بلاد الحرميْن.. ثأرٌ مع التاريخ..!

نشرت صحيفة "واشنطون بوست" الأميركية في مارس الماضي تقريرا كاد يمنع عينيَّ من الغمض أياما. إذ كنت عائدا من أداء العمرة، وكنت مكدودَ الخاطر مشغول الفكر بتاريخ أمتي اليتيم في بلاد الحرمين. وشاء ربك أن أقرأ مقال الـ"واشنطون بوست"، فضاقت بي الدنيا وتملكني شعور طافح بالعجز. كان عنوان المقال هو: ((In Israel, a battle to save the ancient Canaan dog.

يتركز المقال حول جهود اليهود في إسرائيل لحماية سلالة من الكلاب الكنعانية من الانقراض. إذ تقوم هيئات بجمع عينة معينة من الكلاب (يسمونها الكلاب الكنعانية) من صحراء النقب وتحرص على تنظيفها وإطعامها والتأكد من تكاثرها.

وسبب الحرص على هذه الكلاب –المعروفة بالعيش على القاذورات!- أنها قد تكون ذُكرت في التوراة. لذلك "تمثل كنزا ثقافيا لا بد من الحفاظ عليه". فعندما كان موسى وعيسى "يُقلبان ناظريْهما في جنبات الأرض المقدسة ويلتفتان لسماع نباح كلب، كانت أعينهما تقع على كلب كنعاني مثل هذا". لذلك لابد من المحافظة عليه –كما هو- للمحافظة على تاريخ إسرائيل!

قام القومُ بحصر أشكال هذه السلالة من خلال فحص وقياس خصائص 700 جمجمة لكلاب تعود للقرن الخامس قبل الميلاد، اكتشفت جنوب تل الربيع (تل أبيب) ثم قرروا حمايتها بناء على تلك المعلومات.

كنت كلما تقدمت في قراءة القصة أشعر بسهام صدئة تنغرز بين جوانحي.

كنت أفكر في تاريخنا الذي تعبث به الجرافات ليل نهار في بلاد الحرمين الشريفين.

فأعداؤنا يحافظون على أشكال الحيوانات الضالة التي عاشت أيام ملوكهم وأنبيائهم، يحافظون عليها لأن أنبياءهم نظروا إلى أشباهها. أما نحن فسنهدم هذا العام مسجد الغمامة ومسجد عمر ومسجد أبي بكر، ثم لا يرفُّ لنا جفن!

لماذا نحارب ذواتنا ونحرم ذرارينا من تاريخهم؟

كيف سيتحدث أبناؤنا عنا إذا ما أفاقوا بعد سنوات ليجدوا مكة والمدينة مجمعات تجارية وقصورا مترفة، قد درست معالمهما وعفت ملامحهما وانقلبتا إلى غابات إسمنتية صماء؟

خُيل إلي لدى زيارة الحرمين أن لدينا ثأراً مع التاريخ الإسلامي. وما زالت عبارة قالها أحد هيئة كبار العلماء ترن في أذني. قال وهو يتحدث عن قبة المسجد النبوي، مبرهنا على أن لا قيمة شعائرية لها –وهو أمر لا يختلف عليه اثنان- "ما فائدة هذه القبة أصلا؟ نسأل الله أن ييسر لها من يهدمها..".

أولهما: ما يحز في النفس أن ديننا يتميز بين كل الديانات بخاصيتين يبدو أننا لا نوليهما اهتماما:

أن تاريخ جيله المؤسس مدون محفوظ بتفاصيل التفاصيل. نعرف أين كان بيت فلان وعلان، وما هي المسافات التي تفصل بين حييْ بني فلان وفلان.

وأين كانت بيعة أبي بكر (مكتبة الملك عبد العزيز قرب الحرم النوبي)، وأين ضرب النبي صلى الله عليه وسلم برجله داعيا لسوق المدينة، وأين وادي العقيق، وأين صلى في الشعب بعد يوم أحد، وأين الخندق وأين وُلد النبي وأين شعب بني هاشم، وأين بدر إلخ..

ثانيتهما: أن اللغة الأصلية للدين حية محفوظة. وهذا يجعل كل شيء دقيقا وواضحا ويقينيا ينبض حياة. لا ينقصه إلا الذهن المستوعِب والشعور المرهَف والإرادة المتكئة على الذوق السليم. رغم كل ذلك، تسأل عن أي معلم من معالم مكة أو المدينة فيقال لك إنه هدم وبني عليه قصر لفلان أو مطعم لفلانة!

