رحيل الشيخ محمد مفيد ولد أب: شغور لمقعد لا منافسة عليه...

فارقنا إلى رحمة الله تعالى قبل أيام في بتلميت فضيلة الشيخ محمد مفيد ولد أب، وهو من آخر من يمكن أن " تقدم عليهم كتبة" { أقرأ الكلمة المنصصة بالحسانية} بين نجديها، أقال الله عثرتها.

نعلم عن الشيخ محمد مفيد أنه أفنى شبابه في طلب العلم متنقلا بين المحاظر العريقة في المنطقة التي نشأ بها فرجع منه بنصيب وافر، سمعته منه أذن واعية، وتلقاه ذهن ثاقب، وعقل راجح، وسدده رأي مصيب، وأشتغل في أشده ورجولته بتحصيل مرمة المعاش، فتكسب بتجارة مباحة حتى تحصل على ما كتب الله له من رزق، وكان قد اجتهد في شبابه، ورجولته، وأفنى بقية عمره في تحصيل حسنة المعاد.

نزل بتلميت ـ وله ولآبائه بها صلات قديمة ـ إذ كانت قبلة لأهل العلم والفضل والصلاح، على نحو ما قال فيها المرحوم المختار ولد حامد من قصيدة:
العلم في جنبك الشرقي منتجع.... والشمل في جنبك الغربي مجتمع

كان الشيخ كاسمه ـ مفيدا ـ درس العلم، وأفتى، وأنفق، وأم المصلين في جامع بتلميت العتيق، خلافة للإمام الراتب، ثم اختار مقعدا في الصف الأول خلفه عمره بقية حياته المباركة.
لا يعرف أحد من أهل المدينة الشيخ محمد مفيد إلا بخير، ويعلم الكثيرون أن بتلميت تعرف بشكل مستمر صراعات، وخلافات وتناقضات، ولم يكن للشيخ محمد مفيد حظ من ذلك، فقد كان معتزلا بنفسه وأهل بيته مقبلا على شأنه، ويحتفظ بعلاقات طيبة مع جميع أهل الفضل.
يعلم من يعرف ما يشهده جامع بتلميت العتيق من نقاشات وجدل وخصومات، أن الشيخ محمد مفيد رحمه الله كان كثير الصمت مصرا على تجنيب المسجد ما لم يبن من أجله.
أذكر جلسته في ظل الجامع عصرا يذكر لا يفتر، ولا يتكلم حتى تتوارى بالحجاب، ويعم ظل (الزيره) المدينة، وينادي المؤذن أن حي على الصلاة فيلج للصلاة.
أحسب الشيخ ممن لم تلهه تجارة، ولا بيع عن ذكر الله، وعن الصلاة، وأحسبه يأتي ربه بقلب سليم، وبعمل صالح، ولا أزكيه على الله.
نعلم أن الشيخ محمد مفيد أجتهد في تربية أبنائه، فكانوا من عمله الصالح، وكانوا كما قال أمرؤ القيس :
وتعرف فيه من أبيه شمائلا ... ومن خاله أومن يزيد ومن حجر
رحل الشيخ محمد مفيد وترك رحيله ثلمة كبيرة في الدين، وفراغا علميا سحيقا في المدينة، وشغر برحيله مما يلي الإمام من الصف الأول في جامع بتلميت العتيق مقعد عمر به عقودا، لن تكون المنافسة عليه بقدر المنافسة على مقاعد أخرى في المدينة.
فارقنا الشيخ محمد مفيد، وإنا ـ أهل المدينة ـ على فراقه لمحزونون، ولكن لا نقول إلا ما يرضي الرب، ونؤمن بقضائه، وبأن ما عنده للشيخ خير مما عندنا له، ولم نكن لنسلمه إلا لقضاء الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم أغفر له وأرحمه وأعف عنه وعافه، اللهم أبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وأخلفه في عقبه، وأدخل عليه النور والسرور في قبره، وأفسح له فيه، وأجعله روضة من رياض جنتك، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

القاضي: أحمد ولد المصطفى

ani