من وصايا يعقوب:الأمر بفعل الأسباب


أ.د. ناصر العمر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، إن من المواضيع التي تشير إليها سورة يوسف، ومن القضايا المتكررة التي تشتمل عليها آياتها قضية الأخذ بالأسباب، فهذه السورة العظيمة تربي الأمة على قضية الأخذ بالأسباب، وأن ذلك مع أنه مسألة إيمانية عقدية هو من وسائل النجاة .

ولذلك رأينا هذا التركيز في هذه السورة على هذه القضية كما هو موجود في كثير من سور القرآن، ونذكر بعض الأمثلة التي وردت في هذه السورة من باب الأخذ بالأسباب،حيث إن يعقوب _عليه السلام_ لما قص عليه ابنه يوسف _عليه السلام_ هذه الرؤيا العظيمة وعرف أبوه تأويلها وما قد يلاقيه ابنه من شدة ومحن وبلاء ما كان منه إلا أن يوصيه، ويقول له: "قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ" (يوسف:5)، لا تكن سبباً في جلب الكيد إلى نفسك، فعندما تقص هذه الرؤيا على إخوانك، وهي رؤيا عظيمة، وقد يفقهون تأويلها كما فقهها أبوهم فيأتي الحسد فيجر عليك وعليهم مايجر .

وهذا يشير إلى أن من رأى رؤيا صالحة أوصى النبي – صلى الله عليه وسلم – ألا يقصها إلا على من يحب خوفاً من نشوء الحسد بسبب هذه النعمة وهذه الرؤيا، وكل صاحب نعمة محسود، فلم يكن من يعقوب _عليه السلام_ إلا أن يدله على سبب، لعله يكون فيه نجاته، وكما قال فيما بعد لإخوانه: "وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ "(يوسف: من الآية67) أي: أن يعقوب عندما يقول لابنه هنا "لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ"، ويقول لأبنائه فيما بعد: " لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ" هو لا يمنع وقوع القدر "وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْء" (يوسف: من الآية67)، ولكنه يأخذ بالسبب الشرعي الذي قد يكون سبباً لنجاة ابنه هنا وأبنائه هناك.

ومن أمثلة الأخذ بالأسباب أن يوسف _عليه السلام_ لما راودته امرأة العزيز وأصرت في مراودتها وهمت به وهي تملك السلطة والقوة أخذ بالسبب، بل أخذ بعدة أسباب وأعظم الأسباب أنه اعتصم بالله _جل وعلا_" فاستعصم" استعصم بالله ولجأ إلى الله وتضرع إليه فكفاه الله _جل وعلا_ شر هذه المرأة "إنه من عبادنا المخلصين"، ثم أيضاً هرب منها وهذا من الأخذ بالأسباب .

ولذلك من الأخذ بالأسباب الهروب من مواطن الفتن ، وكذلك من الأخذ بالأسباب أن أبناء يعقوب _عليهم السلام_ لما طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم بنيامين قال لهم: "قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ" (يوسف:66) بسبب ما فرطوا بيوسف _عليه السلام_، فاحتاط هذه المرة، فقال: "لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ" فأعطوه الموثق، وحدث ما حدث لأخيهم لكن لم يكن بسببهم.

