لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب (رد)


رد على تحامل د. حماه الله ولد السالم على منطقتي القبلة والساحل: عندما يسيء مثقف إلى مشروعه النبيل


السالك ولد محمد موسى / باحث في العلوم الإسلامية والاجتماعية

حظيت بالتعرف في السنوات الأخيرة من القرن الماضي إلى مجموعة من المثقفين الشباب من ضمنهم الأخ حماه الله ولد السالم وذلك خلال بعض الندوات الثقافية والأنشطة الفكرية. وقد لاحظت لدى هذه المجموعة خصالا حميدة يستحق المتحلي بها الإعجاب والتقدير وتتلخص هذه الخصال ـ في اعتقادي ـ في أمور ثلاثة: أولها: ثقة في النفس وجرأة فكرية في التعبير عن القناعات والآراء. وثانيها: وضوح رؤية واهتمام جدي بالمسألة الثقافية الوطنية ولاسيما ببعديها الأساسيين (المرجعية الإسلامية و قضية التعريب) باعتبار تحقيقهما ـ مع مراعاة التدرج والحكمة في إنجاز التعريب دون مساس بالحقوق الثقافية والسياسية للمواطنين من غير الناطقين بالعربية ـ شرطا لا غنى عنه للنهوض بالبلد إلى مدارج الرقي والازدهار. أما الأمر الثالث: فهو العناية بإرساء المنهج العلمي في المشهد الثقافي الوطني ودفع الطلبة والباحثين إلى اكتساب مقوماته الفنية.

ومن الإنصاف القول إن د. حماه الله من الذين بذلوا جهودا طيبة في تحقيق هذا المشروع الفكري فظلوا يتحفوننا بين الفينة والأخرى بمقالات رصينة وكتب ثمينة ساهمت في إثراء وتنشيط الساحة الثقافية الوطنية وكان لها أثر حميد في التعريف بالثقافة الوطنية في الساحة العربية والدولية. ومن هذه الأعمال المتميزة مقالاته حول(المجتمع الأهلي في موريتانيا قبل الاستعمار)، وكتابه (موريتانيا في الذاكرة العربية)..

غير أنه ـ في المقابل ـ لم تزل تصدر عن هذا المثقف أقوال وأفعال لا تناسب مكانته المعرفية ولا تخدم مشروعه الفكري فضلا عن كونها غريبة على محيطه الاجتماعي. ومن تلك الأقوال ما بدر منه مرات عدة ـ بمناسبة وغير مناسبة ـ من الغض من شأن مواطنيه من أهل "القبلة" والتعريض بأعلامهم النبلاء الذين هم أيضا أعلام للبلد بكافة مناطقه. ولا نحتاج هنا إلى دليل آحادي، لأن الأمر متواتر يشهد عليه طلاب الدكتور ومن يلتقون به من زملائه وأقرانه. وقد أدى به هذا الحنق على أهل "القبلة" إلى جعل كافة مثقفيهم في سلة واحدة مع دعاة المشروع الفراكفوني المتطرفين والمناهضين لقضية التعريب، فسمعناه يعبر عن مثقفي هذه الجهة بأنهم « مجرد مترجمين وكتبة إداريين» وكثيرا ما يسميهم ساخرا بعبارته اللازمة في إسلوبه «أهل لخيام». بل وصل به الأمر أن تطاول أكثر من مرة على رائد الدولة الوطنية المرحوم المختار ولد داداه فكتب عنه كلاما في غاية التحامل وعدم الإنصاف لا يليق بكاتب مبتدئ فضلا عن باحث يعرف الظروف التي نشأت فيها موريتانيا والاكراهات التي واجهتها وما بذله الرئيس الراحل من جهود لتعزيز المرجعية الإسلامية واللغة العربية وإن اتسمت بالتدرج والبطء.

أما أفعال الدكتور المسيئة إلى مشروعه الفكري فمنها ما تكرر مرارا من تعسف وظلم في تقويمه لطلبته الذين كثيرا ما سقطوا ضحايا لتعكر مزاجه فنالت أغلبيتهم البسيطة تارة والساحقة في العديد من الأحيان درجات تساوي الصفر أو تقترب منه. وقد حصل هذا في إحدى السنوات لطلاب السنة الرابعة من قسم التاريخ وكانت المفارقة المؤكدة لتعسف الدكتور أن أغلب ضحاياه حصلوا في مواد أخرى يدرسها بعض من كانوا أساتذته على درجات تتراوح بين جيدة ومقبولة.

