دبلوماسيتنا.. في يومين



أحمدو ولد اشريف المختار
ahmedoucherif1@ gmail.com

يقال بأن من لا ماضي له ،لا حاضر له، ومن لا حاضر له فلن يكون في المستقبل ، مقولة يمكن إسقاطها علي دبلوماسيتنا الغارقة في محيط العلاقات الدولية يوم استولي القراصنة علي سفيننا في ليلة مظلمة النجوم لا ضوء فيها إلا للنجوم المحمولة علي الاكتاف ولا زال سفيننا تائها وأصحابه لما يهتدون .

سنعود مع دبلوماسيتنا الي أمسنا يوم كنا شنقيط لنصبح علي يومنا ونحن موريتانيا ،علنا نستقرئ غدنا.

يوم كنا شنقيط كنا محمولين في صدور الرجال علما وحكمة فكنا إشعاعا ثقافيا أضاء ظلمة الجهل وأنار الطرق أينما حل حاملوه ، من أدغال إفريقيا إلي قياصرة أوربا مرورا بالمشرق الاسلامي ،كان العلماء الشناقطة سفراء معتمدين في حلهم وترحالهم ،بغزارة علمهم وجزالة شعرهم يبهرون العدو قبل الصديق، ويرسمون أزهي اللوحات لمنكب برخي ،لم يؤت بسطة في الرزق بقدر ما بسط لأهله في العلم فكان منا محمد محمود ولد اتلاميد، ولمجيدري ولد حب الله واحمد ولد الامين صاحب الوسيط، ومحمد المختار الشنقيطي أصحاب أضواء البيان وغيرهم من فطاحلة العلماء.

فيوم أفتي أمير مكة بتبعية شنقيط للمغرب ،وجد أمامه ولد اتلاميد مقرّعا لحجته عند السلطان العثماني بالبينة والبرهان فردّت الفتيا علي صحابها ،وبقيت شنقيط علي شنقيطيتها.

وذاك احمد ولد الامين يؤلف كتابه الوسيط في القاهرة إملاء من ذاكرته ليجعله واسطة تعرف الشرق بعلماء شنقيط وأهلها.

وهذا المختار ولد حامدن ،يبدع في حياة موريتانيا من أدغال إفرقيا غيرة علي شنقيط من سخرية شرقية ،لا تري في الشعث الغبر القادمين من الضفة الشمالية لنهر صنهاجة دلائل لحياة، غير حياة البؤس والشقاء، والبعد عن الحضارة البشرية ،كما كان لحجاجنا الميامين ،صولات في التعريف بدين الله ،وفتح قلوب وثنيي إفريقيا بالحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن، فدخلت إفريقيا في دين الله دون أن تراق قطرة دم واحدة.

فاهنأوا بما قدّمتم وانعموا في جنان الخلد ولا تؤاخذونا بما نحن عليه في يومنا ونحن موريتانيا رغم أن بداية موريتانيا أتت بعد استعمار فرنسي قبيح ،حاول تحطيم البنية الثقافية لشنقيط وقطع الآصرة بين حاضرها وماضيها ،لكنه أهدي لنا الجيل المؤسس،

واضع اللبنة الأولي للجمهورية الاسلامية الموريتانية ،جيل استبدل ضعف الامكانات وشح الموارد بقوة الإرادة و الروح المهنية الخلاقة ،واستغلال الموروث الثقافي لشنقيط كأساس للعلاقات الخارجية للدولة الوليدة ،ففي المعركة الاولي، معركة الاعتراف كانت كاريزمية الرئيس المختار ولد داداه هي السلاح الناعم الذي اخترق جدران العزلة المفروضة علي الدولة الفتية والذي تولت كبره بعض الدول الشقيقة ،وهكذا ستتوالي الاعترافات الخارجية بدءا بالمنظمات الدولية والاقليمية ثم الدول المعترضة أصلا علي وجود موريتانيا كدولة ،وهي اعترافات بجيل وعطائه أكثر منها اعتراف بدولة لمّا تبلغ الحلم بعد، وعطاؤها بمعايير العلاقات الدولية لايؤهلها للإعتراف ،لكن سرعان ما أثبت الجيل الجديد أحقية موريتانيا في تبوإ مكانتها علي المستوي الدولي فكانت الوقفات الشجاعة للرئيس المختار ولد داداه إلي جانب حركات التحرر وحمل هم القضية الفلسطينية ،ودعم كل القضايا العادلة للمستضعفين الافارقة.

وقد سجلت هذه النصرة ليلة اعتذار الرئيس المختار عن حضور حفل عشاء منظم من قبل الرئيس الامريكي نيكسون بسبب اهانته للرئيس الزامبي.

مثل هذه الواقفات جعلت الدولة الموريتانية تمدّ أغصانها الي الخارج قبل تقوية جذور الدولة في الداخل ،وجعلت من ديبلوماسيتنا مستشارا لدولة الصين العظمي لتقوية علاقتها في افريقيا. في هذه المرحلة كانت سياستنا الخارجية اكبر من مقاس دولتنا.

وبما أن الفعل البشري تعتريه النواقص دائما فقد كبا جواد الجيل يوم أقحم موريتانيا في حرب رغم غايتها النبيلة لكن الوسائل المستخدمة لم تك علي مستوي حرب مسرحها صحراء شاسعة وتدار رحاها من قبل القوي العظمي في المنطقة، وهي بهذا حرب خاسرة ،حتي وان ربحنا بعض معاركها.

أولي خسائر هذه الحرب هي خسارة جيل آمن بالدولة الموريتانية وبذل جهودا مضنية سبيلا إلي إنشاء دولة عصرية ،لها هيبة في الداخل وسمعة تسبقها في الخارج ،لكن كبيرة كبائر هذه الحرب كانت في ميلاد جيل خلاسي من أصحاب الاحذية الغليظة والبدلات الخشنة ،استولي فجر العاشر من يوليو 1978علي السلطة في حركة وصفت بالتصحيحية ، لكن سرعان ما ظهرت كذبة فجرها واتضح أن وصفها بالتصحيحية هو من باب الزور والبهتان،

استبدلوا طاقم الدبلوماسة بطاقم علي زيهم وبمقاسهم ،متملقين أينما حلوا لا يولون لوطن إلا ولا ذمّة ،فأصبح وجهنا الخارجي منفي للمغضوب عليهم من العساكر والامن وغرفة انعاش للمرضي ذوي الحظوة عند السلطان ومن أشرف علي التقاعد من المقربين ،عله يحظي بتقاعد مريح ،بل الادهي من ذلك أن المناصب في السفارات اصبحت منحة لشيوخ القبائل ومخبأ لأكلة المال العام تورية لهم عن المساءلة.

ولأن سفيننا في هذه المرحلة ليس له شيء من أمره ،تعاقبت عليه أجيال من القراصنة الهواة ،تعشق الابحار في المجهول علي غير بينة من أمرها ،فلا هي أبدعت فرسمت مسارا لسياستنا الخارجية علي غير المثال السابق ولاهي قلدت فاتبعت سالفها ،تردم حفره فتنجو وتسير بنا الي بر الامان، فكانوا بحق أسوأ خلف لخير سلف، بل هم الخلف المضيع.

فإلي متي ونحن تائهون ؟هل سنبقي ونحن الاعزة أحفاد الشناقطة نقتات علي موائد الجيران؟ هل من يوم جديد نصبح فيه علي بينة من أمرنا مهديين هادين كما كنّا؟

أول سطور الإجابة وآخرها هو أن يلي الامر أهله!!!!!

وأهمس لسكان المجرات، الاخوة في النجوم ،أن عودوا إلي ثكناتكم فحتي وإن بدّلتم زيّكم العسكري فقد جبلتم علي العسكرة وقواعدها الفزيائية ،فقرع نعالكم الخشنة يصم الآذان وغبار حركاتكم لا تسعه إلا ميادين الشرف ،وقد قلدناكم وسام شرف الدفاع عن الوطن فلا تنزلوا أنفسكم بأنفسكم إلي خبث السياسة ومكر أهلها ،فالشرف لأهله والخبيثة للخبثين ، فاختاروا أي المنزلين ترتضون .ففي زماننا هذا ما لسكان المنطقة الرمادية من قرار، فقد تبين الخيط الابيض من الخيط الاسود،

همس آخر ،ودعوة إلى قومي للنجاة ،فكما تكونون يولّى عليكم، ولن يغير الله ما بكم حتي تغيروا ما بأنفسكم.