عام مضى وعام جديد...

الحمد لله القائل : ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾{آل عمران: ١٤٠ }.
والقائل سبحانه وتعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة].
وهو الخبير سبحانه, {كلّ يوم هو في شأن} ؛ حيث أدار الفلك... بله والكون برمّته؛ وخلق لنا ما في الأرض جميعاً وبمدّة معلومة محدّدة؛ ليبلونا أيّنا أحسن عملاً قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الحديد:٤-5] . [والسجدة 4, وفصّلت [9-12] وغيرها من الآيات.
وهو الأول والآخر والظاهر والباطن.
وهو الذي خَلق فسوَّى, وجعل الليل يغشى, والنهار يتجلّى, وخلق الذكر والأُنثى لرقّ محتوم, فيه استخلاف وتمكين, وحُكم وقضاء, وحِكَم وغايات؛ وليُنذِر بالانقضاء؛ ليُستغلّ العُمر ولا يُهدر, ويطلب المدد, ولا ينقطع الوالد والولد, ثم يسيّرهم بذراريهم وبلياليهم وبأيامهم وجميع أعراضهم وأحوالهم؛ ليوم لا ريب فيه!
بطريق حياة, وجدَث برزخي, وإعادة جثمان!
وقد كانوا قبلُ عدماً؛ (والموت) خلقٌ له زمان! سابق (الحياة), ويُقضى عليه؛ لها؛ في (دار الحَيَوان).
وقد أبدع ونشَّأْ على غير مثال.
وخلق السموات والأرضين -خلقٌ أكبر من خلق الناس [ولنتعظ بآية فاطر 57]- في مدّة زمنية, لها طرف ابتداء وطرف انتهاء؛ وخلقنا تحت مظلة عظمى فيها(تكوير وتسخير وجري ؛ لأجل مسمَّى!) في ظلمات ثلاث ! [الزُّمَر 5-6].
وإليه المصير.
يتذكر الانسان ذلك كل حين, ويتفكّر ويستنطق القلب لِيعي ويعقل! في عامِه وعامّة عمره ؛ للانتقال بعامّة الجسم الذي هو كمجموع الأيام.
يتذكر الانسان فيما بينهما, وبين دقائقهما وساعاتهما, وأنه لن يستطيع ردّ الماضي وإن كان قد ملكه!. ولن يؤثر في المستقبل وإن كان سيفعل أسبابه بوعد أوتقدير, ويأخذ بالحاضر والسبب الصالح لأمل المستقبل.
يتذكر الانسان أنه لا غنى له عن ربّه الكريم الودود, والشوق لدار الـخلود.
حيث لا مدّة وتنتهي, ولا تحديد بزمن!
وقبل وداع تأريخه قلّ أو كثر؛ يتحيّن الصواب.
والله سبحانه وحده ! يداول الايام بأعوامها بين الناس , والكيّس من تفطّن لأجزائه في يوم الجمع! لا ريب فيه, وكما قال أبو الدرداء -رضي الله عنه ذلك الصحابي المتحصّن بالسير إلى الله بلزوم حقّ العبودية, وعلى بصيرة- : «...إنما أنت أيام ؛ كلما مضى منك يوم مضى بعضك». سار الموفّق من المدينة النبوية, للشام فالثغور حرصا على يومه, متفكّراً في رمسه. وحتى آخر عمره المُهاب؛ كان يخشى التجزؤ في إغفال الأيام وأعضاء الجسد؛ ولو كانت ثمانينية.
واليوم –دائماً- ينادي ابن آدم مع انشقاق فجره الثاجّ في عمر الكون وساحل الحياة: «...إنا خلق جديد, وعلى عملك شهيد؛ فتزوّد مني فإني لا أعود!» ([1]) إلى يوم التناد والمزيد الذي لا انقضاء عنده.
وإن حدث موطئ زلل, أو موطن عذر؛ فليتمكن من العزاز والثقة ليتحول الفراغ ؛ قدوة.
لأن الليالي تصبّح بالغريب والمفاجئ والطريد, ولا تلوي على أحد.

