مذهب الشافعية في الزواج من القرابة القريبة


ذهب السادة الشافعية إلى أنه يستحب في المرأة التي يُراد خطبتها ألا تكون من قرابة قريبة [1] ؛ وذلك لسببين :

الأول : ِضَعْفِ الشَّهْوَةِ في الْقَرِيبَةِ فَيَجِيءُ الْوَلَدُ نَحِيفًا ؛ فإن الشهوة إنما تنبعث بقوة الإحساس بالنظر واللمس ، وإنما يقوى الإحساس بالأمر الغريب الجديد ، فأما المعهود الذي دام النظر إليه مدة فإنه يضعف الحس عن تمام إدراكه والتأثر به ، ولا تنبعث به الشهوة [2]. غير أنه يجيء كريما على طبع قومه .[3]
الثاني : أن من مَقَاصِدِ النِّكَاحِ اشْتِبَاكُ الْقَبَائِلِ لِأَجْلِ التَّعَاضُدِ وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ وهو مَفْقُودٌ في نِكَاحِ الْقَرِيبَةِ [4] .بل يستحب أن تكون أجنبية أو ذات قرابة بعيدة وهي أولى من الآجنبية [5] .والدليل على ذلك:

قوله صلى الله عليه وسلم : " لَا تَنْكِحُوا الْقَرَابَةَ الْقَرِيبَةَ فإن الْوَلَدَ يخلق ضَاوِيًا " [6] أي نحيفا ونحافة الولد ناشئة غالبا عن الاستحياء من القرابة القريبة [7].
ولا يُعترض على ذلك - بتزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش مع أنها بنت عمته ؛ لأنه تزوجها بيانا للجواز ولمصلحة حل نكاح زوجة المتبنى ، ولا بتزوج علي رضي الله عنه فاطمة رضي الله تعالى عنها ؛ لأنها بعيدة في الجملة إذ هي بنت ابن عمه ، وأيضا بيانا للجواز ونكاحها أولى من الأجنبية ؛ لانتفاء ذلك المعنى مع حنو الرحم [8].

أقول : زواج الأقارب لم يرد به نهي صريح في الإسلام، ولا حث عليه، فهو متروك لاختيار الناس ما هو أنسب لهم، ولعل هذا النهج يؤكد ما توصل إليه الطب الحديث في هذا الموضوع، وهو أن زواج الأقارب ليس ضارا على الإطلاق ، فقد يكون نافعا إذا كان بالأسرة عوامل وراثية مرغوبة ليست في غيرها من الأسر مثل صفات الجمال والذكاء والقوة .. أو طول العمر وغيرها ، حينئذ يكون زواج الأقارب أفضل من زواج الأباعد، شريطة ألا يستمر الزواج بين الأقارب جيلا حتى لا تتحول الأسر إلى مجتمعات صغيرة مغلقة، وهو ماثبت وراثيا أنه مضر . فالقول بأن زواج الأقارب كله ضرر ، مع كون الإسلام أباحه ، كلام تعوزه الصحة العلمية.

ولذا قال بعض العلماء : في القرابة صفات قد لا توجد في الأباعد ، وفي الأباعد صفات قد لا توجد في الأقارب، وقال العرب قديما: إن الغرائب أنجب وبنات العم أصبر [10].
ومما يدل على جواز الزواج من الأقارب أن الله تعالى زوج رسوله صلى الله عليه وسلم ابنة عمته زينب بنت جحش، بل لم يزوج الله نبيه إحدى النساء غيرها ، وهي قريبته.
وجاء النص القرآني يبيح هذا ، فقال تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) . [11] فأباح الله تعالى له الزواج من بنات العم والعمة ، والخال والخالة ، وهي من أدنى الدرجات قربا ، فعُرفت الإباحة .
وإنما يتغير الحكم من الإباحة إلى الكراهة أو إلى ما هو أشد منها، إن كان هناك سبب يحول الإباحة إلى غيرها ، من ثبوت الضرر الصحي ، أو التفكك الأسري، أو عدم الاستقرار الاجتماعي بين أسر الأقارب والأرحام.

يقول الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى : " وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ " الآية هذا عدل وسط بين الإفراط والتفريط فإن النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعدا ، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته ، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى ، فأباح بنت العم والعمة وبنت الخال والخالة وتحريم ما فرطت فيه اليهود من إباحة بنت الأخ والأخت وهذا شنيع فظيع وإنما قال : " وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ ".[12] وعلى كل ، فالزواج من الأقارب مباح في الأصل ، على أن تراعى الظروف الاجتماعية والصحية ، في كل حالة من الحالات دون القياس على أخرى ، مع ندب القيام بالكشف الطبي وفحوص الزواج قبل إتمامه .والله تعالى أعلى وأعلم .

هوامش :

[1] - والمراد بالقريبة من هي في أول درجات الخؤولة والعمومة مثل بنت الخال وبنت العم - نهاية المحتاج ج 6ص 184.
[2] - إحياء علوم الدين ج 2 ص 41.
[3] - مغني المحتاج ج 3 ص 127.
[4] - أسنى المطالب في شرح روض الطالب ج 3 ص 108.
[5] - السراج الوهاج ج 1 ص 360 .
[6] - تلخيص الحبير ج 3 ص 146 قال ابن الصلاح : ولم أجد لهذا الحديث أصلا معتمدا ، وقال السبكي : فينبغي أن لا يثبت هذا الحكم لعدم الدليل – مغني المحتاج ج 3، ص 127 .
[7] - نهاية المحتاج ج 6 ص 184.
[8] - مغني المحتاج ج 3 ص 127 ، نهاية المحتاج ج 6 ص 184.
[10] - الكافي في فقه ابن حنبل ج 3 ص 36
[11] - سورة الأحزاب الأية 50
[12] - تفسير ابن كثير ج3 ص 500 .
منقول