تعريف بمدينة كيفه

بقلم: سيدي ولد أحمد مولود

بعد وصول المستعمر الفرنسي إلى موريتانيا بعدته وعتاده، عام 1903 عن طريق روصو قادما من السنغال بدأ يتوغل شيئا فشيئا إلى بقية المناطق الداخلية حتى وصلت كتيبة من طلائعه إلى ولاية لعصابة وسط البلاد، عام 1906 حيث أسست فيها مدينة كيفه، التي كانت تعرف باسم"حاس باب" قبل أن يطلق عليها المستعمر هذا الاسم، وكانت في ذلك الوقت مجرد مركز، ولكنها ظلت تكتسب قيمة جاذبة للسكان مستفيدة من توسطها بين مدن الشرق والغرب، حتى باتت ثاني أكبر مدن البلاد من حيث تعداد السكان.

وحسب ما يقول النعمة ولد باباه العارف بالمدينة فإن أحد الاستعماريين رأى بعض السكان يبيعون نوعا من القشور فأخذ واحدة منها وسألهم عن اسمها فقالوا كيفه! وهي اسم لمفردة الكيف وهي قشور كانت تستعمل في تطريز الحبال، ويرى مصطفى ولد زين أنها مشتقة من الكوفة وهي المدينة العراقية المعروفة، بينما تذهب روايات أخرى إلى القول إن الاسم مشتق من وادي يقع بالقرب منها يتوفر على المياه الصالحة للشرب بخلاف المناطق المحاذية لها.

ومهما يكن من أمر وبغض النظر عن الآراء المتباينة حول هذا الموضوع فقد أنشأ المستعمر حسب ما يقول صغيرُ ولد السالك مؤسساتٍ مدنيةً ومراكزَ إداريةً ما تزال باديةً للعيان، ومن بين هذه المؤسسات محكمة عسكرية وسجن مركزي، ومدرسة ابتدائية إضافة إلى مكتبي الوالي والحاكم، كما قام بتخطيط حي القديمة، وحي "كوميز" الذي سمي باسم أحد الإداريين الفرنسيين.

بيد أن بناء المستعمر لهذه المراكز وتخطيطه لأحياء المدينة لم يكن نابعا من نية طيبة لتنمية البلاد ومساعدة سكانها كما يقول كثيرون، بقدر ما كان يسعى إلى إطالة بقاءه وترسيخ أركان نفوذه، لكن الطبيعة الجغرافية للولاية لم تكن تجري بما يشتهيه المستعمر، فكثبانها الحارقة وجبالها الشاهقة وأوديتها الكثيفة التي وفرت المأوى للمجاهدين، كانت مصدر إزعاج يقض مضاجعه ويخيب آماله ويجهض أحلامه الماكرة وأطماعهم الجشعة، حيث شهدت ضواحي المدينة عمليات عسكرية للمقاومة الوطنية ضد الاستعمار وحدثت بالقرب منها معركة راس الفيل ومعركة بوكادوم التي استشهد فيها الأمير بكار ولد سويد احمد في عام 1905م.

ويقول محمد محمود ولد الصيام الذي عايش الاستعمار إن المستعمر صار يدوس الأرض بعرباته ويروع الآمنين بسلاحه وينهشهم بمخالبه وأنيابه، بحثا عن قادة المقاومة الوطنية الذين كانوا يقضون مضاجعه بهجمات مباغتة، حيث أقام لهم محكمة عسكرية ليحاكمهم فيها، وجعل المواطنين في استنفار دائم خشية مداهماته للمنازل بحثا عن أطفال يلحقهم بالمدارس التي أقامها بغية نشر ثقافته، وهو ما أعياه تحقيقه بسبب رفض السكان لمساعيه.

و تعتبر مدينة كيفه من أوائل المدن الموريتانية التي تأسست في العصر الحديث حيث مضى عليها أكثر من قرن، مما جعلها ثاني أكبر مدينة في البلاد بعد العاصمة نواكشوط، وتقع وسط موريتانيا في النصف بين العاصمة نواكشوط غربا ومدينة النعمة شرقا على بعد 600 كلم عن كل منهما، وتحدها من الغرب مقاطعة كرو ومن الشمال مقاطعة بومديد ومن الجنوب مقاطعة كنكوصة ومن الشرق مقاطعة الطينطان ومن الجنوب الشرقي مقاطعة تامشكط، ولها مناخ صحراوي جاف، ترتفع درجة الحرارة فيها صيفا لتصل حدود 50 درجة مئوية وتنخفض شتاء إلى حدود عشرين درجة و تشهد في فصل الربيع تساقط كميات من الأمطار تتراوح مابين 500 و800 ملم سنويا.

يقدر عدد سكان مدينة كيفه بثلاثين ألف نسمة بينما بلغ عدد ناخبي المقاطعة في انتخابات 2009م 41424 ناخب فيما يصل عدد سكان ولاية لعصابة حوالي 281600 حسب إحصاء عام 2000م، ويعتمد سكان المدينة على التنمية الحيوانية حيث تعتبر ولاية لعصابة ولاية رعوية وزراعية وتنتشر فيها المراعي الخصبة التي تسرح فيها قطعان الماشية على أطراف المدينة، كما يمارس السكان الزراعة المطرية.

