مدينة"وادان" الشنقيطية :علم وتمروتكافل يضرب به المثل



نواكشوط- موريتانيد: احتضنت مدينة "وادان" الموريتانية الأثرية مؤخرا النسخة الثانية من "مهرجان المدن القديمة"بعد أن قررت الحكومة الموريتانية تنظيم تظاهرة ثقافية سنوية خاصة بقصد إعادة الاعتبار لأربع مدن قديمة مصنفة من قبل منظمة اليونيسكوكتراث عالمي وهي: شنقيط، وادان ، تيشيت، ولاته، على أن يتم تنظيم هذا المهرجان بشكل دوري بين هذه المدن تزامنا مع ذكرى المولد النبوي الشريف كل عام، وقد احتضنت مدينة شنقيط العام الماضي النسخة الأولى للمهرجان، وحظيت نسخة "وادان" - التي استمرت سبعة أيام خلال فبراير باهتمام شعبي ورسمي كبير وحضرها العديد من المثقفين والأكاديميين والإعلاميين، وافتتحها الرئيس الموريتاني رفقة بعض وزرائه، بحضور ممثل عن دولة قطر وسعادة سفيرها في موريتانيا، وعدد من السفراء المعتمدين بنواكشوط.

شكلت تظاهرة " وادان"الثقافية فرصة لنفض الغبار عن كنوز من التاريخ والتراث العربي الإسلامي ظلت ترزح لقرون تحت وطأة النسيان وقهر الطبيعة وذلك من اجل إبراز جوانب مهمة من الأدوار الثقافية والاقتصادية التي لعبتها هذه المدينة خلال القرون الماضية. واستمتع المشاركون طيلة أيام المهرجان بعروض عن شتى مناحي الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية لهذه المدن والأدوار التي لعبتها في تاريخ البلاد وإشعاعها الثقافي بوجه خاص.

وشملت نشاطات المهرجان جوانب عديدة، كالمحاضرات الفكرية، ومعارض الصناعات التقليدية، وجلسات الشعر الشعبي، ومسابقات الفروسية والنسيج اليدوي، وعرض الحكايات القديمة، وعروض اللباس التقليدي والعادات والتقاليد الخاصة بالأفراح الشعبية. وتناول عدد من الباحثين والمؤرخين الموريتانيين والأجانب في مداخلاتهم تاريخ وثقافة مدينة "وادان" مستعرضين الماضي الأدبي والثقافي للمدينة والتحولات التي شهدتها علميا واجتماعيا عبر العصور.

واستغلت السلطات الموريتانية فرصة المهرجان لتحريك السياحة الداخلية والخارجية في شمال البلاد والتي سادها ركود منذ سنوات بسبب التهديدات الأمنية لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، حيث استدعت الحكومة المئات من السياح الأجانب والمحليين لحضور فعاليات المهرجان والاستمتاع بقضاء عطلة الشتاء في رحاب الواحات الصحراوية.

قصة التأسيس.. والأدوار الاقتصادية والثقافية

"الراية" واكبت أنشطة مهرجان المدن القديمة في نسخته الثانية بـ"وادان"، والتقت في هذا السياق بالأستاذ محمد الأمين ولد كتاب رئيس مجلس الإدارة في الهيئة الوطنية لحماية المدن القديمة، والذي هوأحد أبناء مدينة ودان، ويوجد بها منزل لأحد أجداده يقع بشارع الأربعين عالما، حيث تحدث عن تاريخ المدينة..، وعبر عن سعادته بالفرصة التي أتاحها هذا المهرجان للصحافة للوصول على هذه المدينة والاطلاع على ما تتميز به من في مجال الثقافة والتراث، وقال ولد كتّاب إن "مدينة "وادان" من أقدم المدن الموريتانية التي عُرفت عبر التاريخ وقد تم تأسيسها سنة 1142 ميلادية من طرف ثلاثة رجال قدموا من مدينة "أغمات" وكانوا تلامذة للقاضي عياض السبتي وجاءوا إثر الصدامات التي وقعت بين الملوك الموحدين والمرابطين في المغرب الأقصى، وهم الحاج عثمان والحاج علي والحاج يعقوب ووصل معهم الشريف عبد المؤمن الذي أسس فيما بعد مدينة تيشيت التاريخية، وقد تكونت ساكنة مدينة "وادان" أساسا من ذرية هؤلاء الحجاج الثلاثة مع أن مجموعات أخرى من قبائل موريتانية متعددة قطنت المدينة بعد تأسيسها.