وكذلك قال لهم:"لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ " (يوسف: من الآية67)، فهذا أيضاً من الأخذ بالأسباب، ولذلك قال لهم وبين لهم أنه لن يغني عنهم من الله شيء، إنما هي حاجة في نفس يعقوب قضاها _عليه السلام_ خاف عليهم من الحسد أو من العين عندما يجتمعون زمرةً واحدة، فطلب منهم التفرق وهذا من الأخذ بالأسباب
ومن الحكمة أن الإنسان إذا سلك طريقاً محفوفاً بالمخاطر كركوب البحر مثلاً، من الحكمة ألا يركبه هو وأبناؤه جميعاً خوفاً من أن يغرق المركب فيغرقوا جميعاً أو إذا كان على جانب البحر مثلاً هو وزوجته وطلب أبناؤه منه أن يركبوا بالبحر وكان عددهم مباركاً أي كثيراً كما كان عدد أولاد يعقوب _عليه السلام_ من الحكمة ومن الأخذ بالأسباب ألا يركبوا في مركبٍ واحد؛ لأنهم إذا وقع الأمر قد يؤثر في نفسه وقد يبدأ باللوم ولو فعلت ولو فعلت فالأولى له أن يركب بعضهم في مركب ثم يركب الآخرون في مركبٍ آخر إلى غير ذلك فيما يخاف منه الإنسان، فلما خاف يعقوب _عليه السلام_ حيث إنهم سيذهبون من بلاد كنعان إلى مصر وبلاد غريبة ويخشى عليهم من العدو قال:" لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ "(يوسف: من الآية67) فهذا من الأخذ بالأسباب.

ومن الأخذ بالأسباب عندما قال يوسف لفتيانه:" وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" (يوسف:62) هذه من الأخذ بالأسباب، لما طلب منهم أن يأتوا بأخيهم ما اكتفى بالطلب فقط "وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا"، وكان وجود هذه البضاعة سبباً من أسباب مجيء أخيهم؛ لأن أباهم قد اقتنع بذلك _عليه السلام_ في المرة الأولى رفض "قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" (يوسف:64) لكن لما فتحوا متاعهم ووجدوا بضاعتهم ردت إليهم وافق،"قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا"(يوسف: من الآية65) فلاحظوا الدقة في اتخاذ الأسباب في مواضعها.

ومن أعظم ما ورد في هذه السورة من الأخذ بالأسباب قول يعقوب في آخر المطاف: "يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ" (يوسف:87) وفعلاً ذهبوا بعد أن كانوا يأسوا "قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ" (يوسف:85)، ولما أخذوا بهذا السبب مباشرة "فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ" (يوسف:88) "قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ" (يوسف:89) لما أخذوا بهذا السبب فإذا هم يجدون النتيجة.

وهنا نلحظ أن بعض هذه الأسباب أثّرت في النتيجة، أي أن يوسف لما استبق الباب نفعه استباقه الباب، أي: ذهابه إلى الباب، فوجد زوج المرأة فتخلص من المشكلة الأولى، ولما طلب وضع المتاع "وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ"(يوسف: من الآية62) نفع هذا أي بعد أن اعترض أبوهم ورفض أن يرسله معهم نجد أنه وافق بعد أن وجد المتاع، و لما أوصاهم والدهم ألا يدخلوا من باب واحد وإنما يدخلون من أبواب متفرقة نفعهم ذلك فلم يأتهم مكروه، ولما قال لأبنائه: اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه نفعهم ذلك فوجدوا أخاهم

وقد يقول قائل: إنه لما قال له أبوه:"لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ"(يوسف: من الآية5) فلم يقصص رؤياه على إخوته ومع ذلك حدث ما حدث، والجواب أن المطلوب من المؤمن أن يعمل السبب أما النتيجة وأما الأثر فليس له.
لو لم يأتِ في فعل السبب إلا أنك تأخذ بقضية شرعية، وهي الأخذ بالأسباب لكفى أما النتائج فليست لك، مثال ذلك الدعوة إلى الله _جل وعلا_ الإنسان يدعو إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إن استجاب له الناس فهذا خير وإن لم يستجيبوا له فليس عليه، المهم أنه أمر ونهى، لا يقل أنا لن أدعو الناس؛ لأنهم لن يستجيبوا "وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" (لأعراف:164) .
ففعلك السبب يسقط عنك الإثم قيامك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله يسقط عنك الإثم، أما إسلامهم فأمره إلى الله، والهداية بيد الله _جل وعلا_ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين، "إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (القصص:56).

