س: ما هي صيغ التعزية؟

جـ: إذا ذهب الرجل ليُعَزِّي أخاه فيستحب له أن يعزيه بما ثبت عن النبي r من صيغ التعزية إن كان يعلمها، وإن لم يعلمها أو لا يستحضرها فليُعَزِّهِ بما تيسر له من الكلام الحسن الذي يخفف عنه الآلام ولا يخالف الشرع.
• صـيـغ الـتـعزيــة:
1 – "إن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكُلّ شيء عنده إلى أجلٍ مسمى، فلتصبر ولتحتسب"
أخرج البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد قال:
"أرسلتْ إلى رسول الله r بعض بناته أن صبياً لها قد احتضر فأشهدنا
– وفي رواية: أميمة بنت زينب ـ فأرسل إليها يقرأ السلام، ويقول: "إنّ لله ما أخذ ولله ما أعطى وكُلّ شيء عنده إلى أجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب" فأرسلت تقسم عليه ليَأتِيَّنَهَا، فقام وقمنا، فَرُفِعَ الصبي إلى حجر رسول الله r ونَفْسُه تُقَعْقِعْ – كأنها في شنةٍ – وفي القوم سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت ورجال، ففاضت عينا رسول الله r، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله وقد نهيت عن البكاء؟ قال: إنما هذه رحمةٌ يضعها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء".
قال النووي – رحمه الله – كما في الأذكار صـ 149:
هذا الحديث أحسن ما يعزى به، ومعنى التعزية

ـ "إن لله ما أخذ: أي أن العالم كله ملك لله تعالى، فلم يأخذ ما هو لكم، بل أخذ ما هو له عندكم من معنى العارية.

ـ "وله ما أعطى: أن ما وهبه لكم ليس خارجاً عن ملكه، بل هو له سبحانه يفعل فيه ما يشاء.
ـ "وكل شيء عنده إلى أجل مسمى: فلا تجزعوا، فإن من قبضه الله تعالى فقد انقضى أجله المسمى، فمحال تأخيره أو تقديمه، فإذا علمتم ذلك فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم.

كما قال تعالى: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }(الأعراف:34 )،(النحل:61)


2 – ومن صيغ التعزية كذلك:
قوله صلى الله عليه و سلم حينما دخل على أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ عقب موت أبي سلمة:
"اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلُفْه في عَقبِهِ في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره ونَوِّر له فيه".
(رواه مسلم)
3 - ومن صيغ التعزية كذلك:

قوله صلى الله عليه و سلم في تعزيته عبد الله بن جعفر في أبيه:
"اللهم اخلف جعفراً في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه – قالها ثلاث مرات –"
(رواه أحمد في مسنده)

4- و قوله صلى الله عليه و سلم للمرأة التي رآها تبكي على القبر فقال لها:
"اتقي الله واصبري".

5 ـ وإن لم يعلم هذه الصيغ المأثورة عن النبي r أو لم يستحضرها، فليقل مثلاً:
- "البقاء لله"، أو "اصبر واحتسب"، أو "نسأل الله أن يأجرك"، أو "أحْسَنَ الله عزاءك"،
- أو "عظَّم الله أجرك".

- أو "شد حيلك": والحيلة: الحول أي:القوة، ومعنى: "شد حيلك" أي: قَوِّي عزمك أو تَصَبَّر
أو تجَلَّد.

• وهذه كلمات تخفِّف عن المصاب ألم الفراق عند فقد الأحباب
• روى البيهقي والحاكم في مناقب الإمام الشافعي – رحمه الله –:
أن عبد الرحمن بن مهدي مات له ابن، فجزع عليه جزعاً شديداً، فبعث إليه الشافعي يقول له:
( يا أخي عزِّ نفسك بما تعزي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من غيرك، واعلم أن أعظم المصائب فَقْد سرور وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر؟ ألهمك الله عند المصائب صبراً، وأحرز لنا ولك بالصبر أجراً.
ثم أنشد قائلاً:
إني معزيك لا إني على ثقة من الحيـاة ولكن سنة الديـن
فلا المعزي ببـاقٍ بعد ميته ولا المُعزى ولو عاشا إلى حين
ويشاء الله  فيموت بعدها ابن للشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ
الذي كان يُعزِّي أصبح يُعزَّى، جاءوا يعزونه، فأنشد قائلاً:
وما الدهر إلا هكذا فاصطبر له رزية مال أو فراق حبيب

• ولما توفيت ياقوتة بنت المهدي جزع عليها جزعاً لم يسمع بمثله
فجلس وجاء الناس يعزونه فأمر ألا يحجب منه أحد، فأكثر الناس في التعازي واجتهدوا في البلاغة والفصـاحة لكونه الخليفة، ثم أجمعوا بعد ذلك أنهم لم يروا تعزية أبلغ ولا أوجز من تعزية ابن شبة
- رحمه الله – يوم قال: أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجراً، وأعقبك خيراً، ولا أجهد بلاءك بنقمة، ولا نزع منك نعمة، ثواب الله خير لك منها، ورحمة الله خير لها منك، أسأل الله ألا يحزنك ولا يفتنك، فكان مما سرى على أمير المؤمنين مثل هذه التعزية.