غير أنه منذ فترة بدأ تحامل الدكتور يتحول من القول إلى الكتابة ومن الخلف إلى السلف ليصل حد التطاول على علم من أعلام الثقافة العربية الإسلامية التي ما نال الدكتور شهرته ورواجه إلا بظهوره مدافعا عن حماها. وكانت القطرة التي أفاضت الكأس مقالتاه حول الزيارة الرئاسية لانواذيبو وحول تعليق السيد احمد باب مسكه على مقالته تلك. فقد أطلق العنان لقلمه ومزاجه للغض من شأن منطقة لها مكانتها في ماضي البلد وحاضره. فقررت أن أكتب هذا الرد لوضع الأمور في نصابها.

أخلاقيات المهنة

إن مهنة المؤرخ لمن أنبل وأصعب المهن الفكرية لأنها صناعة تتعلق بالماضي وهو مجال حساس باعتباره أصل الحاضر والمحرك نحو المستقبل. وإذا تجاوزنا الجدل المنهجي حول علمية التاريخ ونجاعته، فإن تحصيل ثمرة هذا العلم، المتمثلة في استخلاص دروس الماضي وعبره لتوظيفها الإيجابي في ترشيد الحاضر، مرهون بالتزام المؤرخ إلى أقصى حد ممكن بمقومات المنهج العلمي في المجال ومن أبرزها: التحرر إلى أقصى درجة ممكنة من النوازع الذاتية، والحصافة في التعامل مع المصادر والأحداث والروايات والأطراف المتعددة، والتمتع بعقلية تركيبية بارعة، والإلمام بمختلف حقول المعارف الإنسانية، كل هذا يضاف إليه الحذر المستمر من الوقوع في المزالق والأخطاء التي وقع فيها المؤرخون السابقون وقد عدد ابن خلدون في مقدمته كثيرا منها.

ومن مقتضيات الحصافة المشار إليها أن يستشعر المؤرخ حساسية الظاهرة الإنسانية وتعدد أبعادها وتعقدها فيحرص على البقاء في حدود الأحكام الوصفية الوضعية حتى لا ينزلق إلى أحكام تقويمية تبجيلية أو قدحية.

ومن هنا دأب حذاق الكتاب في علم التاريخ على تجنب كلما من شأنه أن يفهم منه الغض من قدر طرف من الأطراف سواء كان شعبا أو عرقا أو جهة أو قبيلة أو علما من الأعلام ... إلخ.

ذلك أن الحكم التقويمي المطلق على طرف ما من أطراف الحادثة التاريخية هو مغالطة تتأسس على آليتين خاطئتين: الأولى تتمثل في التعميم الجاهز وهو مرفوض في الدراسات الإنسانية. والثانية هي النظرة السكونية (اللاتاريخية) للواقع الاجتماعي وتجاهل أنه حصيلة لعوامل عديدة يفوق ما هو مكتسب أو ثقافي منها بأضعاف كثيرة ما هو فطري أو طبيعي. ومن هنا فلا ينبغي للمؤرخ أن يصدر حكما مطلقا على جماعة بشرية انطلاقا من فترة واحدة من تاريخها، كما لا يسوغ له –علميا- أن يتحدث عن الجماعة البشرية كماهية معطاة وناجزة مفضلا عليها جماعة أخرى أو العكس مستخدما مفهوم "الطبيعة" ذا الدلالة اللاوضعية المتجاوزة. وقد عبر ابن خلدون عن هذه الآلية الخاطئة بالغفلة عن التبدل الحاصل في أحوال العمران البشري.

