العرق والثقافة

والإيمان بأن الأمر إلى الثقافات لا إلى الأعراق يستوجب أمورا، منها:

ـ أن الانتماء ينبغي أن يكون إلى الثقافة وليس إلى العرق، لأن الثقافة هي المضمون، وهي الجانب المعبر عن إنسانية الإنسان، فهي مناط التفاضل، أما العرق فظرف (وعاء)، أصله التراب، يستوي فيه البشر جميعا، مهما تباينت الألوان والصور، والأقاليم. وإذا كان مرد الفوق إلى الثقافة، وليس إلى الأعراق، فكل من تثقف بثقافة كان من أهلها

بقلم د. مختار الغوث
23 شعبان 1431 | 08:50 AM[ ثقافي ]


جوهر الإنسانية هو العقل، أما الجسم، وما يتعلق به، فخلايا وأعراض، تتساوى في مجملها الأحياء، على اختلاف أجناسها وصورها. وإنما نال جسمُ الإنسان، دون سائر الأحياء، ما نال من الحرمة والكرامة، بأنه وعاء العقل. وإذا كان هذا مما لا يكاد يُختلف فيه، من الناحية النظرية، فإن ما يستتبع، بالضرورة، أن تكون العقول، وما تُنتج من قيم، وثقافات، وحضارات، هي مناطَ الكرامة والتفاضل، أما الأجسام فليست مما يقع فيه التفاضل، لاتحادها في الأصل والماهية.
والثقافات، التي هي في جوهرها: عادات وشعور، توجِّه السلوك، والقيمُ التي هي: معايير توزن بها الأشياء والأفعال، غيرُ ثابتة، ولا تلزم شعبا دون غيره، وإن اتصف بها في حقبة من تاريخه، بمعنى أنها لا تلازم كما تلازم صورةُ البدن صاحبَها، أينما حل، وإنما تتبدل بتبدل الأحوال، وتغيُّر البيئات، حتى إن الإنسان ليتأثر بالحيوان، إذا رُبِّي معه، فيأنس به، ويسلك سلوكه، ويحاكي أصواته وهيئته، فيفقد إنسانيته. ويقيم البادي بالحاضرة فيتحضَّر، ويَبْدو المتحضر؛ فيجفو، وهكذا، وتبقى صورة البدن، على هيئتها، لا ينال منها تباين البيئات.
وإذا كان من المسلمات أن علم الأحياء، وعلم الاجتماع، والإناسة (علم الإنسان)، والأحافير، فضلا عن الأديان، تُجمع على وحدة أصل الإنسان، على اختلافها في ماهيته، فإن ادعاء التفاضل بين أجناس الإنسان، وأن بعضها أرقي من بعض، ضرب من الأوهام، تصنعه الثقافات، ولا سيما تلك التي تَعْظُم منجزاتها في عين أصحابها، فيحسبون أن لهم من الطبيعة عناية ليست لغيرهم؛ فيختلقون الأساطير؛ ليضلوا بها العقول، ويؤولون الصحيح من الأديان، ليختصوا أنفسهم من المزايا بما لا تؤيده العلوم. وقد يتوسلون إلى ذلك بالحقيقة، يغالطون فيها، كأنَّ الله اصطفى من الجنس نبيا، ووفق قومه إلى ما لم يوفِّق إليه غيرَهم، فيَحْمِلون ذلك على اصطفاء الجنس، من حيث هو سلالة، ويرتبون عليه ما يرون لأنفسهم من التميز على سواهم، أبد الدهر.
وقد يوهمون ـ كما يتوهمون ـ أن في السلالة من الصفات الملازمة ـ بالطبع ـ ما تنفرد به عن سائر السلالات، كما كان بعض الشعوب الأوروبية يدَّعي أن دماءه "الزرقاء" تختلف عن دماء غيره، وكما قسَّم الهندوس الهنود أقساما، بين مخلوق من رأس الآلهة، ومخلوق من صدرها، ومخلوق من أرجلها، وعلى قدر المنزلة من جسم الآلهة تكون المنزلة في المجتمع؛ فأُلِّه قوم، ونُبذ آخرون، وقُضيَ عليهم بالشقاء والحرمان. وما تزال حكومات الهند العلمانية، التي لا ترى هذا التقسيم عاجزة عن تغييره، وإن همَّت به صدتها الثورات العارمة، التي تأبى المساس بالدين!