و تتبع لمدينة كيفه أربع بلديات ريفية هي لكران ونواملين وأغورط وكورجل و يوجد فيها قصر للعدالة يضم محكمة الولاية ومحكمة الاستئناف ومحكمة الجنايات، إضافة إلى مكاتب جهوية ومراكز إدارية تمثل مختلف القطاعات الحكومية من بينها مقر الولاية، ومقر المقاطعة، ومقر البلدية، والإدارة الجهوية للتعليم، والإدارة الجهوية للصحة، والإدارة الجهوية للشؤون الإسلامية، والمندوبية الجهوية للثقافة والشباب والرياضة، والمندوبية الجهوية للزراعة والبيطرة، وخلية جهوية للمتابعة والتقويم تابعة لوزارة الشؤون الاقتصادية والتنمية، والإدارة الجهوية لمفوضية الأمن الغذائي ومكتب الإحصاء، ومكتب للحالة المدنية، وفرع للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وفرع التنمية الريفية، وإذاعة محلية، ومكتب للرصد الجوي.

ويدير بلدية كيفة المركزية مجلس حكم محلي من 21 مستشارا برئاسة العمدة، ويمثلها نائبان في مجلس النواب الموريتاني وعضو في مجلس الشيوخ.

أما قطاع الصحة: ففيها مستشفيين مركزيين، أحدهما هو ثاني أكبر مركز استطباب في البلاد بعد العاصمة نواكشوط يحمل اسم مركز الإستطباب الوطني بكيفه، إضافة إلى 5 مستوصفات طبية، ومدرسة للصحة العمومية، أنشئت في 2008 تعمل على تكوين ممرضي الدولة والممرضين الاجتماعيين والقابلات، و 6 عيادات طبية، و20 صيدلية طبية، و3 بيطريات.

أما قطاع التعليم: ففيها ثانويتين وأربع إعداديات و22 مدرسة ابتدائية، ومعهدين للعلوم الإسلامية أحدهما أنشئ بتمويل من أحد أمراء السعودية وبمبادرة من أحد علماء المدينة يحمل اسم المعهد العالمي بكيفه والآخر يتبع المعهد العالي بنواكشوط، ويحمل اسم معهد بوبكر بن عامر، إضافة إلى معهد للتكوين والتدريب المهني، ومركز لتحفيظ القرآن، وعشرة محاظر قرآنية تقليدية، غير أن المدينة لا تتوفر على كليات أو مؤسسات جامعية، وفي سنة 2010 تم التوقيع بين موريتانيا والجماهيرية الليبية على بناء جامعة الفاتح بكيفة قبل اندلاع الثورة الليبية في السابع عشر من فبراير 2011 قبل وضع حجر الأساس لهذه الجامعة.

كما توجد فيها من المؤسسات الأمنية والعسكرية: مدرسة عسكرية بضاحية المدينة،وفرقة من الحرس الوطني، وفرقة من الدرك الوطني، وفرقة من الجمارك ومديرية للأمن الجهوي ومفوضية الأمن الوطني، ومركز الإطفاء المدني، وسجن مركزي.

كما توجد فيها 84 من المنظمات والجمعيات المدنية، وداران للشباب إحداها متهالكة، وملعبان لكرة القدم وملعب لكرة السلة، وفرع لشركة للمياه، وفرع لشركة الكهرباء،كما توجد فيها مقار لبعض الأحزاب السياسية هي الحزب الإتحاد من أجل الجمهورية، وحزب التحالف الشعبي التقدمي، وحزب تكتل القوى الديمقراطية، وحزب تواصل، وحزب حاتم، وحزب الصواب.

و توجد بمدينة كيفه أربعة أسواق تجارية، و3 أسواق للمواشي، وفندقان وثلاثة نزل وثلاثة بنوك ومطار صغير، ويعتبر سوق الجديدة أهم أسواقها وقد زاد من أهميته توسط المدينة بين مدن الشرق والغرب فضلا عن توفرها على معبر حدودي مع جمهورية مالي ومن الناحية الجنوبية الشرقية من جهة "تناها" إضافة إلى كونها سوقا لمقاطعتي "سيلبابي" و"وول ينجه" التابعتان لولاية كيديماغا التي تعيش عزلة عن باقي مدن البلاد حيث ترتبط المدينة بهاتين المدينتين بواسطة طريق بري غير معبد وتنقل السيارات يوميا المسافرين والركاب بين هذه المدينة والمقاطعات المحيطة بها .

و إلى مدينة كيفه ينتسب العلامة محمد الأمين ولد محمد المختار الشنقيطي الملقب آبه ولد اخطور أشهر علماء البلاد في الجزيرة العربية والمولود في ضاحية تنبة قرب مدينة كيفه و هو مؤلف كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن والمتوفى في 10 من يناير1974م، كما ينتسب إليها قائد أول انقلاب عسكري في البلاد وأول حاكم عسكري منذ الاستقلال محمد المصطفى ولد محمد السالك الذي حكم البلاد ما بين 1978 و 1980 .


وفي عام 2008م أقام سكان المدينة احتفالات شعبية بمرور مائة عام على تأسيس مدينتهم وحضرها عدد من مثقفي وأطر المدينة.