هل يعقل أن تتحرش بي ذاكرة الوطن إلى هذه الدرجة من التواطئ اللذيذ بين الأنفة والكبرياء والشموخ من جهة، وبين التواضع والتسامي وخفض الجناح من جهة أخرى؟ هل يعقل أن تتحول الجماعة في لمح البصر إلى فرد يسبح باسم الوطن ويقدسه؟ هل يعقل أن أنسى لبعض الوقت أنني أنا؟ حدث ذلك وأنا أرفع عقيرتي بالنشيد الوطني وسط جمع من المتدربين وثلة من الضباط وضباط الصف والدركيين، وذلك المربع الأخضر يتسلق ساريته بأناقة في رحلة حج إلى السماء، محتضنا نجمته وهلاله الأصفرين وحاملا في تماوجه انتماءً موحدا لكل الحاضرين، انتماءً يصعب تصنيفه أو حصره في زاوية بعينها، انتماءً إلى الانتماء... هكذا في كل يوم وفي حدود الثامنة صباحا يقدم لنا الوطن وجبة حبه الرئيسية على طبق من اللهفة وكثير من توابل الشوق إلى احتضانه؛ تزداد وتيرة نبضات القلب كأنها ترقص على إيقاع الفلامينكو أو كأن زوربا امتطى بساط الريح وجاء من أثينا ليراقص الوطن رقصته الشهيرة.. والشمس في أبهى تبرجها تبارك من عل هذا المشهد المؤثث بوطن بهي الحضور.

متثائباً يبدأ اليوم في مدرسة الدرك الوطني بروصو في الساعة الخامسة صباحا قبل أن تلقي الشمس تحيتها الصباحية على الأرض، ومنهكا يجنح للنوم في العاشرة مساء وبين هذا وذاك نعيش ـ معشر المتدربين ـ يوما مشحونا بالقلق والتعب والرغبة الملحة في أن نتمرد ونلقي بالبذلة العسكرية أرضا ونقول كفى؛ لكن أمرين اثنين يمنعاننا كل مرة من ذلك أولهما إيماننا المشترك بشيء اسمه الواجب، أو الضمير، أو الإحساس بالمسؤولية؛ وثانيهما هو رغبتنا المتواصلة في أن لا نخيب ظن قائد المدرسة وضباطها فينا حينما قرروا أن يتعاملوا معنا كنخبة وان يتركوا لنا عن وعي هامشا من الحرية لم يكن أبدا موجودا في القواميس العسكرية.

ندرك جليا أننا لسنا هنا في رحلة سياحية بل نخوض تدريبا عسكريا طالما ناقشنا أهميته ومدى الفائدة منه قبل أن نصل إلى هنا، إلا أننا توقفنا عن النقاش ونحن نجمع أشيائنا الصغيرة ونجهز حقائب السفر إلى عالم نعلم عنه الكثير من خلال ما نسمعه من الجنود ومن الضباط ونتوقع كل صنوف الخروج عن مألوف الحياة المدنية بكل بساطتها...

كل ما سمعناه عن التدريب العسكري خصوصا التكوين القاعدي لم يكن يشجع على المجييء، كنا نتوقع جحيما، ونسافر مثقلين بكل القصص التي حكاها الاصدقاء والأقارب ممن خاضوا التجربة سابقا؛ لا شعور أكثر مدعاة للخيبة من أن تذهب إلى أسوار سقر وتطرق الباب موقنا أن لا أحد سوى ألسنة اللهب سيفتح الباب... غير أن الذي فتح لنا الباب لم يكن ألسنة اللهب بل كان عالما ليس مرعبا لكنه عالم مختلف.

عدة نقاط أثارت انتباهي بعد أسبوع من السكنى في عالم العسكر؛ النظام هو أكثر ما يميز هذا العالم، مواعيد الاستيقاظ والنوم والأكل ورفع العلم والتجمع هي مواعيد ثابتة؛ حتى طرق التنقل من مكان إلى آخر، والتحية والخطاب هي طرق ثابتة أيضا؛ هذا النظام الذي أربكنا في البداية قبل أن نتعود عليه ويصبح أمرا روتينيا بالنسبة لنا؛ ثانيا طريقة الخطاب حيث يصر العسكريون على مخاطبة الجماعة بضمير المخاطب المفرد (در، اركض، قف، اسمع، نفذ..... إلخ ) إمعانا في جعلنا نشعر أننا روح واحدة وجسم واحد إذا اشتكى منه فرد تداعى له سائر الجسد؛ ثم ثقافة العسكر، ففي الحقيقة لم أكن شخصيا أتوقع أن أتعلم شيئا من عسكري وأنا جالس على مقعد دراسي، بالمقابل كنت أعتقد أنه لا يمكن لأي ضابط أن يعلمني إلا الحركة العسكرية أو التحية أما الذي حدث فهو أننا وجدنا أنفسها جالسين محملين بكل شهادات الدكتوراه والماستر (والمتريز على أقل تقدير) التي نحملها مشدوهين أمام سيل المعلومات التي تفيض من ملازم أو ملازم أول أو حتى ضابط صف يقف بكل ثقة ويقدم درسا علميا بلغة جميلة وبمنهجية متناهية في الدقة ويجعلك تخرج بشيء جديد تعلمته، بل إن كل المدرسين يتحدثون الفصحى بطلاقة و يتكلمون اللغة الفرنسية إذا اقتضى الأمر، وهو أمر يدعو إلى الفخر؛ النقطة الرابعة التي أثارت انتباهي في الدركيين هي الانتماء للوطن أولا دون اعتبار لأي علاقات جانبية جهوية كانت أو قبلية أو حتى إثنية؛ وأخيرا أثار انتباهي ذلك الأسلوب المتميز الذي يعامل بها الدرك سرية النساء التي معنا، كنا نخاف على زميلاتنا أن يعاملن معاملة تنتقص من أخلاقهن أو من أنوثتهن وقد تبدد خوفنا منذ الساعات الأولى.

ذات مرة كتبت مقالا تحت عنوان "ليلة عند الدرك: سبع ساعات بلا أكسجين" بعد ليلة مريرة عند الدرك قضيتها فاقدا حريتي دون وجه حق، اليوم عدت لأصحح نظري عن هذا القطاع حتى لا أحمله وزر أفراد منه. وذات مرة أيضا طلبت مني قيادة أركان القوات المسلحة أن أكتب نشيدا حماسيا للجيش ليتم غناءه في مدارس الجيش والدرك والحرس والشرطة من أجل إثارة حماس المتدربين، وقد بدأت في كتابة النشيد غير أنني بعد بيتين فقط توقفت عن الكتابة بعد أن فقدت ثقتي فجأة في القوات المسلحة الوطنية على إثر وقوع حادث ما كان الجيش طرفا فيه... اليوم يعود الدرك ليعيد ثقتي في من يموتون من أجل حماية أمي وأخواتي، أقاربي وحبيباتي، جيراني وكل اللذين أعرفهم، يعود الدرك ليصحح نظرتي للبذلة العسكرية التي كانت محولة إلى حد بعيد، اليوم سأفكر في أن أكمل ذلك النشيد الذي بدأته ذات يوم وأوقفته ذات غضبة.

وأنا الآن اكتب هذا الكلام أخالف أوامر الضباط المشرفين على تدريبي، فما يحدث هنا يجب أن يبقى هنا، لكنني رأيت أنه من واجبي أن أنير الرأي العام بما يحدث معنا في انتظار أن يكون لدي الحق في كتابة التفاصيل لاحقا؛ لكن الأهم أنني ارتأيت أن أطمئن الأمهات والأخوات والزوجات والبنات وطبعا الآباء والأزواج والأبناء بأن ذويهم ـ شبابا وفتيات ـ لا يعانون ولا يخوضون تدريبا عسكريا متعجرفا ولا مستحيلا بل على العكس من ذلك نحن هنا نعيش تجربة فريدة ومتفردة في مدرسة الدرك الوطني، نأكل ما يأكل الجميع، ننام أكثر مما كنا ننام في منازلنا، نروض أجسادنا جيدا ونتعلم في كل يوم شيئا جديدا.. في هذا العالم المختلف نعيش تجربة غاية في التميز والدقة والاحترام تجربة ستجعلنا نغير الكثير من أفكارنا وتصرفاتنا إلى الأحسن.