المحرجون من قضية بيرام
سيد احمد ولد مولود



بسم الله الرحمان الرحيم
أحرجت محرقة الكتب الفقهية في نواكشوط أهل السياسة وأربكتهم ، وقعت كالصاعقة. لم يتوقع أحد أن يحدث شيئء كهذا. النار التي أشعلت لإحراق الكتب أشعلت أشياء كثيرة، تطايرت في كل الاتجاهات، ولم ينج من لهيبها أحد من أهل السياسة. جميعهم هرعوا بحثا عن سبيل للنجاة. هذا يعلن براءته من بيرام، وهذا يندد، وهذا ينتظر مرتبكا.

1 - الحصانة
شرارة غيرت خارطة السياسة في موريتانيا. لا نقول إنها كإحراق البوعزيزي نفسه في تونس، فذلك سابق لأوانه، بل إنها بالعكس حطمت مشاريع صغيرة انعقدت عليها آمال في النضال والثورة.
المعارضة تنادي برحيل النظام وتدعو إلى الاعتصام والتظاهر، لديها أساتذة مضربون، وجفاف، وطلاب إسلاميون مستعدون لتحدي الشرطة أيام الأربعاء في الجامعة، وشباب يساريون مستعدون لمواجهة القمع في وقفات سلمية هنا وهناك، في سباق مع الزمن قبل موسم الأمطار والعطلة الصيفية.
وكان لديها بيرام وحراسه وأتباعه وهم أكثر جرأة ولديهم حصانة اجتماعية لأنهم سود.
النظام يهاجم المعارضة، يستنجد بالقبائل، والإعلام الرسمي والحر، لديه معارضة مشاركة في الحوار، ولديه المصالح الشخصية، يقسم الأعلاف، والتمور والسمك في عام مسغبة.
2 - اليسار
أول المحرجين - كي لا أقول الخاسرين - في قضية بيرام هم أصدقاؤه من اليساريين : بدر الدين، ولد سيدي ميله، حنفي ولد دهاه، أبو العباس، وشباب الحراطين المنضوين تحت لواء "إيرا" وغيرها.
هؤلاء تبرأوا بسرعة من بيرام وتركوه يواجه مصيره المجهول بمفرده. كان بيرام أول المكتوين بنار بيان حزب اتحاد قوى التقدم المندد بالمحرقة قبل اعتقاله بساعات. كان قد أساء تقدير الموقف.
تساءل البيان في نهايته عن الجهة التي حرضت على هذا العمل ربما في استهداف لخصومهم التقليديين في السياسة : الإخوان. تهمة التحريض هذه روج لها الاتحاد من أجل الجمهورية أيضا في بياناته وتصريحات مسؤوليه.
3 - الإخوان
ثم الإسلاميون لأنهم لا ينظرون بعين الرضى للكتب التي حرقت، ولديهم كتبهم وعقيدتهم الآتية من الشرق، ولم تنجح أي من الحركات السياسية الإسلامية في موريتانيا في جلب قادة أو مناضلين من المدرسة المالكية خلال مسيرتها الطويلة في مواجهة الأنظمة في موريتانيا، فظلت تهمة معاداة المالكية والأشعرية والتصوف لصيقة بالحركة إلى اليوم.
هؤلاء ارتبكوا قليلا في البداية، حرروا بيانا باردا خجولا "يأخذ منه ويرد"، رغم ورود عبارتين قويتين : "يندد" و"يستهجن". لكن قادتهم كانوا أكثر وضوحا وصرامة في تصريحاتهم يوم السبت. جميل ولد منصور أدلى بتصريح قوي لإذاعة موريتانيد سمعه أيضا بيرام فاستشاط غضبا قبل اعتقاله بساعات. كان قد أساء تقدير الموقف.
4 - اليمين
أما ولد داداه ومنسقية أحزاب المعارضة فلم يكن لديهم أي سبب للحرج من القضية لكنها أزعجتهم وأربكتهم وششوشت على خططهم الرامية إلى إسقاط النظام أو إزعاجه على الأقل بالحركات الاحتجاجية المتتابعة.
تأخرت بياناتهم لكنها جاءت أيضا قوية وصارمة.
أما النظام الحاكم فكان أبعدهم من الوقوع في الحراج إلا أنه من شدة الفرح أقدم على أفعال غير موزونة شابها شيء من الارتباك غير المبرر.
ما كان النظام يحلم بأمر كهذا، رزق ساقه الله إليه، أسكت جميع الأصوات المناهضة، في لحظة واحدة توحد الموريتانيون جميعا حول قضية واحدة.
جميع حكام العالم يحلمون بلحظة في التاريخ يكون فيها شعبهم موحدا من أجل أي قضية، حتى أن بعضهم يدخل الحرب من أجل ذلك، أو يتمنى الكوارث الطبيعية لتوحيد الشعب في محنته.
لكن ما هي الأفعال غير الموزونه التي قلنا إنها اتسمت بشيء من الارتباك وربما يقع النظام إثرها في حرج أكبر من ذلك الذي وقع فيه معارضوه، دعوني أقول لكم ما هي ؟
5 - الشهباء
هي أن الحكومة أرسلت فرقة من التلفزيون الرسمي لتغطية الجريمة ولم ترسل رجال أمن لتفريق المتظاهرين بالصلاة خارج الجماعة كما تفعل دوما مع المتظاهرين.
عندما رأينا تلفزة الحكومة جاءت لتغطي غملا غير حكومي قلنا : "شيء عظيم هذا الذي حمل الشهباء على الضرب"،
هي أن الحكومة أصدرت قانونا لتجريم الرق ولم تفكر في قانون يجرم الدعوة العنصرية. هي أن القضاء لم يتحرك، والإدارة لم تتحرك، والبلدية لم تتحرك، فجميع أجهزة الدولة معطلة عندما يتعلق الأمر بناشط في حقوق الإنسان يسافر إلى الغرب ويمتهن السياسة مع الكبار، لديه حراس وإمارة صغيرة يخشاه الشرطي، والدركي، ويخشاه حتى وكيل الجمهورية لأنه صار أكبر من القانون.
هي أن السلطات كانت بالأمس القريب ترسل معه وكلاء من الشرطة لمطاردة المشتبه بهم في جرائم الاسترقاق يأتمرون بأمره.
هي أن السلطات كانت تتعامل مع منظمة "إيرا" أمام القضاء وتعتبرها طرفا مدنيا في قضايا الرق، في حين يقول رئيس الجمهورية إنها غير مرخصة.
التلفزيون الرسمي غطى الجريمة تغطية شاملة رغم جزم الجميع أنها جريمة، تواطأ، أم إرادة أن تشيع الفاحشة، في حين كان يتجاهل المسيرات الاحتجاجية السلمية الشرعية المرخصة، وتغطي السلطة النشاطات غير المرخصة، بقوات مكافحة الشغب، والغازات المسيلة للدموع.
6 - الاستقالة
هي أن أيا من أجهزة الدولة لم يفعل شيئا من أجل الحيلولة دون تنفيذ الجريمة.
هي أن المواطن البسيط الذي تم الاعتداء عليه عند باب منزله بالضرب من قبل حراس بيرام وضربت زوجته وانتهكت حرمته، لم يجد سلطة - غير مستقيلة - تقبل تسلم شكايته، فلجأ إلى الصحافة والمستشفى للعلاج.
ما كان الأمر ليصل هذا الحد لو أعطي لحاكم الرياض أو لعمدتها أو لمفوضية شرطتها أو لمحكمتها أدنى قدر من السلطة والصلاحيات، على بيرام وعلى غير بيرام. لو كان لديهم أدنى قدر من السلطة على المواطنين لأمروا المتظاهرين بالإنصراف واحتجزوا الكتب وأوقفوا المخلين بالآداب العامة وحاكموهم ولانتهى الأمر.

7 - GRAP
لكن يبدو أن الحكومة لضعفها فضلت أن تتعامل مع الأمر بمنتهى الحذر ومنتهى الدهاء. قررت أولا أن تعامل مع الموضوع إعلاميا واستخباراتيا وبعد ذلك سياسيا وفي الأخير يأتي القضاء والشرطة.

تطلب اعتقال بيرام إخراجا سينمائيا كبيرا يذكر بأيام GRAP. تطلب الأمر خروج رئيس الجمهورية مرتين من القصر، الأولى قبل الاعتقال والثانية بعده.
تعهد في الأولى باتخاذ الإجراءات اللازمة، وبدا مرتبكا وخجولا وحذرا، ثم أعاد الكرة بعد أن حصل على إجماع وطني قوي غير مسبوق يدين مجرما صار وراء القضبان معدوما، فأعلن الرئيس في نشوة واعتزاز أن موريتانيا ليست علمانية وأنها جمهورية إسلامية وستبقى كذلك.
وهكذا زال الحرج.
سيد احمد ولد مولود