السجون في موريتانيا: اكتظاظ مرعب .. ومدارس لتكوين المجرمين



سجن دار النعيم

أحمد ولد محمدو
ouldmodou@gmail.com


زيادة عدد السجون وتوسيعها، كانا من بين تعهدات رئيس الجمهورية الحالي محمد عبد العزيز، خلال الحملة الانتخابية الرئاسية الماضية، التعهد حينها حمله منافسوه على أنه توجه للحد من الحريات، ووعيد لخصومه السياسيين.

ولد عبد العزيز كان يقصد كما أوضح آنذاك، أنه بصدد حرب مفتوحة على ما أسماه الفساد والمفسدين، الذين دعاهم للتوبة قبل فوات الأوان، متوعدا إياهم بالسجن حتى لو كلف ذلك بناء المزيد من السجون في موريتانيا لاستيعاب عددهم الكبير.


بعد مرور سنة وسبعة أشهر، على انتهاء الحملة الانتخابية، عاد الحديث عن السجون ونزلائها، ووضعيتهم المزرية، هذه المرة، على لسان اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في تقريريها عن السنة الماضية والذي تناول وضعية هذه السجون بإسهاب.

اللجنة خلصت في تقريرها إلى ان وضعية السجون كارثية، فسجن دار النعيم يعاني اكتظاظا رهيبا، حيث بلغ عدد السجناء 1250 نزيلا، في حين أنه مخصص في الأصل لـ350 نزيلا، مما سبب العديد من المشاكل، بخصوص النظافة والصرف الصحي والغذاء.

و السبب الرئيسي لهذا الاكتظاظ حسب التقرير، ناتج عن الاستخدام المفرط للحبس الاحتياطي وتجاوز فترات الحرمان من الحرية، حيث يقبع حوالي نصف نزلاء السجن رهن الحبس الاحتياطي ومنذ عدة سنوات.
ذاك هو وضع سجون الرجال، أما السجن المدني للنساء فقد أضاف التقرير أن نزيلاته يتعرضن لمحاولات الاعتداء الجنسي من ظرف السجانين والاكتظاظ وسوء التغذية والصحية داخله السمة المشتركة مع سجن دار النعيم علما ان نزيلات سجن النساء يبلغ عددهن 49 سجينة بينهن 17 أجنبية، بينما سجن الأطفال الجانحين " مركز بيلا" فانه يضم 47 طفل يقبعون في ظروف مأساوية أقلها إمكانية انهيار المبنى المشيد من الطين والمهدد بالانهيار في أية لحظة.

ذلك هو الجزء القاتم من الصورة، أما الجزء الثاني فكان من نصيب السجناء السلفيين، الذين يمثل سجنهم، حلما لسجناء الحق العام، خاصة منهم من ينحدر من وسط فقير، حيث يقول التقرير إن هذا السجن يوفر الراحة النسبية لنزلائه بالمقارنة مع بقية السجون، ومع ذلك فإن هذا السجن ينقصه مكان للقاءات الخاصة، بالنسبة للمتزوجين، كما أن نزلاءه ـ كما ورد في التقريرـ لم يقروا بتعرضهم للتعذيب، وهذا ما يمكن أن يفهم منه أن سجناء الحق العام يتعرضون للإساءة.

ويبلغ عدد نزلاء السجن المدني المعروف حاليا بسجن السلفيين 138 سجين بينهم 44 من السلفيين، مقسمين على ثلاثة اجنحة يضم كل واحد منها 12 سجينا، بينما البقية 98 من سجناء الحق العام 37 منهم في الحبس الاحتياطي.

التقرير لم يخل من صور وردية، على عهدة معديه، الذين أشادوا بمحاولة تحسين أوضاع السجون، بعد وفاة عدد من السجناء خلال السنة الماضية، وكذا الحركة الاحتجاجية العنيفة التي قادها السجناء، حيث تدخلت بعدها وزارة العدل بالشراكة مع عدد من هيئات المجتمع المدني، وزودوا إدارة السجون ببعض الأغذية، ومعدات النظافة، والأفرشة، والأفضل من كل ذلك محاولة تخفيف الاكتظاظ بإطلاق سراح مئات السجناء هذا العام، بعفو رئاسي في مناسبات مختلفة.

كما تمت الاشادة بمركز الميناء الذي يعتبره التقرير مركز الايواء الوحيد الذي إستوفى المعايير الدولية لكن بقاءه رهين بتجديد اتفاقية الشراكة مع منظمة أرض الرجال الايطالية التي تنتهى دجمبر 2011.

تلكم هي الوضعية العامة التي خلص اليها التقرير السنوي الذي تعده اللجنة الوطنية لحقوق الانسان والذي سلمته لرئيس الجمهورية من طرف رئيسها با مريم كويتا، وقد تحصلت اللجنة على هذه المعلومات من خلال الزيارات المدنية التي نظمتها اللجنة لبعثاتها خلال السنة الفارطة، مما يعنى بشكل واضح أن المعلومات التي حصلت عليها قد تكون نقطة من بحر الحقيقية حيث أن مسؤولي السجون ربما قد يكونوا على علم مسبق بتوقيت هذه الزيارات مما يمكنهم من التغطية على حقيقة الوضع، وهذا ما يؤكده العديد ممن سبق له ان كان نزيل هذه السجون حيث يصفونها بالمرعبة ليس فقط في معاملات السجانين للسجناء التي تتسم بالقسوة بل ان الظروف المحيطة بهم جد سيئة، حيث تنتشر الأمراض المعدية كما يفاقم سوء التغذية وغياب الرعاية الصحية هذا الوضع وهذا تسبب خلال السنة الماضية في سقوط عدد من الضحايا كما شهد السجن حالة انفلات أمني بسبب سوء الأوضاع.

شيء آخر يميز هذه السجون هو الطابع الاجرامي المسيطر داخلها حيث أن عتاة المجرمين هم من يسيطر داخل هذه السجون ويحدد قواعد التعامل وأي نزيل يخرج على هذه القواعد يتعرض للعقاب الشديد الذي قد يصل احيانا حد القتل، كما ان انتشار تجارة المخدرات ومختلف انواع الممنوعات داخلها جعلت البعض يعتبرها المكان الاكثر أمانا للممارسة تجارته حيث أنه محمي من مطاردات السلطات الامنية كما يحدث في الخارج وبالتالي فانه يمارس تجارته الاجرامية في أمن وأمان حيث يتم تهريب البضاعة من الخارج ويتم بيعها للسجناء نهارا جهارا دون أن يعرض نفسه لمخاطر الشارع حيث الصراع محتدم مع الامن.
هذا الوضع دفع البعض في العودة سريعا الى السجن بعد اطلاق سراحه ومن طرائف ما يتندر به السجناء أن بعضهم لديه أماكن معروفة في السجن ولايمكن لاي كان الاقتراب منها حال خروجه لانه سيعود بسرعة، بالمناسبة الأماكن داخل غرف السجن تحدد بعدد قطع البلاط " كرو" فمثلا لكل سجين عدد من السراميك ملكية خاصة محرمة على الآخرين والدخول اليها يعتبر اعتداء على هذه الملكية يستدعي من صاحبها أن يدافع عن ملكيته بكل الوسائل المتاحة والتي في مقدمتها الصراع الجسدي وتبادل اللكمات وبالنسبة للبعض قد تحتاج المعركة لحسمها استخدام الأسلحة البيضاء كل ذلك في غياب الحراس الذين غالبا ما يتدخلون في وقت متأخر ويكون العقاب عنيفا وللجميع دون تحديد المسؤوليات.