وحول دور "وادان" الاقتصادي أكد ولد كتّاب أن المدينة "كان لهادور اقتصادي مهم وشكلت ميناء صحراويا وبؤرة تلاق بين القوافل القادمة من الشمال الإفريقي، وتلك القادمة من منطقة الساحل فكانت مركز تبادل تجاري وذاع صيتها مما أثار اهتمام الأوروبيين فقدم إليها البرتغاليون سنة1484 وأسسوا مركزا تجاريا على بعد عدة كيلومترات منها ومكثوا سبع سنوات، وقد ساهم في تأكيد هذا الدور الاقتصادي ما كانت تتميز به من إشعاع ثقافي نظرا لتواجد العديد من جهابذة العلماء والفقهاء بها، وإقبال طلاب العلم عليهامن كل حدب وصوب. إضافة لذلك سمح موقع "وادان" بأن تكون مركزا لتلاقي وتمازج مختلف الأعراق من عرب وبربر وزنوج وكان لذلك تأثيره في ساكنيها وثقافتها".

أسباب تراجع "وادان"

وأشار ولد كتّاب إلى أن مدينة "وادان" "شهدت بعد ذلك تقهقرا لأن التجارة تحولت إلي المناطق الجنوبية والسواحل الأطلسية ولم تعد القوافل تمر عليها بنفس الكثافة، ثم جاء الاستعمار ، فتراجعت " المحاضر" وتفرق عنها بعض علمائها وهاجروا إلي أماكن أخرى كما هجرها العديد من سكانها وبعضهم استقرخارج موريتانيا في السنغال وفي مدينة تومبكتوبأرض مالي، وقد لعب الكثير منهم أدوارا ثقافية بارزة هناك، ثم جاءت "نكبة" الاستعمار الفرنسي فقطع المدينة عن جذورها لأنها كانت على تواصل وتماس مع الشمال الإفريقي ومع المغرب والجزائر بالذات، ثم أجهزت عليها جائحة الجفاف الذي ضرب البلاد في الستينات والسبعينات من القرن الماضي وقضت على الأخضر واليابس، فاضطر الكثير من سكان "وادان" للنزوح نحومدن موريتانية أخرى، لكن البعض من هؤلاء السكان مازالوا يتشبثون بالبقاء فيها، وقد بدأت مؤخرا تستعيد شيئا من عافيتها ونأمل أن يستمر ذلك وأن يعود إليها سكانها وأن يقيموا فيها منشآت اقتصادية تجذب الناس للبقاء فيها".

سور "وادان"

وعن قصة بناء سور "وادان" يقول محمد الأمين ولد كتّاب إن "مدينة ودان تميزت بأنها أول مدينة مُسوّرة في موريتانيا، وكان لها سور بأربعب وابات رئيسية كان يحميها من أي هجوم مباغت"،مضيفا أن"ابن غانية وهوأحد القادة الصنهاجيين المرابطين عندما طرد من المغرب جاء إلى مدينة آبّيْــرْ التي سبقت شنقيط وانتقل منها إلى مدينة "وادان" بجيشه واستوطنها وقيل إن ابن غانية هذا هوأول من بني هذا السور، وهوأمر مبرر لأنه كان مطاردا من طرف الموحدين وكان في حالة حرب معهم فقام ببناء هذا السور الذي استمرأه الوادانيون واكتشفوا أهميته الاستراتيجية واستمروا في الحفاظ عليه"،وتوضح الخرائط الأثرية للسور أنه كان على شكل دائرة تمتد من أعلى الجبل غربًا لتنتهي عند سفحه شرقًا. وبُنِيَ دائريًّا ليضم عيون المياه التي تقع على بعد مسافة نصف كيلومتر شمال المدينة.