إذن نحن مطالبون بأن نعمل السبب أما النتائج فليست لنا، وهنا مسألة مهمة في هذا الجانب، وهي أننا في فعل الأسباب نعالج القدر الكوني بالقدر الشرعي، نعالج القدر الكوني، أي: قدر الله _جل وعلا_ الذي قدره نتعامل معه بالقدر الشرعي فنجد مثلاً لما وقع الطاعون في الشام هذا قدر كوني وحدث ما حدث من استشارة عمر _رضي الله عنه_ للصحابة هل يدخل الشام أو لا يدخل واختلفوا في ذلك، ثم اتخذ قراره بعدم الدخول قبل أن يبلغه حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي رواه عبدالرحمن بن عوف قال له أبو عبيدة لما قرر عمر أن يرجع إلى المدينة ولا يدخل الشام أتفر من قدر الله يا عمر، قال له: "لو أن غيرك قالها يا أبا عبيدة، نفر من قدر الله إلى قدر الله" أي: نفر من القدر الكوني إلى القدر الشرعي، نحن أمرنا بالأخذ بالأسباب، هذه مسألة مهمة فنحن مطالبون بذلك.

وأخيراً أختم قضية الأخذ بالأسباب بأن أبين أن الناس في قضية الأخذ بالأسباب على ثلاثة أقسام :
منهم من قال: إن الأسباب تفعل بذاتها،
ومنهم من قال: إنه لا تأثير للأسباب، وإنما الله يفعل عندها، وهذان منهجان خاطئان،
والمنهج الصحيح أن الله _جل وعلا_ جعل في الأسباب قوة مؤثرة وإذا شاء سلبها منها كما سلب من النار قوة الإحراق في قصة إبراهيم _عليه السلام_ " قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ" (الانبياء:69).
الذين يقولون: إن الأسباب تفعل بذاتها هؤلاء مخطئون،
الذين يقولون: إن الأسباب لا تفعل شيء إنما الله يفعل عندها هؤلاء مخطئون،
الصحيح أن الله جعل في الأسباب قوة مؤثرة فإذا شاء سلبها منها كما جعل في العلاج قوة مؤثرة في الشفاء ولو شاء لسلبها _سبحانه وتعالى_،وجعل في النار قوة الإحراق ولما شاء سلبها كما في قصة إبراهيم

وأنبه إلى قاعدة ذكرها العلماء، فقالوا: من اتخذ شيئاً سبباً لم يجعله الله سبباً فقد أشرك، أي: لو أن إنساناً اتخذ شيئاً من الأشياء سبباً ولم يجعله الله _سبحانه وتعالى_ سبباً اعتقاداً منه أنه مؤثر فقد أشرك؛ لأنه جعل لشيء من المادة قوة مؤثرة لم يجعله الله _جل وعلا_.

ثانياً: الاعتماد على الأسباب فقط قدحٌ في التوحيد، وإهمال الأسباب قدحٌ في العقل، والمنهج الصحيح هو الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على الله _جل وعلا_ " اعقلها وتوكل"، لما تأخذ العلاج تأخذه لأن الله جعل فيه الشفاء، ولكنك تعلم أن الله هو الشافي فإن شاء شفاك _سبحانه وتعالى_ وإن شاء لم يشفك.
فتجد رجلين كلاهما يستخدمان علاجاً واحداً؛ أحدهما يفيده والآخر لايفيده لأسباب كثيرة، ولهذا ربط يعقوب _عليه السلام_ فعل السبب بمسببه "اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ" (يوسف: من الآية87) الاعتماد على الله _جل وعلا_ هو الذي يدلكم، وهو الذي يهديكم لأخيكم وهكذا كان .

وهذا منهجٌ يجب أن ننتبه له في قضية الأخذ بالأسباب وأن نعتدل في هذا المنهج العظيم فهذه السورة وضحت وبينت أهمية هذا الجانب كما في قوله: "اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ"(يوسف: من الآية42)، وفي هذا أخذ بالأسباب، نسأل الله أن يوفق أهل الإسلام للأخذ بأسباب العز في الدارين، وتجنب أسباب الردى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين