اللُّمعة في مشروعية قنوت النازلة في صلاة الجُمعة


- روى أحمد ومسلم والترمذي عن البراء بن عازب «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقنت في صلاة المغرب والفجر»، وفي الصحيحين عن أنس قال: «كان القنوت في المغرب والفجر».

- وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: وَاللهِ لَأُقَرِّبَنَّ بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة في صلاة الظهر، والعشاء الأخيرة، وصلاة الصبح، بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار. وفي رواية لأحمد: "صلاة العصر" مكان: "صلاة العشاء الآخرة".

- وفي الصحيحين عن أنس قال: «قنت النبيُّ - صلى الله عليه وسلم- شهراً بعد الركوع، يدْعُو على أحياء من العرب» وفي رواية: قال: «قنت رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- شهراً بعد الركوع في صلاة الصبح، يَدْعو على رِعْل وذكوانَ، ويقول: عُصَيَّةُ عَصَتِ الله ورسولَه»

- وروى أحمد وأبو داود والحاكم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ» وَفِي إِسْنَاده هِلَال بن خباب متكلم فيه، وثقه ابْن معِين وَغَيره، وقال ابن القيم: وهو حديث صحيح، وحسنه الألباني والأرناؤوط. وقال النووي: إسناده حسن أو صحيح.

ذهب بعض العلماء إلى أن قنوت النازلة مختص بالفجر لما ورد من المواظبة عليه، وادعوا أن القنوت في الظهر والمغرب والعشاء منسوخ، وخص ذلك آخرون بصلاة الجهر.
والمشهور عند المالكية أنه لا يقنت في غير الصبح مطلقاً، ولو لنازلة.


وذهب الحنابلة إلى مشروعية القنوت في كل المكتوبات الخمس عدا الجمعة.

- وعلل بعضهم بأن دعاء الخطيب على المنبر كافٍ عنها.
- وعلل آخرون بأنها عيد المؤمنين، والمطلوب للعيد الفرح والمسرة، وإذا قنت بهم ذكرهم النازلة.

- وجاء في كلام الإمام أحمد ما يدل على أن ذلك ربما كان لحدَث أُحدِث زمن بني أمية قال: "بنو أمية كانت تقنت"، أي: قنوتاً راتباً للجمعة. ومن ذلك ما جاء في "الاستذكار" أن مالكاً قال: "كان الناس في زمن بني أمية يقنتون في الجمعة، وما ذلك بصواب"، فلعل كراهة ذلك لئلا يكون ذلك راتباً في الجمعة كما كان عليه الحال.

وأما ما ورد من كراهة كثير من السلف للقنوت في الجمعة؛ كالذي جاء في "الأوسط" لابن المنذر:

اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقُنُوتِ فِي الْجُمُعَةِ، فَكَرِهَتْ طَائِفَةٌ الْقُنُوتَ فِي الْجُمُعَةِ، وَمِمَّنْ كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: بَنُو أُمَيَّةَ كانت تقنت.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيٍّ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، فَلَمْ يَكُونُوا يَقْنُتُونَ فِي الْجُمُعَةِ " وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ: قَنَتَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ حِينَ قَضَى الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ، وَالْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَكُلِّ صَلَاةٍ يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَقُولُ. أهـ

قلت: هذا كله في القنوت الراتب في الجمعة، لا لنازلة؛ فكراهة السلف ذلك ككراهة جمعٍ منهم قنوت الصبح الراتب، لا أنهم يكرهونه إذا كان لنازلة.

(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : "حكى عددٌ صلاةَ النبي - صلى الله عليه وسلم - الجمعة فما علمتُ أحداً منهم حكى أنه قنت فيها إلا أن تكون دخلت في جملة قنوته في الصلوات كلهن حين قنت على قتلة أهل بئر معونة، ولا قنوت في شيء من الصلوات إلا الصبح إلا أن تنزل نازلة فيقنت في الصلوات كلهن إن شاء الإمام".