أما الثقافة التي يعيش أهلها في عزلة، تحجب عنهم ما عند غيرهم، فلا يعرفون إلا ما يرون، ولا يتاح لهم مما عند غيرهم ما يقيسون إليه ما عندهم؛ فيحسبون أنْ ليس في الوجود خير منهم، و"كلُّ مُجْرٍ في الخلاء يُسَرُّ". ويعوِّلون فيما يدَّعون من الفَوْق على الأنساب، فيعدُّونها قيمة القِيَم، وأمَّ المآثر، التي تتقاصر دونها كل مأثرة؛ لأنها لا تنتقل، ولا تُكتَسب؛ فمن ثم يكون التميز وقفا عليهم، ومن فاته شرفه كُتِب عليه أن يكون دوناً أبدا، مهما أسرع به عمله.
وحين يتغلب الجنس يشعر المغلوب من النقص، بقدر ما يشعر به الغالب من الكمال، فيبالغ في تعظيمه، حتى ليتوهم أن فيه ما ليس فيه، ويَحْمِلُ كل ما يأتي على ما لا يحتمل، ثم يغدو ذلك عقيدة، كما يبدو من هذه القصة التي روى الجاحظ في "البيان والتبيين"، قال: "وأنشد الكسائي كلاما دار بينه وبين بعض فتيان البادية، فقال (الكسائي):

عـجبٌ ما عَـجَبٌ أعجـبني *** من غـلام حَكَـميٍّ أُصُلاَ
قلت: هل أحسستَ ركبا نَزَلوا *** حَضَنًا ما دونَـه؟ قال: هلا؟
قلت: بَيِّنْ! ما "هلا"؟ هل نزلوا؟ *** قال: "حَوْبًا"! ثم ولَّى عَجِلاَ
لست أدري عندها ما قال لي، *** أ"نَعَمْ" ما قال لي، أم قال: "لا"
تلك مـنه لـغة تعـجبـني *** زادتِ القـلبَ خبالا خَـبَلا
معنى الأبيات أن الكسائي وجد غلاما حَكَميًّا في وقت الأصيل، فسأله عن ركْب، هل نزلوا موضعا، يقال له حَضَن، فقال له الغلام: هلا؟ أي: ماذا؟ ويبدو أنها هي الكلمة التي ما زالت مستعمله في العامية، بهذا المعنى، أو قريبة منها. ثم زجر بعيره، وولَّى عجلا، ولم يتبين الكسائي ما أراد؛ إذ لم يسمع "هلا" من قبل. فأوحت إليه "هلا" هذه الأبيات، التي أبان فيها عما صنعت بقلبه "هلا" من خبال، حين نطق بها الغلام!!
وليس في "هلا" ولا غيرها من كلام البشر ما يخبِّل، فكيف إذا كانت غير مفهومة؟ ولكنه عقل المدلَّه، الذي يحمل كل ما صدر من الغالب على مزية غيبية، لا يُدرَك كنهها! وكذلك منطق العاطفة، حين يُفلت من قيد العقل!

ومن أمثلته أيضا ما يُرى اليوم من وَلَه الشعوب المغلوبة بالغربيين وحضارتهم، حتى ليستحسنون منهم أقبح ما يأتون، وما يظهرون فيه من الهيئات، ويدافعون عن ذلك، ويعدُّون العالم في طور من الحضارة، وُلُوجُه رهْن بالغرام بالغالب، ومتابعتِه في "خيره وشره، وحلوه ومره، وما يُحَبُّ منه وما يُكره"، كما قال طه حسين ذات مرة، ويعدون قِيَمه قِيَما مطلقة من الزمان والمكان، والخصوصية الثقافية، كما أن علومه الطبيعية كذلك. ومن رأى الأشياء بعينها؛ فأنِفَ من ذلك، أو انتقده ذيم بالعصبية والتخلف، وما تعْلَم من أوصاف "المتزمتين"! وفي زمان الجنون والفتون، يُجنَّن النبي، وينبَّأ المجنون والمفتون!
