ولد عبد العزيزعلى خطى معاوية وان فاقه / محمد الامين ولد ا اغظف

قرات الجمعة الماضية في موقع الاخبار خبرا مفاده ان حزب الإتحاد من أجل الجمهورية الحاكم في موريتانيا رصد مبلغ ربع مليار أوقية لزيارة ولد عبد العزيز المقررة يوم الأحد القادم لولايتى لبراكنه وكوركل. حيث طلب من أطر الحزب من الولايتين التبرع لتغطية نفقات الزيارة التى تدوم ثلاثة أيام. ثم اضاف ان الإنفاق الحكومى المرتفع على الزيارة يتزامن مع أزمة تعيشها المناطق الداخلية المزورة بفعل الجفاف والنتائج الكارثية للأمطار الأخيرة. كما يواجه عدد من المناطق الداخلية أزمة مياه حادة ، ناهيك عن قلة الأعلاف وغياب المساعدات الغذائية التى وعدت بها الحكومة فقراء الريف بموريتانيا.

وقد مرت في ذهني سريعا ذكريات كرنفالات زيارات الرئيس معاوية التي افلست خزائن الدولة وتفننت في احتقار الشعب الموريتاني وانتهاك ادميته واوصلته الى منشغل دائم بهم بطنه او صحته او اطلاق سجين او الحصول على قطعة من بلاد الله الواسعة ، مع خلخلة وتحييد قيم الصدق والوفاء والالتزام الاخلاقي واحلال قيم الشطارة والنخاسة وافساد الذمم وبيع المخدرات والرشوة وغسيل الاموال وتدمير البنى والاطر الثقافية واحتقار المثقفين وخلق نموذج فاسد فاسق فاجر مجاهر بكل ما هو منحط وسافل وتافه في النفس البشرية دون حياء او وجل.

وقتها كنت اتساءل عما اذا كان الرجل مصابا بلوثة عقلية اوعمى الوان يمنعه من ان يرى او يسمع انين المرضى وصرخات الجوعى والشباب والشيب من الرجال والنساء ، ممن يسلبهم الجوع الراحة والنوم وتنهش في اجسادهم الهزيلة كل صنوف المرض ، وعما اذا كان العيش داخل القصور يسلب صاحبه القدرة على التمييز؟ ام ان الرجل يتعرض لغسيل دماغ دائم " من البرامج التي تروج للرشاقة فحسب ان الموريتانين نجحوا في اتباع حمية صارمة وقتهم شر امراض السمنة ولله الحمد" وهل الرؤساء في العالم الثالث لا ترفع اليهم ضمن ما يرفع من تقاريرشهادات الوفيات التي تضرب فيها مستشفيات البلاد الارقام القياسية ؟ ، كما تساءلت عن مصير البرامج والخطط التي شنفت اذاننا بها الاذاعة والتلفزة الوطنية -على فكرة ما زالتا على نفس الدرب- كالصحة للجميع عام 2000 التي انقلبت بحق الى " الموت للجميع عام 2000 وغيره من الاعوام اللاحقة.

تذكرت معاوية وهو يخطب في جوقته - التي تاتي وترحل معه في كل جولة يقوم بها - مؤكدا بالارقام والاحصاءات ان البلد قفز الى مصاف الدول المتقدمة وان البطالة قضي عليها واهل موريتانيا يعشون في بحوحة من النعيم المادي والترف الفكري تشهد عليه الوجوه النضرة التي تصفق له وتلتف حوله والقصائد المنمقة المزركشة التي تنشد له دون ان تسعفه ذاكرته لعشرين سنة انها نفس الوجوه .

ابن عبد العزيز يخصص لزايارته الى ولاتين ربع مليون ارضاء لغروره ، غير آبه بما حل بالبلاد والعباد من كوارث طبيعية بسبب انحباس المطر بالاضافة الى فشل السياسات الانمائية وتردي الاوضاع الاقتصادية والبطالة والحرمان وامراض سوء التغذية والازمة الاقتصادية الى تضرب اطنابها في كل شبر من المعمورة ، مع تدافع التبريريين وجوقة الاعلاميين وغيرهم ممن تسفلوا بالمهنة الذين يطمسون الحقائق - الا من رحمك ربك - فيشهدون زورا وهم انفسهم الذين يتحلقون اليوم ويحتلون المناصب في المواقع المتقدمة رغم ان مجرد ظهورهم يثير الاشمئزاز في النفس ويجعلك تبحث عن قناة اخرى حتى ولو كانت القناة "الاسرائيلية".