تخيل لو أننا نملك حسا تاريخيا، وذوقا إنسانيا وحضاريا.

كنتَ ستدخل مكة أو المدينة فتسير في تضاعيف إحداهما كأنك في العصر النبوي، فتمتلئ نفسك تهيبا للمكان وشوقا لساكنيه. فاللافتات تخبرك أنك تجتاز حي بني سلمة، وأنك مارٌ بمزرعة أبي بكر في العوالي، وأن الخندق أمامك، وأن أحداً –الصحابيَّ الجليلَ- عن شمالك، وأنك الآن في بيت سعد بن عبادة، وأن قرار معركة أُحد اتخذ هنا، وأن المزرعة التي أمامك هي مزرعة اليهودي الذي حثا التراب على الجيش وهو في طريقه إلى أحد وأن هذه هي الحظيرة التي جمع فيها النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار عندما وجدوا عليه موجدة وأن هذا هو البئر الذي سقط فيه خاتم النبي..إلخ..

ثم يناديك أحد الكشافة باسمَ الثغرِ (عكسَ التجهم المشترط في كل عامل في المشاعر!) قائلا: ذاك بيت وهب بن عبد مناف، حيث ولد المصطفى!

ثم ترى اللافتة تعلن: أنت الآن تعبر سوق المدينة، فهنا باع فلان واشترى فلان...

فتخف وتطرب وتنهمر دموعك منشدا:

كم خلف ليلى ركابٌ من هنا عبَرتْ * وعَضَّ من لَغَبٍ نضوٌ على لجمُ!ِ

فيتمثل أمام ناظريْك العصر الزاهي والأوجهُ النيّرة والتضحيات الجسام فتزداد لهم حبا، وبها تعلقا وبدينك تشبثا، حتى كأنك تحس الوحي يتنزل غضا طريا في هذه الربوع.

لماذا يهدم تاريخ الأمة لتُبنى الأبراج والمطاعم عند الحرمين؟

أليس من الأفضل أن تكون الأبراج خارج المدينة التاريخية، وأن تكون الأرض منبسطة مع وجود مبان تاريخية تحاكي أشكال المعمار أيام العصر النبوي يمر الناس وسطها مشاةً حتى يدخلوا الحرم؟

أليس من العيب أن تكون مطاعم كي. أف. سي. ومكدونالدز وفندق أنتركونتيناتل (نخدع أنفسنا ونسميه "دار التوحيد" بينما تملكه شركة غراند متروبوليتان المعروفة ببيعها الخمور والدخان!) أهم معالم الحرم اليوم؟

علم الله أن أول مرة أدخل فيها مكة، كنت قبل أن أرى معالمها متوثبَ الوجدانِ منطلق الخيال حر النفس بسبب الصور التاريخية التي كنت أستعيد في ذهني. لكني ما إن اقتربت حتى كانت الساعة الضخمة أول ما لاح لي من معالم البلد الأمين. أعوذ بالله!

فضاق صدري وقلِست نفسي. أي تخلف ذوقي وحضاري ذالك؟

ساعة إسمنتية فولاذية صماء براقة تكون أول ما ترى من معالم البيت العتيق؟

من ذا الذي يُقرض اللهَ قرضاً حسنا فيخبرَ إخوتنا السعوديين أنه منظر تقذى به العين ويمرض به القلب وتشمئز منه الفطر السليمة؟

حسبنا أن نرى جبال مكة ودورها كما هي.

ثم كيف تهدم مساجد تعود للقرن الهجري الأول لتبنى مكانها مولات وفنادق وساعات تذكر بساعة بيغ بين، مع فارق التاريخ والسياق والمكان؟

ثم على السلطات السعودية –التي لا أشك في حبها للحرمين وحرصها على خدمتهما، وإن أعوزها الذوق السليم والفهم الغائر- أن تفهم أن هذا التراث ملك للموزمبيقي والتايلاندي والأميركي والبرازيلي والأحمر والأصفر، سابقٌ على الدول والأعراق والسلالات وباق بعدهما.

لقد أصاب المؤرخ الإنكليزي أرنولد تيونبي كبد الحقيقة عندما قال: "إن الحضارات لا تموت قتلاً.. بل انتحارا". أوليس محو الذاكرة التاريخية من أعنف أنواع الانتحار الحضاري؟

أما قصة الحج فأهم وأطم، وقد أتحدث عنها –إن وفقني ربي- خلال مقال لاحق.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

أحمد فال الدين / كاتب موريتاني

المصدر: وطن