وقد أشار إلى هذه الحقيقة الاجتماعية أبو مسلم الخراساني، لما سئل: "أي الناس وجدتهم أشجع"، فقال: "كل قوم في إقبال دولتهم شجعان". وقال أبو حيان التوحيدي، مصدِّقا قوله: "وقد صدق، وعلى هذا كل أمة في مبدأ سعادتها أفضل، وأنجد، وأشجع، وأمجد، وأسخى، وأجود، وأخطب، وأنطق، وأرأى، وأصدق".
وكما أن لكل شيء أصولَه وأسبابه، التي لا يغيرها وهْم المتوهِّم، فللغلَب والفَوْق أسبابهما، التي ليس منها تميز العرق، وإنما يكون الغلَب حين تتسم الثقافة بالقوة، وتَزِن الأشياء بميزان العقل، ومنطق العلم، وتطَّرح الأوهام، وتتنكب خداع النفس، وتتأتَّى لأهلها الفكرةُ الناضجة، والقيادةُ المقْنِعةُ الطامحة، ويوافق ذلك ضعفا في ثقافة المغلوب، يهيئه للهزيمة. أما ما يدَّعي الغالب لنفسه، أو يُدَّعَى له فوهْم، يجد مثلَه كلُّ غالب، في ساعة التمكن، يصرفه عن تفهُّم السنن، وربط المسببات بالأسباب. وقد يتكشف له في ساعة الهزيمة، حين تتقطع الأسباب، وتُعْيي الحيلةُ، ما كانت تحجب عنه نشوة النصر.
وأما ما يتوهم المغلوب في الغالب، فضعْف، مرده إلى شعور بالنقص إزاءه، يصرفه عن الأسباب الطبيعية، كما يصرف الغالبَ عنها زهوُه بعلوه، فيردُّ الأمرَ إلى أسباب غيبية. والإحالةُ على الغيب ملاذ الكَسِلِ، وحيلةُ العاجز، وأيسر ما يُقتاد به الساذج!
ولو كان الفوق ذاتيا في الغالب، والنقص ذاتيا في المغلوب لبقي كلاهما حيث وضعته ساعة النصر والهزيمة، ولكن السنن الإلهية تقول شيئا آخر: (وتلك الأيام نداولها بين الناس). وليس في عرق من الأعراق صفة إيجابيةُ إلا وفيه أضعافها من السلبيات، ولا من العباقرة إلا وفيه أضعافهم من العاديين والأغبياء. هذا إلى أنْ ليس في الشعوب النابهة التي صنعت الحضارة والتاريخ شعب نقي، وإنما هي خليط من الأعراق، لا ينتهي.
واصطفاء الله شعبا أو قبيلا إنما هو خصوصيته بأمانة، يترتب على حملها شرفه. ومقتضى الحكمة أن يكون للخصوصية سبب؛ لأن أفعال الحكيم منزهة عن الاعتباط، فما يصطفي إلا لمزية في المصطفَى، وإن خفي وجهها على الناس: (الله أعلم حيث يجعل رسالته)، (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير).
وعلة الاصطفاء ـ فيما يبدو ـ أن ثقافة المصطفَى، في حقبة من الحقب، تكون خيرا من ثقافة غيره، أو أكثر ملاءمة لطبيعة الرسالة، في طور من أطوارها، فإذا تبدلت، فضَعُف المصطفَوْنَ، أو قصَّروا، أو فهموا الاصطفاء على غير وجهه، فردوه إلى مزايا عرقية، واستغنوا بمآثر الأجداد عما يقتضيه الاصطفاء، تُبُدِّل بهم. فإذا دخل الدين في طور غير الذي كان فيه، وكانت ثقافة المصطفَيْنَ غيرَ ملائمة له، صار الاصطفاء إلى الشعب الذي تلائم ثقافته الطور الجديد، كما يمكن أن يُفهم من الآية: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم).