والليالي من الزمان حبالى .... مثقّلات يلدن كل عجيبة.

وفيها يفتقر الغني, ويتبدّل حاله؛ إلا من كان غنيّاً بالله.
ويتغيّر حال الحسيب ولو بنظرة مشفقة.
ويُعَزّ الذليل تبدّلاً وتمكيناً.
ويقوى الضعيف؛ عُصبة وولداً وإيماناً.

وهذه الدار لا تبقي على أحد.... ولا يدوم على حال لها شأن.

فهي تدخل كل بيت ومِكنّ.
وما تقنيتنا الحديثة ببعيد؛ فمن كان بالأمس يدخل بيته ليسكن! أصبح يهرب منه ليأمن! يهرب من دخن وسلك عجب ولهو.
فيسكن إنْ سمع عواء ذئب غير بشري.
ومن كان يحاسب شريكه وأجيره خوفاً من الخسارة الأخروية! أصبح يتكاثر منه ويرهقه طلبا لأي مزيد وعرض زائل.
وللزمن قيمة حتى في التعاملات إذا كانت بأجل.
والإحصاء مرقوم؛
﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾{مريم: ٩٤ } نفسا نفساً , وهو –الإحصاء- منهج في الحياة أيضا؛ سنّه الحبيب صلى الله عليه وسلم. في ابتداء سياسته في المدينة؛ لحسبة النفوس.
وحتى القَطْر محسوب, والرزق مكتوب . والأدهى (العمر مسلوب)
ومما يتذكّره الانسان : حال الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وأن الأيام والليالي دارت عليهم بحلوها ومرّها وخيرها وشرها, ومراحل ازدهارها ويبسها وقحطها وقوتها وضعفها, وأنهم بشر لكنهم هان عليهم ما يلقون مهما كان الثمن في سبيل الله, والقسط والحق هو الرجوع والأوبة لأساس ما عند الله؛ عزّة وتمجيداً.

فالرسل ؛ صدقوا بكل الجزئيات, وتبعهم الصحابه -رضي الله عنهم- على ذلك بصدقهم ما عاهدوا الله عليه, بل قد مرّ الرسل بمراحل يئس وشدّة وفتون؛ قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾يوسف: ١١٠}.
وهذا نبيّنا يصيبه الكرب! فعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول عند الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم )) أخرجه البخاري.
ويرشد أسماء بنت عميس؛ قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب - أو في الكرب - ((الله الله ربي لا أشرك به شيئا)) أخرجه ابو داود
كلمات تخرج من القلب وتكرر؛ رقّاً وعبودية وتوحيداً.
وما حال موسى عليه الصلاة والسلام بخاف؛ حيث ضاق عليه البَرّ وأطبقت الأرض بحاجزين عليه وعلى قومه؛ فبدّل الله ربنا الحال وأُغرق الفرعون ونجا الممتثل!
والأيام هي الأيام التي كتبها الله في خلقه وقدره باعتباراتها الكونيّة والعمريّة والحوليّة والشهرية واليوميّة, وتكون فيها للإنسان فتن, وفيها رؤوس أموال وفيها شهوات ومغريات وأحوال خدّاعة وفيها مالا يخطر على بال في الماضي, بحاضر غريب؛ فيقع الخلل في المستقبل لمن لا يتريّث, ولمن لا يحاسب نفسه ما دام إنه في زمن الإمكان.
فليرتقي الطالب المشمّر عتبة المجد الإنساني بقمّة العبودية, وليزدهر سموّا مع حوادث دهرنا الكليل بالأصفياء الأوفياء.

والسعيد من يسبق للظلّ المتقدم زمناً؛ فلا ظلّ عداه!!!, فـالوادي الأفيح, والحسنى وزيادة.

اللهم اكفنا ما أهمّنا ومالم يهمّنا. ويسّرنا لليسرى وجنبنا العسرى في دار خلد لا نشقى بها أبداً.
وفقكم الله.
منقول