قلت: الأظهر –والله أعلم- مشروعية القنوت في الجمعة للنازلة كبقية المكتوبات، والاعتراض بعدم ورود شيء فيها يخصها ضعيف.

اعتراض: وكذلك صلاة الجنازة والعيدين لم يرد فيها قنوت، فهل الاعتراض بذلك فيهما ضعيف أيضاً؟

والجواب: هذا الاعتراض بعدم ورود شيء في صلاة الجنازة متجه؛ لأسباب اختصت بها، ومنها:

1- أنها صلاة على صفة مخصوصة ففارقت جميع المفروضات الخمس في هيئة الأداء؛ بحيث لا يوجد فيها محل للقنوت (الركعة الأخيرة بعد الركوع).
2- أنها لطارئ خاص، وهو الدعاء للميت، فكان في الدعاء لغير ذلك الطارئ التفاتاً عن غرض هذه الصلاة، ولعل مثلها في ذلك صلاة الكسوف والاستسقاء.
3- أنها مبنية على التخفيف، فينبغي سد ما يفضي إلى ما ينقض ما بُنِيَت عليه.

وأما العيدان.. فقد رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، كما في الأوسط، قَالَ: الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ، وَالْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَكُلِّ صَلَاةٍ يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ.
وكلام الشافعي أن ذلك يمكن أن يكون في العيد والاستسقاء.
(قال الشافعي - رحمه الله تعالى -) : "والركوع والسجود والتشهد في صلاة العيدين كهو في سائر الصلوات لا يختلف، ولا قنوت في صلاة العيدين ولا الاستسقاء، وإن قنت عند نازلة لم أكره. وإن قنت عند غير نازلة كرهت له".

وفي حاشية البجيرمي على الخطيب: قَوْلُهُ: (اُسْتُحِبَّ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ) وَيَجْهَرُ بِهِ الْإِمَامُ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَالسِّرِّيَّةِ وَالْمُؤَدَّاةِ وَالْمَقْضِيَّةِ، وَيُسِرُّ بِهِ الْمُنْفَرِدُ مُطْلَقًا كَقُنُوتِ الصُّبْحِ. وَخَرَجَ بِالْمَكْتُوبَةِ النَّفَلُ وَالنَّذْرُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَلَا يُسَنُّ الْقُنُوتُ لِلنَّازِلَةِ فِيهَا اهـ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.أهـ
وفي حاشية قليوبي: وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْقُنُوتَ لِلنَّازِلَةِ فِي نَحْوِ الْعِيدِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَفِي الرَّوَاتِبِ مَكْرُوهٌ. أهـ

اعتراض: الجمعة صلاة مستقلة وليست ظهر يومها، والعبادات توقيفية فلا يقاس عليها إلا إذا عقل المعنى.
أقول: استقلالها المذكور ليس مؤثراً ولا مانعاً من اشتراكها مع المكتوبات في الهيئات، وقياس غلبة الأشباه قاضٍ بأنها تلحق المكتوبات في الهيئات، وذهب جماعة من العلماء إلى أن الأصل استواء الظهر والجمعة إلا ما دل الدليل على الخلاف فيه، وكلام الشافعي قريباً ظاهر جداً في أن الأصل هو الاشتراك في هيئات الصلاة من ركوع وسجود وتشهد وغيرها. وكثير من أقيسة الفقهاء من السلف فمن بعدهم في باب العبادات إنما هي من باب غلبة الأشباه.

كما أن قياس المعنى ممكنٌ هنا أيضاً، وذلك بالقول: إن العلة في تخصيص القنوت بالمكتوبات بما فيها الجمعة هي كونها "مظنة إجابة الدعاء أكثر من غيرها" وذلك لاختصاصها بأمور: منها أنها أشرف الصلوات وأعظمها أجراً، وأنها تصلى جماعة في العادة؛ وللاجتماع فضل في الدعاء خاصة؛ ويشهد لذلك اجتماعهم للدعاء للاستسقاء (وهو لنازلةٍ أيضاً). والجمعة من هذا الوجه أدعى لاستحباب قنوت النازلة فيها وذلك لكثرة أعداد المجتمعين فيها مقارنة بباقي الصلوات، ويقوي هذا ما كان من مواظبة على قنوت النازلة في الصبح أكثر من غيرها لهذا المعنى -الاتصال بساعة الإجابة- وغيره، وانظر كلام ابن القيم في "الهدي" ج1 ص264.