وقد اصطفى الله العرب، إذ كانت ثقافتهم أكثر ملاءمة لطبيعة الإسلام، في طور التنزل، والتعريف، والانتشار، والتمكن، من حيث البساطة، وصفاء الأذهان، وسلامة الفِطَر، والاستهانة بالمادة، وتعظيم القيم، وقوة الأبدان، والشجاعة، وطول المران على الحرب، وما يتبع ذلك من إرخاص الروح في سبيل المعتقد، إذ تعوَّدوا في جاهليتهم أن يرخصوها في الشرف، والمأثُرةِ يخلِّدُونها.
فلما دخل في طور التمدن والاستقرار، والمغالبة الحضارية، كانت حاجته إلى الثقافة الناظرة، أكبر من حاجته إلى الثقافة المجاهدة، فتولى الفُرْس ذلك، أكثر من غيرهم، فكان غناؤهم فيه أعظم من غناء كل شعب آخر. وكان توليهم ذلك اصطفاء لهم من الله، إذ كان لهم من الباع في العلم، والولع به، والحرص عليه وتطلُّبه ما لم يكن لشعب من الشعوب السابقة إلى الإسلام، وكانوا كما في الحديث: "لو كان العلم بالثريا لناله رجال من فارس".
فلما بلغت حضارة الإسلام أوْجَها، واستنفدوا طاقاتهم العقلية، وذهب المتحضرون من العرب في الترف كل مذهب، ورجع بعضهم إلى ما كان عليه في الجاهلية، من البداوة، وما تستتبع من الطباع والأخلاق، والثقافة غير الصالحة للعلم والقيادة، تولَّى الترك ما يقتضيه الطور الجديد، فكانوا أصحاب البأس والشوكة، فأعادوا إلى الإسلام من القوة والهيبة ما أذهب الترفُ، ففتحوا الفتوح، وشادوا من العمران المادي، والقوة الحربية ما لم تَشِد دولة قبلهم. ويُستأنس لهذا بالحديث الذي رواه الترمذي: "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ: نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ إِنْ تَوَلَّيْنَا اسْتُبْدِلُوا بِنَا ثُمَّ لَمْ يَكُونُوا أَمْثَالَنَا؟ قَالَ ـ وَكَانَ سَلْمَانُ بِجَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَخِذَ سَلْمَانَ وَقَالَ: هَذَا وَأَصْحَابُهُ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الإيمَانُ مَنُوطًا بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسَ".
فالاصطفاء ـ إذن ـ ليس خصوصية عرقية، ملازمة لمن يقع عليه، وإنما تحكمه سنة لا تتبدل. وهو منوط بالاستعداد الثقافي، وما يترتب عليه من الجد في أمر الله، والقيام به. وفي وسع كل شعب أن يكون من المصطفَيْنَ، متى أحسن العمل، كما أن ذلك في وسع كل فرد. وليس حتما أن يكون الاصطفاء تعاقبيا، فلا يُصطفَى شعب حتى ينقضي اصطفاء غيره، وإنما في يمكن شعبين أو أكثر أن يُصطفَوْا في وقت واحد، لمهمة واحدة، أو مهامَّ شتى، ما دام الاصطفاء منوطا بحسن البلاء. ودين الله في حاجة إلى كل المؤمنين به.
ويختلف الاصطفاء الثقافي عما يُدَّعى للاصطفاء العرقي، في أنه ليس جبريا، ينال المرءَ من حيث هو فرد من سلالة، وإنما هو توفيق من الله، ويُنال بالكسب، وقد يُحْرَمُه الفردُ والجماعة من الأمة المصطفاة، وقد ينالانه دون جنسهم غير المصطفى، بناء على أن ثقافة الجنس العامة كسْب مشترك، لا يلغي الخصوصية الفردية والنفسية والعقلية والمزاجية، ولا حرية المرء في الاختيار، كما لا يلغي خصوصية الجماعات الثقافية داخل الثقافة العامة. وقد تكون الخصوصية الفردية، وثقافة الجماعة الخاصة خيرا وأقوى من الثقافة العامة، فيشذ المرء والجماعة عما عليه سائر مجتمعهم.