وقد قام في البلد مؤرخون وكتاب التزموا بأخلاقيات المهنة مبتعدين عن مزالق الانحراف و غوائل التعصب فقدموا دراسات تاريخية واجتماعية وأدبية أثرت الثقافة الوطنية المعاصرة وخلدت أسمائهم في ذاكرة الشعب ومن هؤلاء نذكر ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ المرحوم جمال ولد الحسن، محمد المختار ولد أباه، محمد المختار ولد السعد، عبد الودود ولد الشيخ، ددود ولد عبد الله، إزيد بيه ولد محمد محمود، محمدو ولد أمين و يحي ولد البراء. وقبلهم نجح العلامة المؤرخ المختار ولد حامد في تدوين موسوعة متنوعة عن حياة موريتانيا دون أن يؤخذ عليه تعصب أو تحامل ضد أي طرف، رغم أنه لم يدرس المناهج الحديثة .

الانقلاب إلى الأضداد

قديما قال الحكماء: « الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده» ويخشى أن يكون للدكتور ـ وهو من مواطني " بلد المتناقضات" كما نقل في مقالته ـ نصيب من هذه الحكمة. فالأمور الثلاثة التي تعد أبرز مزاياه قد بدأت منذ سنوات تتحول رويدا رويدا إلى أضدادها وإن لم يتداركها بتهذيب نفسه ـ ولو بمطالعة رسالة ابن حزم أو كتاب ابن مسكويه ـ فقد تستكمل هذا التحول. فالاهتمام بقضيتي المرجعية الإسلامية والتعريب أخذ منذ وقت يتحول من مقاربة أكاديمية ناجعة ومقنعة إلى مساجلات حادة هنا أو مماحكات صاخبة هناك. فأخذت شخصية الدكتور تتجه إلى التشدد مانحة الفرصة لخصومها لوصفها بالتطرف والشوفينية والتخويف من مشروعها الفكري. ويمكن أن نسأل الدكتور: في أي جوانب خدمة مشروعه الفكري يندرج هجومه المتكرر على بعض جهات وطنه وتطاوله المستهجن على بعض أكابر أعلامه؟.

والشجاعة الفكرية إذا لم تحترم أخلاقيات المهنة تتحول إلى مجرد تهور فكري وبطولات دونكيشوتية وهنا نسأله: ألا توجد ألف طريقة وطريقة لإبراز اختلافه مع أساتذته السابقين - إذا سلمنا جدلا بأنهم مخطئون- دون أن يلجأ للتطاول عليهم مخلا بواجب الأدب وحق التوقير كما حصل ذات مرة في أحد برامج قناة الجزيرة واسعة الإنتشار؟.

أما العناية بإرساء دعائم البحث العلمي في الجامعة وإلزام الطلبة باكتسابها فيبدو أنه قد تأثر بمزاجية الدكتور حيث دأب على التحدث في العديد من الأحيان باللهجة العامية مما يجره إلى الخروج عن الموضوع والتحذلق في أمور ليست من المنهجية في نقير ولا دبير. وعندما يأتي الامتحان تظهر " الصرامة المنهجية للدكتور" فيبطش سيفه القلمي بنتائج تلاميذه بطشة حجاجية تجعلهم يكفرون بالمنهجية ويمقتون كل ما يقرب إليها.

مغالطات وتناقضات

إن المطالع لمقالتي الدكتور المنوه عنهما سابقا يلحظ ـ دون عناء ـ وقوعه في مغالطات وتناقضات. ومن المفارقة أن مقالة انوذيبو ـ التي أفاضت كأس منتقدي الرجل ـ لو حذفت منها ديباجتها المثلثة بالمعنى الغنوصي (الذئبية ـ الكلبية ـ التنجيمية) وعبارة في خاتمتها، لكنا أمام مقالة رائعة تعبر عن المشروع الفكري الأصيل لصاحبنا والقائم على رفض الدولة البوليسية وتحكم الأقلية الفرانكفونية وامتهان الشعب وتدجين المؤسسات المعرفية. وهي أفكار يشاطره إياها كل المثقفين الملتزمين في مختلف جهات الوطن. فنسأله ـ بالتالي ـ ما هي "التزبوت" التي حلت بالمقالة فجعلت ديباجتها اللاعلمية القصيرة تفسد جوهرها الفكري الطويل جالبة على صاحبها نقمة العديد من الكتاب والمثقفين؟.