ويصح على طريقة كثير من الفقهاء أن يقال: ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- الدعاء للنازلة في خطبة الجمعة، وخطبة الجمعة عِوَضٌ عن قصر الظهر إلى اثنتين في الجمعة كما ورد عن بعض السلف. وهو شاهد لجنس العلة التي ذكرنا في قياس المعنى ودليل على تأثيرها وتصحيحها.

والقنوت للنازلة من جنس الصلاة للآيات المخوفة، كالزلازل والصواعق والأوبئة العامة.
وقد كان النبي –صلى الله عليه وسلم- إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

وقد ذهب جماعة من الصحابة ومن أهل العلم بعدهم إلى أن الصلاة تشرع لكل آية نازلة، وهو قياس صحيح، ومنهم ابن عباس رضي الله عنهما؛ فقد صح عنه: أنه صلى في زلزلة بالبصرة كصلاة الكسوف ، ثم قال : هكذا صلاة الآيات. رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق والبيهقي في "السنن الكبرى" وقال: " هو عن ابن عباس ثابت ". وصححه الحافظ ابن حجر.


وممن ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث يقول: "إذ ما من سبب يقدر إلا وله مانع إرادي أو طبيعي أو غير ذلك كالدعاء والصدقة والأعمال الصالحة فإنها من أعظم الأسباب في دفع البلاء النازل من السماء ولهذا أمرنا بذلك عند الكسوف وغيره من الآيات السماوية التي تكون سببا للعذاب".
وقال في الفتاوى الكبرى: "وتصلى صلاة الكسوف لكل آية كالزلزلة وغيرها ، وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد ، وقول محققي أصحابنا وغيرهم" .
وقال في منهاج السنة: "ولهذا كانت الصلوات مشروعة عند الآيات عموماً، مثل تناثر الكواكب والزلزلة وغير ذلك، والتخويف إنما يكون بما هو سبب للشر المخوف، كالزلزلة والريح العاصف. وإلا فما وجوده كعدمه لا يحصل به تخويف".

وقال الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع": "تستحب الصلاة في كل فزع: كالريح الشديدة، والزلزلة، والظلمة، والمطر الدائم؛ لكونها من الأفزاع، والأهوال...".
وفي "منح الجليل شرح مختصر خليل" : " وتندب الصلاة للزلزلة ونحوها من الآيات المخوفة كالوباء والطاعون أفذاذاً وجماعة ركعتين أو أكثر ".

فإن قيل: اختلفت هيئات الجمعة عن المكتوبات في مسائل منها:
1- أنها نهارية يُجهَر فيها بالقراءة، وهذا خلاف ما عليه المكتوبات النهارية.
2- أنها تقع بعد خطبة، وليس شيء من المكتوبات الخمس كذلك.
3- أن لها شروطاً وأحكاماً تخصها.

والأصل استقلال كل صلاة بهيئاتها، ومما يدل على تقوية هذا: إعراض الصحابة عن التصريح في المسألة بنص صريح، مع عدم وجود المرفوع الصريح، وهذا بمثابة النطق الصريح النافي للمشروعية والذي يضعف الاستدلال بالعموم أو القياس، بل إن نص الشافعي الذي ذكرتموه يوحي بعدم وجود مرفوع ثابت عنده في المسألة. والله أعلم.