والإيمان بأن الأمر إلى الثقافات لا إلى الأعراق يستوجب أمورا، منها:
ـ أن الانتماء ينبغي أن يكون إلى الثقافة وليس إلى العرق، لأن الثقافة هي المضمون، وهي الجانب المعبر عن إنسانية الإنسان، فهي مناط التفاضل، أما العرق فظرف (وعاء)، أصله التراب، يستوي فيه البشر جميعا، مهما تباينت الألوان والصور، والأقاليم. وإذا كان مرد الفوق إلى الثقافة، وليس إلى الأعراق، فكل من تثقف بثقافة كان من أهلها، كما يعبر عن ذلك الحديث الصحيح: "من تشبه بقوم فهو منهم"، وقولُ عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ: "مولى القوم منهم"، وقول جعفر الصادق ـ رضي الله عنه ـ: "من وُلد في الإسلام فهو عربي"؛ والحديثُ الضعيف: "ليست العربية لأحدكم بأب ولا أم، من تكلم العربية فهو عربي". فمن انتمى إلى ثقافة ترى لنفسها فوقا، جَبَرَ انتماؤه ما يُرْمَى به عرقه من نقص، وساوى أهلَها فيما يدَّعون لأنفسهم.
وهي حقيقة ينطق بها التاريخ، فقد اختلطت شعوب العالم، بعضها ببعض، وانحل بعضها في بعض، وتخلق بأخلاقه، ونطق بلسانه، وتثقف بثقافته، وامتزج نسبه بنسبه. فثبت أن الثقافة أقوى من العرق، وأقدر على البقاء والتأثير، إذ كانت ألصق بماهية الإنسان، وجوهره، من العرق الذي هو أمر وهمي، لا حقيقة له، ونفعه إنما هو فيما يؤدي إليه من الوصلة والالتحام، كما قال ابن خلدون.
ويظهر ما حدث من الامتزاج بين الأعراق، أكثر شيء، في الأقاليم التي كانت ملتقى قارات وشعوب، كمصر، والشام، والعراق، وتركية، وإيران، وحواضر الحجاز (مكة والمدينة). فقد ذابت فيها أعراق لا تنتهي، كالعرب، والآراميين، والعبرانيين، وسائر الأجناس السامية، واليونان، والترك، والشركس، والمغول، والهنود، والفرس، والكرد، والروم، والقبط، والبربر، والزنج، والأوروبيين، والكرج، والأرمن، إلخ. ولم يبق لأكثرهم ما ينتمي إليه سوى العروبة والإسلام، حتى أولئك الذين يعرفون أصولهم البعيدة أو القريبة، فإنما ينتمون إليها انتماء تاريخيا نظريا، لا صلة له بالثقافة، ولا بالشعور، وهم فيما وراء الأصل التاريخي لا يختلفون عن العرب في شيء، إلا الأوصاف البدنية التي قد يحتفظون ببعض ملامحها.
وربما وجدتَ منهم من لا يرضيه أن يُنسب إلى أصله البعيد، إن عُرف، ويأبى إلا النسب إلى واقعه، لا استهانةً بأصله، ولا ترفعا عنه، كما قد يظن بعض حراس الأوهام، وإنما ولاءً لنسبه الثقافي. وكذلك النسب، كما قال ابن خلدون أيضا: "إذا كان إنما يستفاد من الخبر البعيد ضعُف فيه الوهم، وذهبت فائدته".