يبلغ سمك حائط السور مترًا ونصف المتر، ويبلغ ارتفاعه أربعة أمتار في الأماكن البعيدة عن البوابات، بينما يبلغ ارتفاع السور وسمكه عند البوابات ضعف ذلك، واستخدمت في بنائه الحجارة والطين ومواد أخرى استقدمت من فاس والقيروان.

ولهذا السور أربع بوابات، تتوزع على الجهات الأربع أضخمها البوابة الشرقية وتسمى "فم المبروك". كان لتلك البوابات حرس خاص يعملون طوال اليوم ولهم زي خاص يميزهم، ويتم تدريبهم وانتقاؤهم من بين الأقوياء، ويوجد على رأس كل فرقة عريف من أبناء أعيان المدينة، وكان لكل باب طبل خاص، يقرع عددًا معينًا من المرات، إيذانًا بفتحه أوإغلاقه.
كانت بوابة "فم المبروك" تمثل مدخلاً رئيسيًّا للقوافل القادمة من المشرق من مصر والحجاز وتونس والسودان والشام وكذلك من الجنوب الشرقي من مالي. تقابل هذه البوابة بوابة أخرى من جهة الغرب، وهي أصغر حجمًا، وتدعى "فم القصبة"، وخصصت هذه البوابة للقوافل القادمة من الجنوب ومنطقة نهر السنغال، وتُدْعى تلك القوافل "القارب". هذا في الوقت الذي تمثل البوابتان الجنوبية والشمالية طريقدخول وخروج للمواشي وأصحاب المهام من سكان المدينة. وقد قدمت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرا مساعدة لموريتانيا تمثلت في تمويل بمبلغ 18 مليون من العملة المحلية "الأوقية" لترميم سور "وادان" ودشنت أشاغله السفيرة الأمريكية بنواكشوط، ضمن فعاليات هذا المهرجان.

طالبة أمريكية.. في "وادان"تبحث حول التراث العربي الإسلامي

والتقت الراية بمدينة "وادان" خلال أيام المهرجان بالباحثة الأمريكية Erin Pettigrew" التي تحضر بحث تخرجها حول المخطوطات الخاصة بالرقيا في موريتانيا ، وهي تقيم في مدينة شنقيط التاريخية في موريتانيا منذ سنوات، وتعكف على إعداد بحوث في مجال التراث العربي الإسلامي، وقالت الباحثة إنها تعلمت اللغة العربية بمصر والمغرب قبل أن يستقر بها المقام في موريتانيا، مشيدة ب تنظيم المهرجان وتسامح الموريتانيين وكرمهم رغم ما يعانونه من مصاعب اقتصادية، ورغم التهديدات الأمنية في المنطقة، وقالت إنها استغلت فرصة إقامة النسخة الثانية من مهرجان المدن القديمة بمدينة "وادان" لتزور المدينة خصيصا للقاء الباحثين والمهتمين بالتراث ولاستفادة منهم في بحوثها حول عدة مواضيع من بينها ظاهرة التصوف والرقيا في موريتانيا".


