالي وبين خيارين أحلاهما مر يسير على عبد العزيز على الحبال في أزمة مالي، بين المجازفة بالانسياق مع الموقف الفرنسي أو المجازفة بدفع الجيش والوطن إلى حرب غير محسوبة، وبين الموقفين يؤكد ولد عبد العزيز أن موريتانيا لن تشارك في الحرب قبل أن يستدرك " ولكن إذا .... لن نتوقف عند الحدود".في العام 2012 تصاعدت تهم المعارضة وتنظيماتها الشبابية للرئيس محمد ولد عبد العزيز وفريقه الاجتماعي القريب بالثراء على حساب الشعب، ووجهت أكثر من اتهام لحرم الرئيس بشراء شقق ومساكن في المغرب وفرنسا.وفي نفس العام خرج الرئيس من أزمة رصاصات نجله بدر التي اخترقت جسد صديقته رجاء، إلى عرس باذخ لابنته، إلى ثراء غير مسبوق لابن خالته، إلى رصاصات صديقة على طريق غير معبد.عام بدون تدقيقلعل أبرز ما يميز العام 2012 بالنسبة للرئيس محمد ولد عبد العزيز هو الحديث عن إنجازات لم تقع بعد أو الحديث عن أشياء تعمل الحكومة على نقيضها تماما.في نواذيبو تحدث الرئيس محمد ولد عبد العزيز عن القضاء التام على صفقات التراضي المشبوهة، قبل أن ينكشف الستر عن أكثر من 40 صفقة تراض نفذتها الجهات الحكومية.وقبل أسابيع تحدث الرئيس محمد ولد عبد العزيز عن الماء الدافق الذي سيروي عروق مدينة مكطع لحجار ورغم ذلك لا يزال العطش يلقي بظلاله الكالحة على مدينة الوعود المتصاعدة.وفي إحدى خرجاته الإعلامية ضاعف ولد عبد العزيز رواتب أساتذة التعليم الثانوي بشكل خيالي، مع أن كشوف درجاتهم لا تزال تحت حضيض الحاجة.ولاحقا سيعلن الرئيس عن إلغاء الضريبة على الراتب، قبل أن يعلن مدير الخزينة أن الأمر مستحيل جدا حيث تدر هذه الضريبة 23 مليار أوقية على الميزانية السنوية.على شفا الموتكاد ولد عبد العزيز أن يكون نسيا منسيا خلال العام المنصرم، بعد أن اخترقت الرصاصات الصديقة، جسمه فالرجل الذي اخترع مصطلح الثوار العجزة كاد أن يتحول إلى رجل عاجز في ربيعه الخامس من العمر.

في نهاية العام 2012، فإن ولد عبد العزيز الذي صنفته مجلة أمريكية باعتباره أحد أسوء رؤساء العالم حظا لا يبدو كذلك، فهو يواجه معارضة مرتبكة إلى أقصى الحدود وشارعا يميل إلى الهدوء أكثر مما يطالب بالحقوق، فهل ستكون حظوظ الرجل في العام 2013 أكثر حسنا من سابقه، أم أن الرجل سيواصل على ذات الطريق غير "المعبد"

السراج