فالجواب: إن عدم التنصيص إنما كان لظهور الأمر فيها وعدم وجود الفارق المؤثر
- فحديث أنس ظاهره شمول الجمعة

- وحديث ابن عباس غير ظاهر في شمول الجمعة ظهور حديث أنس ولكنه ساكت عنها غير نافٍ لها، وعدم ذكر الجمعة في الراوية لا يعني عدم القنوت بها في واقع الأمر
- وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ، قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَرُبَّمَا قَالَ: " إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ " يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلاَتِهِ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ: «اللَّهُمَّ العَنْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا، لِأَحْيَاءٍ مِنَ العَرَبِ» حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ}. ظاهر فيما نقول، وهو في صحيح الإمام البخاري.

- ويعضد ما قررناه عموم ما رواه الطبراني في "الأوسط" والدارقطني والبيهقي عن البراء قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها. قال الطبراني: لم يروه عن مطرِّف إلا محمد بن أنس، وقال البيهقي: وَمُحَمَّدٌ هَذَا هُوَ ابْنُ أَنَسٍ أَبُو أَنَسٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَمُطَرِّفٌ هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ. قال ابن القيم في "الهدي": "وهذا الإسناد وإن كان لا تقوم به حجة، فالحديث صحيح من جهة المعنى لأن القنوت هو الدعاء، ومعلوم أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يصل صلاة مكتوبة إلا دعا فيها"، قلت: وقد يكون المراد فيه القنوت المعروف، ولسنا نحتج به لضعفه وإنما نستأنس به كما استأنس به ابن القيم على المعنى الذي ساقه لتقريره.

وإذا كان المخالف يستدل بحديث ابن عباس على نفي القنوت في الجمعة فهذا منه استمساك بمفهوم لقبٍ ضعيف لا يصح الاستمساك به.

قال المخالف: هيئات الصلاة على ضربين:

الأول: هيئة في الحقيقة الشرعية للصلاة أو لبعض أجزائها = لا تفتقر في إثباتها لدليل خاص.
الثاني: هيئة زائدة عن الحقيقة الشرعية لها = وهي على ضربين:
أولهما: ما ثبت بدليل عام يعم بلفظه كل الصلوات .. كلفظ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" = يعم كل صلاة، ويشمل صلاة العيد. ويطالب من يخرجها منه بالدليل.
ثانيهما: ما ثبت بدليل لا يعم.. كالفعل النبوي = وله صورتان:
أولاهما: أن تعرف العلة أو يثبت انتفاء الفارق المؤثر بينها وبين صلاة أخرى= هنا لا إشكال في إعمال القياس، كثبوت سجود السهو بمعرفة العلة بمسلك الإيماء والتنبيه "سها فسجد" فيقاس بجامع العلة.
والأخرى: أن لا يتفق على العلة، أو ينازع في انتفاء الفارق. ومسألتنا من هذا النوع

قلت: غلبة الأشباه وقياس المعنى أقوى في الباب، وإليك ما جاء في " قيام الليل " (133) لابن نصر: " وسئل أحمد رحمه الله عن القنوت فى الوتر قبل الركوع أو بعده؟ وهل ترفع الأيدى فى الدعاء فى الوتر؟ فقال: القنوت بعد الركوع ويرفع يديه , وذلك على قياس فعل النبي صلى الله عليه وسلم فى الغداة "، فهو كما ترى يستدل بما ورد في قنوت النازلة على ما في قنوت الوتر. مما يؤيد أن الفقهاء يُجْرُون هذا الاشتراك ويطردون القياس في الباب. والله تعالى أعلم

ثم لا نسلم بأن القنوت زائد على الحقيقة الشرعية بل هو من جنس الصلاة؛قال في مطالب أولي النهى: "وَإِنْ قَنَتَ فِي النَّازِلَةِ كُلُّ إمَامِ جَمَاعَةٍ، أَوْ كُلُّ مُصَلٍّ؛ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ".

بل ولا نسلم بأن مسألتنا من النوع الأخير؛ إذ جاء فيها ما يدل على إرادة العموم. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبيه الأكرم.

أبوبكر بن سالم باجنيد
منقول