أول مئذنة... وأول خطبة جمعة

من جانبه قال الكاتب والناشط محمد الأمين ولد الفاضل، لـالرايةإن "وادان"تتميز بعدة أشياء منها أن أول منارة رفع منها الأذان في المنطقة المعروفة حاليا بموريتانيا كانت بهذه المدينة، وكان أول مسجد بالمدينة أسس سنة 1412، ويقال إن أول خطبة جمعة في موريتانيا كانت بهذه المدينة، كما تتميز "وادان" عن غيرها من المدن الموريتانية بتصاميمها المعمارية الخاصة"، وتمنى ولد الفاظل أن "يساعد هذا الاهتمام الرسمي بالمدينة على تطويرها من جديد مطالبا بأن لا يكون التطور العصري للمدينة علي حساب خصوصيتها التقليدية والتراثية". واستغرب ولد الفاضل "غياب دعم الجانب العربي والإسلامي وعدم اهتمام المستكشفين والباحثين العرب بهذه المدينة والمدن القديمة في موريتانيا، وقال إن من أسباب ضياع الكثير من المخطوطات بالمدينة إهمال الكثير من السكان لها وجهلهم بقيمتها الثقافية ربما كما أن هناك مسؤولية تقع علي الجانب الرسمي الموريتاني والجانب العربي والإسلامي بشكل عام في المحافظة علي هذا التراث بوصفه تراثا عربيا وإسلاميا وإنسانيا".

"وادان"... علم.. وتمر، وتكافل يضرب به المثل.

تقع مدينة "وادان" على بعد حوالي 750 كلم من العاصمة الموريتانية نواكشوط، و170 كلم شرق مدينة "أطار" عاصمة ولاية آدرار ، وتبعد 80 كلم من مدينة شنقيط التاريخية التي عُرفت البلاد ـ قبل الاستعمار الفرنسي ـ باسمها ، وتنقسم "وادان" إلى قسمين: حديث مأهول بالسكان وتقع به المباني الإدارية، وقسم تاريخي يسمى المدينة القديمة والتي يعود تأسيسها إلى القرن السادس الهجري( 536هـ 1142م) .

ويعتبر القرن الثامن عشر، والعقود الثلاثة الأولى من القرن التاسع عشر، فترة ازدهار المدينة، نظرا لموقعها المتميز في قلب الصحراء، والأمن والاستقرار اللذان وفّرهما سور "وادان" في وقت شهدت التجارة عبر الصحراء ازدهارًا كبيرا، فكانت القوافل تجوب الصحراء حاملة الملح والدقيق والحبوب، متجهة نحوالمشرق، ثم قادمة منه، وازدهرت "وادان" ليس كسوق اقتصادية ومحطة تجارية هامة فقط، وإنما كمركز إشعاع حضاري ، فلمع اسمها كنظير ومشارك قوي لمدن أخرى كانت تحمل راية المعرفة والثقافة في شمال إفريقيا كشنقيط وفاس والقيروان كما يقول باحثون موريتانيون. وقد عُرف أحد شوارعمدينة "وادان" باسم "شارع الأربعين عالما" لكثرة العلماء الذين يسكنون به، كما اشتهرت "وادان" باحتضانها أقدم المؤلفات المعروفة في المنطقة " مواهب الجليل"، ويرجع الكثير من الأسانيد العلمية في البلاد لبعض مشاهير فقهائها من أمثال أحمد بن أيد القاسم والحاج أحمد مسك، ويوجد الآن بقلب مدينة "وادان" ضريح الطالب أحمد ولد اطوير الجنة المدفون بمنزله في المدينة، وهوأحد علماء موريتانيا البارزين.

وتروي كتب ومخطوطات موريتانيا والمغرب حكايات كثيرة عن كرم وأصالة أهل "وادان" ونبلهم، فهم أهل الخير والعلم،حيث ينسب للعلامة سيدي عبدالله الحاج إبراهيم العلوي، إن كلمة "وادان" هي تحريف لتثنية كلمة وادٍِ، والواديان المعنيَّان هما "واد من علم، وواد من تمر".كما اشتهر أهل "وادان"بأنهم كان يفتحون في كل حي دارًا للضيافة يتناوبون على رعاية نزلائها. أما التكافل الاجتماعي فقد أصبحوا فيه مضرب المثل،إذ "يكفي أحدهم لكي يبني دارا أن يفكر فيها" ليشاركه الجميع في مجهوده حتى يتم تشييدها، كما تقول الحكايات الشعبية.

المصدر: الراية القطرية