المفارقة ان محمد ولد عبد العزيز سليل التجربة " المعاوية" فاق التصور في تقمص تجربة سلفه وسلك في ذلك مسالك شتى افضت الى افلاس الدولة زيادة على افلاسها اصلا مع نذر شؤم قد جلبها تهور الرجل وتشنجه ووعيه المحدود في كل شيئ ، فقد فتح حرب استنزاف في الشرق مع القاعدة وخلق ازمة مع السنغال واعلن الحرب على السلم الاهلي بتجاهل القضايا الجوهرية التي تمس حياة الناس وسلب عنوة املاك البعض تجاوزا على مبدإ الحقوق المكتسبة ، وفشل في توزيع القطع الارضية واسندها الى مجموعة من المرتشين ، ووجه كل مصادر التمويل المشبوهة الى دائرة ضيقة حوله – الم اقل انه فاق معاوية فالاخير سمح بالفساد المالي لحاشيته لكنه وبشكل شخصي لم يتجاوز على المال العام.

كان معاوية لا يقبل رايا معارضا في مجلسه او برلمانه او دولته ولا يخطط لاقتصاد البلد ويخطط بعض الشيئ لخطابه ، واما ابن عبد العزيز فلا يقبل بشريك ولا يخطط لا لخطابه ولا لاقتصاده مع فارق ان سحنة معاوية وتقاسيم وجهه هادئة بينما تمتاز قسمات ابن عبد العزيز بالحدة والتوتر والقسوة ، ففي مهرجان انواذيبو استفزت الرجل بعض اللافتات ولم تسعفه اللغة حين اراد القول بان الصدق لا يرتبط بهيئة محددة ، فقال انني بلا لحية ولا اكذب فاوحت الجملة بانه يقصد فريقا بعينة وانه يسخر من التخلق باخلاق الاسلام.

اذكر ان اخر خطاب لمعاوية حمل فيه على الحركة الاسلامية التي كان مظم افرادها في السجون انذاك مع لمز في رفقاهم من "الحراطين" من خلال جملته المشهور ( كان اقطر لك ؤعاد يفت يفت ...) حيث اعدت العصابة للتخلص منه بعد ان احتقن الوضع في كل الاتجاهات واصبحت رائحة النظام تزكم الانوف فقامت ببث خطاب اكجوجت دون توضيب رغم انه غير مباشر لمباشرة الخطوة التالية بالانقلاب ، وقتها كان معاوية سادرا في غيه ، غير آبه بالمظالم التي لحقت بكل بيت وكل رجل وامراة ، ولم ينتبه ان المجتمع الذي هو مصدر تشريع النظام ، لم يتمكن من ايصال مطالبه بسبب حفنة من اكلة السحت العام تمنع نفاذ اية شكوى الى قمة هرم السلطة . هذا الخطاب هو نفسه خطاب ابن عبد العزيز الان مع تاكيد ان لا ترفع في الزيارت لا فتات قد تحمل مطالب فلا صوت يعلو على هلوسات السلطة واوهامها المريضة رغم الفشل البادي للعيان.

اخيرا كنت اعتقد ان كل الذين قفزوا على قيادة البلد من عسكريين لا خير فيهم في الماضي او الحاضر او المستقبل بفعل جهلهم بمعنى الدولة اصلا ، والخيارات التي تقوم عليها ، عدى عن جهلهم بامكانياتها الاقتصادية وطرق الاستغلال الامثل لها وبحكم محدودية تعليمهم واستعدادهم الدائم للتنازل لانهم اصلا وفي اغلبهم جاؤوا من رحم الفشل والمحسوبية ورغم الياس منهم ، فقد كنت اتمنى ان يتزحزح وعي المنتفعين قيد انملة ويقمون بتصحيح يسير يعيد توزيع الثروة ويحقق قدرا محدودا من الاستقرار عظة بما آلت اليه اوضاع بلدان اخرى ضربت فيها الفوضى اطنابها بسبب احساس مؤلم من اهلها ان الوطن الذي يحمل رفات ابائهم وذكرياتهم وسيحمل رفاتهم اذا لم يمنع ابن عبد العزيز ذلك لا مصلحة لهم فيه.

ملاحظة اخيرة - جلب معاوية كل ما هو سيئ للبلد وكشف ابن عبد العزيز كل ما لم يستطع معاوية التجرؤ على كشفه من سوء .

اليوم والرئيس يتهيا لزيارة لبراكنة اتساءل وبشكل اكثر حدة ومرارة مع هوس دفين ما عدت استطيع الفكاك منه وهو هل الشعب الموريتاني لا يقوده الا فاشل يتقن حرفة القفز على الحقائق ام مفلس في القيم والاخلاق ؟ والى متى ستظل طبقات المنتفعين تمص دماءنا دون تحريك ساكن؟.




( صحفي بجريدة الاتحاد بالامارات)