أما مقالته سيئة العنوان في الرد على تعليق السيد أحمد باب مسكة الهادئ والرزين، فقد جاءت ـ ديباجة وجوهرا ـ باستثناء آيات كريمة استشهد بها على توكله على المولى عز وجل وبيتا للعلامة سيدي عبد الله ـ خليطا من الانطباعات التأثرية المزاجية والاستدلالات المتهافتة. ونستعرض هنا بعضا من مغالطاته وتناقضاته الغريبة.

أ- الاستدلال بدلالة اشتقاقية مختلف فيها لإثبات حقائق اجتماعية.

معلوم أن الاستدلال يختلف عن الاستئناس وأن المنهج الاشتقاقي (الفيليلوجي) القائم على فقه اللغة التقليدي هو منهج ضعيف ومدخول وقد تم تجاوزه في الدراسات المعاصرة ولم يبق له ذكر إلا في بعض الكتابات الاستشراقية المغرضة ومحاولات هواة المؤرخين. غير أن الدكتور فيما يبدو أصبح مولعا منذ وقت باللغة الأمازيغية والقضية الأزوادية وهو ما دفعه إلى التظاهر غير ما مرة بمعرفة الاشتقاقات الأمازيغية. وإذا كان المنهج الاشتقاقي متجاوزا إن استخدم من قبل عارف بهذه اللغة ومراحل تطور دلالات كلماتها، فما بالك إذا كان مستخدمه شخصا ليس له منها إلا التشبع بما لم يعط؟ وقد كان من المتوقع أن لا يكن الدكتور محبة للغة الأمازيغية لأن نطاق تداولها الوحيد في موريتانيا هو بعض أحياء ولاية اترارزه غير المرغوبة لديه.

ب- إسقاط الدلالات الرمزية لبعض الحيوانات في ثقافة معينة على ثقافة أخرى مغايرة.

لعل إعجاب الدكتور برأيه إلى حد النرجسية والمركزية الذاتية قد حجب عنه اختلاف الدلالات الرمزية للكلب والذئب في الثقافة الشنقيطية المحلية عن دلالات هذين الحيوانين في الثقافات المحلية والإقليمية الأخرى. فالكلب في أمثلتنا الشعبية يرمز للخنوع والخضوع السلبي وليس للوفاء بالضرورة (الكلب ال ما اروم ماهو خناكو). أما الذئب فهو لا يرمز في ثقافتنا إلى التمرد والثورة – كما وظفه الدكتور- وإنما للمكر والخداع (اتماب الذيب عن سرحت لغنم)، وأيضا للهزيمة و الانكسار (أطول من الذيب وكف) وفي كل الأحوال فإن تشبيه الفرد أو الجماعة بالحيوانات غير النبيلة هو أمر مستهجن في الذوق العام ولاسيما إن ورد في مقالة تحليلية جادة ولا يشفع لصاحبه أن يعترف بأن لديه نزعة ذئبية، لأن الإقرار – كما هو معلوم – حجة قاصرة.

ج-الاستدلال بأشياء لا يعتد بها في المنهج العلمي.

تحول الدكتور في مقالته الثانية التي تطاول فيها على السيد احمد باب مسكة إلى حاطب ليل يجمع في جعبته كل ما صادفه من قشة أو حية. فتارة يستدل على تفضيله لأهل الشرق على أهل الشمال برواية مجهولة منقطعة مفادها أن إحداهن ذكرت ذات يوم أن أحد الشماليين لم يكن شيء مذكورا قبل زواجه من إحدى نساء الشرق. وهذا النوع من الأقاويل يسمى في اللهجة العامية " آسواق" ومن الغريب أن ينزل دكتور إلى مستواه غير أن الحنق يصنع الغرائب. وتارة يريد إبراز فضل شيخنا الشيخ ماء العينين رحمه الله على منطقة الشمال فلا يجد لذلك دليلا سوى قصة مردودة متنا وسندا تتعلق بجماعة من الصحراويين وفدوا إلى الخميني الرافضي الذي يصفه الدكتور بالإمام مرتين دون تحفظ ناقلا عن القصة أن الوفد الصحراوي امتعضوا كلهم من تعظيم الخميني لشيخنا إلا أحد أحفاد الشيخ كان من ضمنهم. ثم يرتب الدكتور ـ الذي أخذ على السيد احمد باب ذكره لبعض مقابر أسلافه في سياق تاريخي واصفا هذا الذكر بالغنوصية ـ على ذلك فرضية أن أهل الساحل موريتانيين وصحراويين حلت عليهم تزبوت من الشيخ (امرابط الحوض) فقضي عليهم بالتيه التيرسي المشابه لتيه بني إسرائيل و من المعلوم أن الدكتور من المعادين للصحراويين، فلا يقبل ما نقله ضدهم حتى لو كان عدلا مبرزا. كما أن من الغريب احتجاجه بأقوال الخميني الرافضي الشعوبي وهو المتحمس لنصرة اللغة العربية. ثم إن إقحام ذكر شيخنا مع الخميني في مقال كيدي يغض من شأن الذين ناصروا الشيخ وبايعوه مربيا ومجاهدا لاشك أنه يسوء الشيخ وآله الطيبين ولا يسرهم بحال من الأحوال.