• ومن ذلك أن أحدهم أصيب بمصيبة فجزع فجاء أخ له فقال:
عظم الله أجرك، وأحسن الله عزاءك
ثم أنشد:
أخي ما بال قلبك ليس ينقي كأنَّك لا تظن الموت حقا؟
ألا يا بن الذين مضوا وبادوا أما والله ما ذهبوا لتبقى
فكشف ما به

• ومن ألطف وأقوى ما سمعت تعزية من غير كلام رسول البرية  وسلف الأمة
– رضوان الله عليهم- ما قاله ابن سناء الملك وقد مات لأحد أقاربه ميت، فجزع عليه جزعاً شديداً فكان مما قاله ابن سناء: إنا لله، إلى متى هذا الجزع الصبياني والهلع النسواني؟ إلى متى هذا الحزن الذي لا يحيي دفينك بل يميت دينك ويسلب هدوءك ويشمت فيك عدوك، أما على هذا مضى الزمان؟ وعلى هذا درج الثقلان، وللخراب بني العمران، وللانتقال سكن السكان، وللموت ولد المولود، وللعدم خلق الوجود، أتحب أن تبقي ويبقى من تحب؟ فذا خلود.

• وكتب محمد بن السماك إلى هارون الرشيد يعزيه بولد له فقال:
أما بعد...، فإن استطعت أن يكون شكرك لله  حيث قبضه كشكرك له حيث وهبه لك، فافعل، فإنه حيث قبضه أحرز لك هيبته، ولو بقي لم نسلم من فتنته أرأيت جزعك على ذهابه، وتلهفك على فراقه، أرضيت الدار لنفسك فترضاها لابنك؟ أما هو فقد خلص من الكدر وبقيت متعلقاً بالحظر والسلام. ( شعب الإيمان للبيهقي 7/247)

• وكتب ابن السماك أيضاً إلى رجل يعزيه فقال له:
إن من تمام الشكر على العافية، والصبر على الرزية، ومن قدَّم وجد، ومن أخّر فقد.

• وأنشد بعضهم يقول:
وما يغني التأوه إذ تولى وهـل مـا فـات مرتجع
فإقراراً وتسليماً وصبراً على ما كان من قدر الإله

• قال يحيي بن معاذ- رحمه الله -:
ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت ؟ ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟

• وعَزَّى إسماعيل بن هارون رجلاً في ابنه فقال:
والله لمصيبة في غيرك لك أجرها، خير من مصيبةٍ فيك لغيرك ثوابها.


• ومات لأبي الأحوص ( سلام بن سليم الحنفي) ابن صغير
فأتاه سفيان الثوري، وزائدة ( ابن قدامة) يعزيانه، فقال له سفيان بعدما عزَّاه:
إن الله سبحانه أنعم عليك به – يعني الولد- إن وهبه ما شاء أن يهب، ثم أنعم عليك أن قبضه إليه، فكان مدخوراً لك عنده فلا تعد نعمته عليك مصيبة، فكأنك قد لحقت به فسرك تقدمه إياك.

• وقال محمد بن كُنَاسة:
كتب رجل إلى أخيه يعزيه بابنه فقال: أمَّا بعد...، فإن الله  وهب لك موهبة، جعل عليك رزقه ومئونته، وأنت تخشى فتنته، فاشتد لذلك، فلما قبض الله سبحانه موهبته، وكفاك مئونته، وأمَّنك فتنته اشتد لذلك حزنك، أقسم بالله، لو كنت تقياً تعزيت على ما هُنيت عليه، ولهُنيت على ما عُزيت عليه، فإذا أتاك كتابي هذا، فأصبر نفسك عن الأمر الذي لا غنى بك عن ثوابه، واعلم أن مصيبته وإن عظمت إن لم يُذهب فرح ثوابها حزنها فذلك الحزن الدائم .

• وأنشد بعضهم قائلاً:
وإذا يُصبكَ مصيبةٌ فاصبر لها عظمَتْ بليةُ مُبْتَلَي لا يصبر

• وأنشد آخر فقال:
وعوضت أجراً من فقيد فلا يكن فقيدك لا يأتي وأجرك ذاهب


• وعزى موسي بن المهدي سلمان بن أبي جعفر في ابن له مات فقال:
أيسرك وهو بلية وفتنة ؟ ويحزنك وهو صلاة ورحمة وهدى؟ يشير إلى قول الله :
{ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (الأنفال: ٢٨)
ويشير بالثانية إلى قوله تعالى: { أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة:157)
( العقد الفريد ( 2/456)، والأذكار للنووي( 9/148)
فلله ما أعطى ولله ما حــوى ولـيس لأيام الرزية كالصـبر
فحسبك منهم موحشاً فقد برهم وحسبك منهم مسلياً طلب الأجر
فهذه تسلية وتسرية لكل مكلوم أصيب بفقد الأحباب عسى أن تكون برداً لكبده وراحة لفؤاده ...
والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

