الفقيه الأديب والمستبد الجاهل / عبد الرحمن ولد محمد الكوري ولد حمدن


لله در المفكر الكبير/ عبد الرحمن الكواكبي رحمه الله في كشفه لحقائق الاستبداد , ومصارع الاستعباد , وعلاقة الاستبداد بالدين حيث يقول: (تضافرت آراء أكثر العلماء النّاظرين في التّاريخ الطّبيعي للأديان، على أنَّ الاستبداد السّياسي مُتَوَلِّد من الاستبداد الدِّيني، والبعض يقول: إنْ لم يكنْ هناك توليد فهما أخوان؛ أبوهما التَّغلب وأمّهما الرّياسة، أو هما صنوان قويّان؛ بينهما رابطة الحاجة على التّعاون لتذليل الإنسان، والمشاكلة بينهما أنَّهما حاكمان؛ أحدهما في مملكة الأجسام والآخر في عالم القلوب)
ذالك هو الاستبداد الديني والسياسي في أقبح صوره حين يكون القاسم المشترك بينهما المصالح الدنيوية الضيقة , فيهيمنان على قلوب وأجسام البشر , وتجتمع القوة والقسوة والقهر مع تكييف وتشريع الاستبداد بأدلة لا تسمن ولا تغني من جوع لينتج ذلك استبدادا وفسادا يكون سيفه بيد المتغلب ولسانه عند فقهائه وأدبائه , والخاسر الأكبر منهما طبعا هم فقهاء السلطان , الذين خسروا الدين والدنيا في أغلب الأحيان.
وفي زمن بدأت فيه خيوط الاستبداد تتقطع , وتجلت مساوئه وتفرق عنه أغلب المؤيدين ونكصوا على أعقابهم وولوا الأدبار , إلا أن فقهاء التكييف والاستبداد ومرتزقة الأدباء والشعراء لم يستوعبوا حتى الآن الدروس والعبر من تاريخ الشعوب وماضيها أو من واقعها اليوم وحاضرها.
وما زلنا نتذكر مفتي القذافي بن صوة الذي أفتى له بكل ما أراد حتى بسفك دماء الثائرين الليبيين وتناقضه ونفيه ذلك , فعند اعتقاله سرعان ما تبرأ من القذافي وتغيرت فتواه بتغير الزمان والمكان وتلك عادة المتملقين في التكيف مع كل وضع , وكذلك المفتي خالد تنتوش فهما عبرة لعلماء الاستبداد فهل من مدكر؟
والمستبد لا يختار إلا المتملقين من الأدباء والفقهاء أو الأغبياء الذين استراحوا من المبادئ والقيم من حيث تعب العلماء المخلصون , ودفعوا لها أغلى ما يملكون , وبذلوا في سبيلها الغالي والنفيس , ويبقى المتملقون أداة في يد المستبد يملي عليهم ما يريد , وتلك هي قاعدة ابن خلدون (فاز المتملقون) فيدعوهم المستبد في وقت الحاجة للرد على كل من وقف في وجهه فيستجيبون له سراعا في الزمان والمكان المناسبين للرد على العلماء والدعاة المخلصين الذين قالوا ربنا الله ولم يرضوا بالاستبداد والظلم والفساد السياسي والأخلاقي.
وتعجب من علماء السلطة ووكلاء الشرطة حين تراهم يدافعون عن المستبد وأعوانه بأقوال وأحاديث ممجوجة وفقه من عصور الانحطاط ولى زمنه وانتهى عهده , فتجدهم يكررون كلامهم المعهود , في ولاية المتغلب وشرعية حكمه متجاهلين الشورى في الحكم التي وصف الله بها المؤمنين.
والناظر في حال المستبد وعلمائه يجدهم متقاربين معه في الفساد والإفساد بل ربما زادوا عليه في قمع النساء والشباب وطمس المعاهد والمنابر العلمية , فقد أغلق المعهد العالي في زمن الفقيه الوزير إن لم يكن بأمره وأهينت كرامة النساء على يد آخر بينما يكون تشريع الاستبداد والذب عنه بشتى السبل من مهمة فقهاء آخرين!
وأنا هنا أميز بين من له سابقة فضل في الدفاع عن الإسلام وقول الحق وإرشاد الناس مع أن (العبرة بالخواتيم) وبين من عهدناه سيفا مسلطا على الداعين إلى الله والعلماء الربانيين في كل وسائل الإعلام .