وفي موضع آخر يستدل الدكتور على مكانة الشيخ ماء العينين بأن الأوربيين كانوا يلقبونه (امرابط الحوض) ويرتضي ما نقله عنهم من أن هذا الشيخ الجليل هو الصانع الحقيقي لهوية الشمال. وإذا تجاوزنا غرابة إبعاده للنجعة في أخذه مناقب شيخنا من أعدائه الأوربيين، فإن مدحه للشيخ بأمر مستمد من أعدائه وغير دقيق يعد إساءة إليه وإلى أهل الساحل الذين يقدرونه حق التقدير.

ذلك أن منطقة الساحل شهدت نهضة ثقافية عظيمة قبل أن تتشرف بقدوم شيخنا الذي عزز هذه النهضة و أضاف إليها بعدا تصوفيا عظيما من خلال زاويته الشهيرة التي جمعت بين العلم والاقتصاد والسياسة والعمل الاجتماعي والجهاد كما يتضح من الوصف الرائع الذي كتبه عنها صاحب الوسيط. لقد قامت النهضة العلمية في الساحل على يد أعلام كبار نذكر منهم – إضافة إلى ابن الطلبة - كمال الدين المجيدري (ت1204 / 1790) وسيد عبد الله ولد الفاظل (ت1209/ 1764) والمامون بن محمد الصوفي (ت1235 / 1820) ومولود بن احمد الجواد (ت 1243 / 1827) والشيخ محمد المامي (ت 1282 ) ومحمد ولد محمد سالم (ت 1303/ 1884) أما الشيخ ماء العينين فقد توفي سنة (1328 / 1910).

د-التناقض في نص واحد

وأخيرا نشير إلى تناقضين وقع فيهما الدكتور خلال مقالته التي رد فيها على السيد احمد باب مسكه أولهما: غضه من شأن المقاومة الوطنية من خلال نقله ـ مستأنسا ـ لوجهة نظر باحثين أوربيين ينكرونها ويعتبرونها مجرد غارات للنهب والسلب دون رد جدي لهذا الرأي، هذا مع ما يظهره من تقدير للشيخ ماء العينين المعروف أنه إمام المقاومة الأول والداعي إليها. والتناقض الآخر هو افتخاره بالعلامة المختار بن بونه الجكني الذي هو من أهل القبلة ولم يعرف سوى منطقتي القبلة والساحل شيوخا وحلا ومرتحلا ثم يعمد في نفس المقال إلى التعريض بالإبل والغض من شأن الحياة الصحراوية المعتمدة على ألبانها ولحومها. ومعلوم أن العلامة ابن بونه هو القائل:

ونحن ركب من الأشراف منتظم أجل ذا العصر قدرا دون أدنانا

قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة بهـا نبين دين الله تبيانـــا