واستعجم العرب الذين استوطنوا فارس، وخراسان، وأفغانستان، والهند، وتركية، وإندونيسية، وبلاد ما وراء النهر، والصين، وأوروبة الشرقية، وإسبانية، والبرتغال، وأفريقية السوداء، وهم خلق كثير جدا، ونسوا أصولهم، وتقطعت علائقهم بالعرب، وتبدلوا بلغتهم، فصاروا تركا، وفرسا، وأفارقة، وهنودا، وأوروبيين، الخ، ولم يبق لهم من العروبة، يسوِّغ نسبهم إليها.
وتختصر هذه الفكرةَ حالةُ بني إسماعيل ـ عليه السلام ـ، فهو أكادي من العراق، استوطن مكة، وصاهر جرهم، وتكلم بلسانهم، وتخلق هو وأولاده بأخلاقهم، فصاروا عربا، وعدُّوا هم والعرب العاربة سلالة واحدة، لا يُفَضَّل أحد فرعيها على الآخر، وإن فُضِّل كان التفضيل للسلالة العدنانية الإسماعيلية الأكادية الأصل، على السلالة القحطانية "الأصلية".
ومن تأمل هذه الحقيقة زال من قلبه ما كان يجد من الشعور بالتميز، واحتقار الأجناس الأخرى، وزال ما تقتضي النظرية العرقية من التفرقة بين الناس، مهما بلغوا من الوحدة الثقافية والفكرية، وطول التلازم. وهي نظرية، تتعلق بالأوهام، وتتغاضى عن الحقائق القائمة. وهي ـ إلى ذلك ـ مناقضة للأديان، والأخلاق، والواقع، التي تُقرِّر كلها أن (أكرمكم عند الله أتقاكم)، وأن قيمة كل امرئ ما يحسن، وأن أصل الفتى ما قد حصل.
ـ أن العنصرية عقيدة حمقاء، مبناها على الأثَرَة؛ فمن ثم كانت سبب كثير من المآسي، واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وإذلاله. وحقٌّ على من أذاقه الله طرفا من الحقيقة أن يغتبط به، ويسعى في كشفه لمن حالت بينه وبين تبينه عماياتُ الثقافة.
لقد جعل الله لتباين الأعراق والألوان غاية واحدة، هي التعارف، كما يُفهم من لام التعليل في الآية: (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا). وجعل اختلاف الثقافات واللغات، كاختلاف الأعراق والأولوان، آية من آيات الله: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين). وغاية نصب الآيات الاعتبار، وما أراد الله أن يكون عبرة ما ينبغي أن يُسعَى في إزالته؛ لأن فيها تعطيلا لما نُصبت له.
وفي وسع الثقافات أن تتجاور وتتعايش، وتتحاور، ثم تقرر ما تكون العلاقة بينها، من الوحدة الطوعية، أو التبادل، على أن يظل ذلك في إطار الأخوة والاحترام، الذي يبعث على الوحدة مع التنوع، وتعظيم جانب المشترك، من غير أن يحمل الاعتزاز بالخصوصية الثقافية على تعظيمها تعظيما يكون سببا في مقاطعة المباين، أو عداوته، ما لم يرض الانحلال في ثقافة غيره، فإن هذا إحلال للثقافة محل العرق بسلبياته، وإسقاط لأوزاره عليها.
لقد عاشت الشعوب الإسلامية متحدة في دينها، متآخية في ربها، على تباين لغاتها وثقافتها، من غير أن يتنقص بعضها بعضا، إلا ما فعل الشعوبية الذين كانوا يبطنون الكفر، ويظهرون الإيمان، فلما دخل الاستعمار كانت سياسته تفريقَ المجتمِع، وإضعافَ القوي، فجعل لكل طائفة صنما: القومية، حين تختلف الأعراق، والدين، حين تتفق القومية، والطائفية، حين يتفق الدين والعرق، فإن لم يفلح في ذلك، أو لم يجِدْه، يمَّم الحدود الجغرافية، فعبث بها، واصطنع بين الجيران مشكلة لا تهدأ أبدا، فحرَّش بين شعوب، لم تعرف في تاريخها غير السلم والأخوة والوحدة الدينية.
المصدر : مجلة العصر