الأديب والمستبد


وقد لعب أيضا الأدباء والشعراء دورا كبيرا في تكريس الاستبداد وتأليهه على الأمة والشعوب المستضعفة , فقد وصفوا الحكام المستبدين بأوصاف لا تليق إلا برب العزة , فكانوا لسان المستبد وسيفه المسلول على كل من عارضه أو قاومه أو دعا إلى رفع الظلم عن الناس بحت بذلك حناجرهم , ونطقت به قصائدهم , على ممر الدهور والعصور فهذا المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس و(لكل امرئ من دهره ما تعودا* يقول للأمير جعفر بن كيغلغ:
يا من ألوذُ به فيمَا أؤمّلــه ** ومن أعوذُ به ممّا أحاذرُهُ
لا يجبر الناس عَظْماً أنْتَ كاسرُهُ ** ولا يَهيضون عظما أنت جابرُهُ
ومثل قوله في محمد بن زريق الطرسوسي:
لو كان صادفَ رأسَ عازرَ سيفه ** في يوم معركةٍ لأعْيا عيسَى
أو كان لُجُّ البحرِ مثلَ بمينِه ** ما انشَقّ حتى جاز فيه موسَى
أو كان للنّيران ضوءُ جبينِه ** عُبدَتْ فكان العالَمون مَجوسا
وهذا ابو تمام أيضا
أَبْليَتَ هذَا المَجْدَ أَبْعَدَ غَايَةٍ ** فِيهِ وَأَكرَمَ شِيمةٍ ونِحَاسِ
إِقْدَامَ عَمْروٍ في سَماحَةِ حَاتِمٍ ** في حِلْمِ أَحْنَفَ في ذَكَاءِ إِيَاسِ
فقال له الكندي، وكان حاضراً وأراد الطعن عليه: الأمير فوق من وصفت ، فأطرق قليلاً ، ثم زاد في القصيدة بيتين لم يكونا فيها:
لا تنْكروُا ضربي لهُ من دُونهُ ** مَثلا شروداً في الندَى وَالبَاسِ
فالله قد ضربَ الأَقلَّ لِنورهِ ** مثلا منَ المِشْكَاةِ وَالنِّبراسِ
فتعجب الحاضرون من سرعة بديهته.
والأعجب من ذالك تفننه وسرعة بديهته في تمجيد الاستبداد.
والأدباء والفقهاء هم أعلم الناس بالاستبداد ولؤم أصحابه وكذبهم وخداعهم , وكثيرا ما يقلبون عليهم ظهر المجن فيهجونهم بعد تفانيهم في مدحهم وتوددهم وتقربهم إليهم فينطقون بحقائقهم التي طال ما قد كتموها وأسرُوها في أنفسهم , فيذمونهم بعد كل تمجيد وقد قال الله في كذب بعض الشعراء (وأنهم يقولون ما لا يفعلون) وأنشد ابن الرومي:
يقولون مالا يفعلون مسبة ** من الله مذموم بها الشعراء
وما ذاك فيهم وحده بل زيادة ** يقولون ما لا يفعل الأمراء
وقد أحسن عمران بن حطان حيث يقول:
ولا تقل في الجواد ما ليس فيه ... وتسم البخيل باسم الجواد
وقد تنبه بعض الأمراء والملوك إلى كذب الشعراء والأدباء فكانوا يقابلون مدحهم بالكذب والمواعيد الزائفة لأنهم يعلمون افتراءهم في خلجات صدورهم كما حدث مع وال كان بفارس لأحد الشعراء حين مدحه فأمر كاتبه أن يدفع له أربعين ألف درهم فقال له الكاتب: سبحان الله هذا كان يرضى منك بأربعين درهماً تأمر له بأربعين ألف درهم قال : ويلك وتريد أن تعطيه شيئاً قال : وهل من إنفاذ أمرك بد قال : يا أحمق إنما هذا رجل سرنا بكلام هو حين زعم أني أحسن من القمر وأشد من الأسد وأن لساني أقطع من السيف وأن أمري أنفذ من السنان هل جعل في يدي من هذا شيئاً أرجع به؟ فنحن نعلم أنه قد كذب ولكنه قد سرنا حين كذب لنا فنحن أيضاً نسره بالقول ونأمر له بالجوائز وإن كان كذباً . فيكون كذب بكذب وقول بقول . فأما أن يكون كذب بصدق وقول فذلك هو الخسران المبين.
ولا زال علماء السلطة وأدباؤها يسجلون إعجابهم وانبهارهم بلقاء هذا المستبد بذاك ويقولون في نشوة وطرب:
فذو الفخامة حيتها فخامته ** وذو الجلالة حيتها جلالته


خلاصة

ومن هنا نعلم أن الاستبداد قد أفسد كل خلق رفيع ، وأقام مقامه التمجُّد وطمس العلم بنشر الجهل وجعل من بعض الأدباء والفقهاء والعلماء سماسرة له لتضليل العوام وإغرائهم وإيهامهم أنه يقوم ويسهر على خدمة الدين والوطن والمواطن فيكونون أداة له في تمييع الفقه وتكييفه ويفصلونه على مقاس المستبد وما يخدعون إلا أنفسهم , فبمجرد أن يقول عالم قولة حق على نهج - قل هذه سبيلي أدعو إلى الله - تجدهم يتوافدن على المستبد لإرضاء خاطره , والدفاع عنه بكل وسيلة.
أعلم أن دروس وعبر هذه الثورات المباركة لا يستوعبها المستبد إلا عند فوات الأوان , وعلماؤه وفقهاؤه أقل لها استيعابا مع أن - العاقل من اتعظ بغيره والأحمق من اتعظ بنفسه – لكن العجيب في الأمر أن " تعود حليمة إلى عادتها القديمة" في ظل وعي عربي وإسلامي كبير لا يخلو منه قطرنا ويقوم سحرة فرعون المستبد الذين هم فقهاء التبرير ومرتزقة الأدباء إلى دورهم في الماضي بدون خجل أو وجل ( يحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) غرر بهم الاستبداد (وأشقى الناس من باع دينه بدنيا غيره) وغرهم حلم العلماء الربانين , ويبقى الحال على حاله , والفقيه الأديب على ديدنه:
أهذا دأبك الدهر سادرا ** أما تستحيي أم ترعوي أم تفكر
لم يعد الزمن اليوم زمن - ولاية المتغلب - التي كان يعول عليها علماء الاستبداد لشرعنتها وإنما بفتية مثل الزهور , تخرج عارية الصدور , تهتف بالحرية والكرامة لشعوب أذلها الاستبداد الديني والسياسي وخلفها وراء الركب فتسقط هذا المستبد وتطرد ذاك وتخلد آخر في السجون سئمت زعماء الاستبداد كما سئمت علماءه وأدباءه ومفتيه ومفكريه وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.