الدكتور وشعر ابن الطلبه: نطاسة خائبة

يعترف الدكتور بأنه ليس شاعرا ولا متشاعرا وليس من قوم شعراء، لكن هذا لا يمنعه من أن يجرب نطاسته في الشعر بعد أن جربها مرة في الاقتصاد وأخرى في الأمازيغية. وفي سياق تحامله على أهل الساحل يتذكر نابغة تيرس ابن الطلبه فيذكره بخير في جمل قليلة ثم يثني عنان قلمه إلى مقصوده الأول ويعود إلى الغض من شأن أهل الساحل وبئتهم الصحراوية ما نحا ابن الطلبه قسطه من "التيه التيرسي" المزعوم في عبارات ملتوية ومراوغات ذئبية جبانة قد تعد أمثلة سيئة على تأكيد الذم بما يشبه المدح. حينما يدعي الدكتور أن ابن الطلبه كان غريبا في بئته يعيش في «فجوة زمان معرفي» داخل فضاء مجهول لا تعلم فيه جهات أو حدود، وعندما يراوغ لتحريف مدلول عبارة الشيخ العلامة ابن متالي في حق الشاعر(هذا عربي أخره الله) فيجعل لفظ "جاهلي" هو الأصل ثم يكتب لفظ "عربي" بين قوسين، فإنه بذلك يكشف عن نوع من عدم الأمانة في النقل وعن الجهل المركب بحياة هذا الشاعر الكبير وبئته الطبيعية والثقافية والاجتماعية. وإذا علمنا أنه قد صدرت منذ سنوات طبعة ممتازة لديوان نابغة شنقيط تضمنت دراسة مفصلة عن حياته و وبئته الطبيعية والخصائص الفنية لشعره كتبها - بعناية واقتدار- الدكتور محمد ببها ناصر، أدركنا أنه لا عذر لأي مثقف في الحديث عن الشاعر الكبير انطلاقا من مجرد انفعالات ذاتية تأثرية لاسيما إن كانت هذه الانفعالات تشوبها نية غير طيبة تعمي بصيرة صاحبها عن إدراك قيمة هذا الشاعر ومكانة منطقته وأهله في الثقافة الموريتانية. ولسنا هنا بصدد الرد التفصيلي على تحامل الدكتور ومغالطاته، فقد رد على مقالته الأولى الوزير ولد محمد عالي و نقضها فقرة فقرة بما يكفي.

إن مكانة أهل القبلة وأهل الساحل في الثقافة الموريتانية ومقام ابن الطلبه في أدب لغة الضاد حقائق معلومة قطعيا لدى الكافة وإنكارها والتحامل عليها هو نوع من العناد والمكابرة والحسد لا جدوى من الرد على صاحبه.

غير أننا نختم هذا المقال بمقاطع من شعر ابن الطلبه تبركا بروحه العظيمة و تلطيفا لجو هذا الرد الذي اضطررنا إليه.

في الغزل والنسيب:

تخبرْ مرابيع المبيدع شربنا *** بكأس التصابي من رحيق مشعشع

وتشهد أيام الصبا عند ربها *** بأن ليس فيها مثل عصر الذريع

ولا كمغاني ذي المحارة أربُع *** فمن يأتنا فيهن يرء ويسمع

بعد ما بين من بذات الرماح *** ومقيم من اللوى بالنواحي

يا خليلي ما شفى النفس شاف *** كاعتمال الجلالة السرداح

فعسى تلك وادلاج الليالي *** ودُؤوب الإمساء والإصباح

تبلغني ديار أم أبي *** ولحسبي بلوغها من نجاح

في مدح الشيخ محمد ولد سيدي محمد:

إنما أنت يامحمد نور *** وسنا يستضا به مستطير

حجبت عنك أعين وهي رمد *** والسنا لا يراه إلا البصير

سيدي دلني على الله إني *** حائر جائر عن القصد بور

إن من لم ينل من الشيخ نيلا *** وهو معه لجائر مغرور

في الحث على الجهاد والطهارة المائية:

ولم يحم دينا مستباحا حريمه *** من المعتدي إلا القنا والقنابل

وفتيان صدق صابرون لربهم *** يحامون عنه وهو عنهم يجادل

يحشون حومات الوغى بنفوسهم *** إذا هابها الثبت المحش المباسل

ألا يا لأنصار الإله لدينه *** إلا م التواني منكم والتكاسل؟!

ولله الأمر من قبل ومن بعد

السالك ولد محمد موسى

أنواكشوط بتاريخ:16/04/2012

أقلام