س: اذكر بعض صيغ التعزية المخالفة للشرع، والتي تجري على ألسنة الناس؟

جـ: من هذه الصيغ الممنوعة الغير مشروعة:
قول البعض: "البقية في حياتك"
وهذه الصيغة غير صحيحة، حيث يفهم منها أن الميت مات قبل انتهاء أجلُه، وبقي من عمره بقية لم يعشها (أي مات ناقص العمر بزعمهم)، فيدعون أن تنتقل هذه البقية إلى عمر من يُعزِّيه. وهذا كلام خطير واعتقاد باطل يصطدم تماماً مع قوله تعالى:
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }(الأعراف:34 ) وأيضاً يصطدم هذا القول
مع قول النبي r الثابت في شعب الإيمان للبيهقي، أو الحلية لأبي القيم عن أمامة t عن النبي r: "إن روح القدس نفث في روعي: أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في مجموع الفتاوى:
التعزية مستحبة، ففي الترمذي عن النبي r أنه قال: "مَن عزَّى مصاباً فله مثل أجره" "ضعيف" وأما قول القائل: "ما نقص من عمره زاد في عمرك (وهو ما تقوله العامة: البقية في حياتك) فغير مستحب، بل المستحب أن يُدْعى له بما ينفع، مثل أن يقول: "أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفَر لميتك" أهـ

ـ من صيغ التعزية الممنوعة كذلك:

"اللهم اجعلها آخر الأحزان"، "محدش يعزِّيك"، "عظم الله أجلك"،"ينساك الموت".

فالناس يجامل بعضهم بعضاً، ويعزي بعضهم ببعض بهذه الصيغة "ينساك الموت"، مع أن الموت من قضاء الله، فكأنهم يصفون الله تعالى بالنسيان والغفلة.

س: هل التعزية تحدُّ بثلاثة أيام كما يزعم البعض استناداً لحديث:"لا عزاء فوق ثلاث"
جـ: بداية هذا الحديث لا أصل له، وهو حديث يتداوله العوام، وقد ورد في السنة أنه يجوز التعزية بعد الثلاث، ولم يرد حديث صحيح ينص على تحديد زمن التعزية، بل متى رأى الفائدة في التعزية أتي بها.
فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه عزَّى بعد الثلاثة في حديث عبد الله بن جعفر ـ رضي الله عنهما ـ قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم...."
(أبو داود والنسائي).
وأخرجه الإمام أحمد أيضاً من حديث عبد الله بن جعفر – رضي الله عنهما – قال:

"بعث رسول الله r جيشاً استعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: فإن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة، فلقوا العدو، فأخذ الراية زيد فقاتَلَ حتى قُتِلَ، ثم أخذ الراية جعفر فقاتَلَ حتى قُتِلَ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتَلَ حتى قُتِلَ، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه، وأتى خبرهم النبي r فخرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن إخوانكم لقوا العدو، وإن زيدا أخذ الراية فقاتَلَ حتى قُتِلَ واستشهد ثم............ ثم.............. ثم أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه، فأمهل ثم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي ابنيْ أخي، قال: فجيء بنا كأنا أَفْرُخ، فقال:ادعوا لي الحلاق فجيء بالحلاق، فحلق رءوسنا، ثم قال: أما محمد فشبيهُ عمِّنا أبي طالب، وأما عبدُ الله فشبيهُ خلْقي وخُلُقي، ثم أخذ بيدي فأشالها، فقال: اللهم اخلُف جعفراً في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه، قالها ثلاث مرات، قال: فجاءت أُمُّنا فذكرت له يُتْمَنَا وجعلت تُفْرِحُ له، فقال: العَيْلَة تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة"
ـ تُفْرِحُ: أي تَغُمُّه وتحزنه. من أَفْرَحَهُ: إذ غَمَّه وأزال عنه الفرح، وأفرحه الدين: أثقله.
فتبين من خلال هذا الحديث أن النبي r جاء آل جعفر بعد ثلاث.

قال النووي ـ رحمه الله ـ كما في المجموع:
وأما وقت التعزية فهو من حين الموت إلى حين الدفن، وبعد الدفن إلى ثلاثة أيام، وتكره التعزية بعد الثلاثة؛ لأن المقصود منها تسكين قلب المصاب، والغالب سكونه بعد الثلاثة، فلا يجدد له الحزن، وهذا هو الصحيح المعروف وبه قطع الجمهور.

ولا حرج من التعزية بعد ثلاثة أيام لمن كان مريضاً أو غائباً فلم يحضُر.
وحكى إمام الحرمين: أن هذه المدة للتقريب لا للتحديد، فإنه لا أمد للتعزية، بل يبقى بعد ثلاثة أيام وإن طال الزمان؛ لأن الغرض الدعاء، والحمل على الصبر، والنهي عنة الجزع، وذلك يحصُل مع طول الزمان. أهـ

س: هل يجوز تكرار التعزية؟
جـ: إذا عُلِم أن هناك مصلحة في ذلك، كأن يتجدد على أهل الميت الحزن لسبب ما، فالأصل التعزية طالما أن أهل الميت محتاجون إلى ما يزيل الحزن عنهم. أما إذا نسوا لطول زمان مثلاً، فلا نجدد عليهم الأحزان بالتعزية.